"عرب ٤٨" يكشف تفاصيل جديدة بقضية استشهاد خير حمدان

 "عرب ٤٨" يكشف تفاصيل جديدة بقضية استشهاد خير حمدان

يكشف التحقيق الذي أجراه عرب 48 أن الشهيد خير حمدان نزف نحو خمسين دقيقة منذ سحبه رجال الشرطة إلى داخل السيارة، وأنه كان بالإمكان إنقاذ حياته عدة مرات، لكن سيارة الشرطة وسيارة الإسعاف سلكا طرقا أطول وأبعد على الرغم من الإصابة الحرجة... || تحقيق: منى عمري


كم مرة قتل خير؟ استعراض مصور لأهم المعلومات في التحقيق أدناه (إعداد: منى عمري | مونتاج: نورا كرام | جرافيك: محمود جبارين)

بعد منتصف ليل الثامن من تشرين الثاني (نوفمبر)، توقفت سيارة الشرطة التي تقل بداخلها المعتقل حلمي حمدان، عدة ثوان بعد أن لاحظت شابًا، وهو خير الدين حمدان (٢١ عامًا)، يركض خلفها، فغير السائق الاتجاه واستدار عائدا.

يبدو أن شارعا داخليا في بلدة عربية يعتبر مسرحا مثاليا لتنفيذ جريمة قتل، فالفرق الوحيد بين هذه الجريمة وجرائم القتل التي نفذتها الشرطة بحق ٤٨ شابا عربيا منذ العام ٢٠٠٠ وحتى اليوم، هو أن الشرطة على ما يبدو كانت تعتقد أن كاميرات المراقبة في بلدة عربية على الأغلب موجودة في شارع رئيسي فقط.

لم تدخل الشرطة كفر كنا، لأكثر من شهر منذ استشهاد الشاب خير الدين حمدان واندلاع المواجهات، هذا ما أكده لنا الأهالي. سُجلت العديد من المشاكل والأحداث الجنائية، اتصل الناس على إثرها بالشرطة التي لم تتجاوب بدورها. الفكرة السائدة هي أن الشرطة تخشى دخول كفر كنا خوفا من التعرض لها أو تجدد المواجهات. حسناً، ماذا يعني عدم وجود شرطة في بلدة يبلغ عدد سكانها 20 ألف نسمة لأكثر من شهر؟! هل هو عقاب جماعي؟! هل لتصب الناس غضبها على المتظاهرين الذين 'تخشى الشرطة دخول كفركنا بسببهم”؟

أعددنا هذا التحقيق من باب تعريف الرأي العام بمجريات قضية استشهاد خير حمدان، وإشراك الجمهور في أدق تفاصيل القضية حيث يسلط التحقيق الضوء على جريمة وقعت تحت عدسة الكاميرا، ويحاول الإجابة على أسئلة عديدة وإثارة أخرى، كي لا يغلق هذا الملف كما أغلقت ملفات تحقيق كثيرة كان الضحايا فيها عربًا، ولكي لا نسلم بالواقع والاكتفاء بالقول “قتل لأنه عربي”، وليس اكتشافا نقف عنده، وننتظر نتائج تحقيق/ فحص قسم التحقيق مع رجال الشرطة (ماحش) الذي يتبع قاعدة إغلاق مثل هذه الملفات.

الصحافة الإسرائيلية تتجند بشكل غير مسبوق لإغلاق الملف، فقبل صدور أي موقف رسمي من 'ماحش' حول إغلاق الملف أو تقديم الجناة إلى المحكمة، تروج الصحافة الإسرائيلية لأخبار غير دقيقة حول نية “ماحش” تبرئة القتلة، وهذه خطوة ليست بالعبثية بل تهدف إلى جسّ نبض الشارع تمهيداً لإغلاق الملف. 

تقول المحامية عبير بكر التي تابعت ملفات شهداء هبة القدس والأقصى في الداخل، إنه يتوجب على 'ماحش ووزير الأمن الداخلي وكل الجهات المسؤولة تجميد عمل أفراد الشرطة على الفور، ومنعهم من ممارسة عملهم حتى يتم التحقق من القضية، لأن رجل الشرطة يحتم عليه حيازة السلاح، وهناك خطورة بأن يقوم رجال الشرطة ذاتهم بالفعل نفسه مجددا لذلك يجب إيقاف عملهم”. 

جريمة في الضوء.. جريمة في الظل 

نعود إلى ليلة الجريمة. لم يعترض أحد طريق سيارة الشرطة بعد تنفيذها عملية اعتقال ابن عم الشهيد (حلمي حمدان)، وابتعدت نحو ٢٠٠ متر من منزل المعتقل، لكنها استدارت كما يظهر الفيديو التالي دون سبب واضح، وكأن أفرادها عادوا “للتخلص” من الشاب الذي يلحق بهم، وبالنتيجة فإن قرار الشرطة العودة إلى المكان يشير إلى ما كانوا قد أزمعوا على تنفيذه.

فيديو ١: سيارة الشرطة تستدير لمواجهة خير حمدان

ويظهر الفيديو الشهير، السيارة وخير يلتقيان في نقطة معينة، بالصدفة تحت عدسة كاميرا مراقبة، أي أن الشهيد لم يكن ليستطيع اللحاق بها لو أنها أكملت طريقها. إذ كيف كان من الممكن إلحاق الضرر أو الخطر بأفرادها في هذه الحالة؟

        

چرافيك 1: سيارة الشرطة عادت لتلتقي بخير

ادعت الشرطة في روايتها الأولى (قبل انتشار الفيديو) بعد وقوع الجريمة بوقت قليل “أن شابا عربيا قام بالاعتداء على الشرطة، وتمكن من جرح شرطي بيده بواسطة سكين، وقد أصيب الشاب بقدمه، ونقل إلى المستشفى'. هذه الرواية رددتها بعض المواقع العربية، وهذا ما أبلغ به والد الشهيد، رؤوف حمدان، بعد فترة وجيزة من وقوع الجريمة.

لو لم تكن هناك كاميرا توثق الجريمة لكانت على الأغلب قصة الشرطة هي القصة الرسمية للحدث في الصحافة، وربما كانت ستجرى مقابلة مع الشرطي 'الذي طعن في يده' ، لكن حتى مع وجود كاميرا أصرّ الإعلام العبري على إخبارنا نصف قصة ملفقة. 

في اليوم التالي من الجريمة وعلى الرغم من انتشار الفيديو، ذكر موقع القناة التلفزيونية الإسرائيلية الثانية 'ماكو' على لسان زئيف نير، أحد محامي أفراد الشرطة المتورطة بقتل خير حمدان، أن “الهدف من إثارة الموضوع هو فقط حصد مكاسب سياسية من وراء القضية، وأنه متأكد من أن موكله فعل ما فعل لأن حياته وحياة زملائه كانت في خطر”. 

لو راجعنا الفيديو الذي يوثق عملية القتل  (الدقيقة الأولى و١٢ ثانية) يتضح لنا أن الشهيد أصيب بيده وسقط على الأرض، واستمر يتقلب  (حتى الدقيقة الأولى وعشرين ثانية). ويبيّن الفيديو بعدها كيف سُحب خير إلى السيارة حيا وهو ينزف.  كما أن خير سقط أرضا بعد الرصاصة الأولى، فما حاجة الشرطة إذاً إلى إطلاق رصاصة ثانية؟

الفيديو الجديد، حصلنا عليه من كاميرا مراقبة ثانية صورت ظل الجريمة بمساعدة مصباح الشارع الذي عكس الجريمة من زاوية أخرى لتتناوله الكاميرا المقابلة.

فلنشاهد في الثانية الـ٢٨ من الدقيقة الأولى استدارت السيارة، وفي الثانية  الأربعين خرج السائق وفتح باب السيارة وأطلق النار. 

تنص تعليمات إطلاق النار الرسمية في الشرطة فقط في الحالات التالية:

- بإمكان الشرطة أن تطلق النار في حال شكّل الطرف الآخر خطرا واضحا ومباشرا على حياتها أوعلى حياة مواطنين؛

- بإمكان الشرطة إطلاق النار بعد أن تستنفد كافة الوسائل الأخرى المتاحة قبل الشروع بإطلاق النار؛ 

- على الشرطة تنبيه الطرف الآخر وإخباره كلاميا بلغة يفهمها بأنها ستقوم بإطلاق النار عليه، أو أن تطلق رصاصا تحذيريا في الهواء قبل إطلاق النار؛

- إطلاق النار يكون في المنطقة السفلية من الجسد يعني في القدمين. 

يؤكد التحقيق الذين أجريناه، أن الشرطة لم تستنفد أيا من وسائلها قبل إطلاق النار، لم تحذر الشهيد كلاميا كما أفاد الشاهد الوحيد حلمي حمدان، بأنها تنوي إطلاق النار عليه إن لم يتراجع، ولكنها قامت بإطلاق رصاصة 'تحذيرية' للأعلى قبل أن تطلق النار عليه وتصيبه في يده وبطنه. 

رصاصة تحذيرية وشهيد ثالث… 

المدة الزمنية للجريمة منذ اللحظة التي استدارت بها سيارة الشرطة وعادت لملاقاة خير وحتى انصرفت من المكان، استمرت دقيقة واحدة فقط. تذكرنا هذه الدقيقة بفيلم 'المتبقي'، من إخراج سيف الله داد، الذي يروي تفاصيل سقوط حيفا، وكيف أن قوات 'الهاچانا' بقيادة موشيه كانت تدور في شوارع حيفا تقتل كل عربي حي.

الرصاصة 'التحذيرية' أطلقت نحو بيت السيد إدوار خوري، اخترقت النافذة، واستقرت في السقف، بعد أن هرع ابنه إلى الشباك يستكشف سبب الضجة في الخارج، ولولا أن والده نبهه بأن يتراجع، لسقط شهيدا! 

في كلا الفيديوهين يظهر أن ثلاثة من رجال الشرطة تقدموا باتجاه الشرق (الجهة التي قَدِمَ منها الشهيد)، تجاوزوا خير الملقى على الأرض، ولحقوا بأحد الشبان (شادي) الذي كان يلحق بخير، وأطلقوا النار صوبه عليه قبل أن يعودوا ليسحبوا خير ويضعوه في السيارة. 

لحق شادي بخير بطلب من والد الشهيد الخمسيني الذي كان يركض خلف ابنه ولم يتمكن منه. وقال محامي العائلة خالد أمارة لـ”عرب ٤٨” إن 'نيران رجال الشرطة صُوبت نحو شادي وأخطأته بعد أن فر هاربا”، ولولا الخطأ في التصويب لسقط شهيد ثالث.

من كفركنا حتى دوار الرينة… طريق النزيف والطلب الأخير

وقعت الجريمة ما بين الساعة 00:30 - 00:40. الساعات غير مضبوطة بدقة في كاميرات المراقبة، هذا ما أكده محامي العائلة. في هذه الأثناء كان يجلس في سيارة الشرطة الشاهد الوحيد، حلمي، الذي روى لـ”عرب ٤٨” ما جرى بتلك اللحظات، ويقول إن خير ألقي في الجزء الخلفي من السيارة، وكان يجلس بجانبه شرطي، وكان بينه وبين ابن عمه مسند كرسي السيارة. وحين حاول حلمي الالتفات إلى الوراء كان هناك من يقمعه ويمنعه. ووصف حلمي المشهد وقال: 'كنت استمع لآخر لحظات ابن عمي الشهيد وفي إحدى المرات التي تمكنت فيها من الالتفات للخلف رأيت خير يحاول رفع يديه وأحد أفراد الشرطة يضربه ويسخر منه”.

التوقيت بعد منتصف الليل.. الشوارع خالية من المركبات. كان من المفروض أن تنقل سيارة الشرطة خير المصاب إلى سيارة الإسعاف خلال خمس دقائق على الأكثر لو أنها اختارت الطريق الأقصر، أي طريق المشهد - الرينة. لكن لسبب غير واضح، اختار سائق سيارة الشرطة الطريق الأطول والتي تستغرق ما يقارب ١٨ دقيقة، ما يعني أن هناك ما يقارب 13 دقيقة إضافية من النزيف.

       

جرافيك 2: مسار سيارة الشرطة... اختارت الطريق الأطول

لنتوقف قليلا هنا.. ونعود إلى حالة الشهيد الملقى في سيارة الشرطة، والمصاب برصاصتين واحدة في البطن وأخرى في اليد. (حسب العائلة ومن كان حاضرا أثناء غسل الجثمان). ثمة معلومة تفيد بأن الشهيد وصل إلى سيارة الإسعاف حياً، ما يعني أن الرصاصة التي أصابت خير في بطنه لم تكن قاتلة، وإلا لاستشهد خير على الفور، ولم يكن ليحتمل 18 دقيقة داخل سيارة الشرطة. وبينما كان الشهيد ينزف، وكان الشاهد، حلمي، يستمع لصوت أنفاسه ولِما يدور داخل السيارة، 'كان طلبه الأخير هواءً' ، 'بدي هوا' ردد خير، قوبل هذا الطلب بالتهكم من قبل رجال الشرطة وبعدها قاموا بتشغيل المكيف! 

وصلت سيارة الشرطة إلى دوار الرينة حيث كانت تنتظر سيارة الإسعاف، وبعد 5 دقائق وصلت سيارة شرطة أخرى، وأخذت المعتقل حلمي إلى مركز الشرطة في الناصرة. سيارة الإسعاف لا زالت في المكان (دوار الرينة) مما يؤكد أن خير كان على قيد الحياة، وفي سؤالنا عن سبب تأخر سيارة الإسعاف دقائق إضافية في المكان (حوالي 7- 8 دقائق بالمجمل)، قيل لنا من قبل مسعفين، أنه من غير المتبع إجراء عملية الإنعاش اثناء السير، لذلك يتوجب على سيارة الإسعاف الوقوف أثناء الإنعاش.  


18+8+?= 48 دقيقة من النزيف! 

الساعة الواحدة والنصف تقريباً بعد منتصف الليل. وصلت سيارة الإسعاف إلى المستشفى. لا، لم تكن الطريق إلى المستشفى النمساوي القريب مغلقة، ولم يكن المستشفى الإنجليزي مزدحما! لكن الإسعاف وهو صاحب القرار إلى أي مستشفى يتجه بحسب الحالة التي ينقلها. قرر المسعف السفر 22- 25 دقيقة إضافية للوصول إلى مستشفى العفولة، وهناك وصل خير شهيدا.

لماذا لم يتجه الإسعاف إلى المستشفى النمساوي القريب، واختار المستشفى الأبعد؟ علما بأن المستشفى الأقرب (النمساوي) مهيأ لاستقبال الحالة. 

ولاستيضاح الاعتبارات التي تتحكم بعمل المسعف وللتساؤل عن سبب اختيار المستشفى الأبعد، توجهنا إلى المسعف بسام عرابي (إسعاف الزهراوي)، الذي أكد لنا أن “ما هو متبع في إطار الإسعافات الاولية، أنه في حال وجود خطورة على حياة المصاب علينا إيصاله فوراً إلى أقرب مستشفى. أحيانا هناك إصابات تحتم نقل المصابين إلى مستشفيات خاصة بنوع الإصابة وهذا ما يقرره الإسعاف، لكن نقل الحالة الخطيرة إلى أقرب مستشفى يزيد من فرص إنقاذ المصاب في حال كان المستشفى مهيأ'. 

حتى اللحظة لم نتمكن من الإطلاع على التقرير الطبي لمعهد التشريح الجنائي “أبو كبير” أو على تقرير المستشفى، وذلك بسبب مسار الفحص الذي يقوم به 'ماحش'. ساعة الوفاة الدقيقة لا زالت غامضة حتى بالنسبة للعائلة، ولكن هناك معلومات توفرت لدينا من قبل العائلة تفيد بأن فحص الأشعة المقطعية (ct) للشهيد تم اجراؤه في المشرحة، وليس في المستشفى، الأمر الذي يرجح أن خير وصل شهيدا! (المتبع طبيا هو إجراء فحص الأشعة في المستشفى في حال وصل الشخص حياً).

     

 جرافيك 3: مسار سيارة الإسعاف... هي الأخرى اختارت الطريق الأطول

هل كان من الممكن أن ينجو؟

كان من الممكن الإجابة عن هذا السؤال، لو أن سيارة الشرطة انطلقت من مكان وقوع الجريمة إلى المستشفى النمساوي فورا. حركة السير شبه منعدمة في مثل هذه الساعات، والمسافة تستغرق أقل من 10 دقائق، ولو أن سيارة الإسعاف التي انتظرت الشرطة على دوار الرينة انطلقت بخير المصاب فورا إلى المستشفى النمساوي لاستغرقت الطريق 23 دقيقة، إذا ما أضفنا وقت وصول سيارة الشرطة عن طريق “هموفيل'، تجدر الإشارة إلى أننا لا نعلم حتى اللحظة متى طلبت الشرطة سيارة إسعاف بالضبط.

خير لم يمت بسبب الرصاصة.. خير مات بسبب النزيف الذي استمر ٤٨ دقيقة تقريبا، حسب الشهادات التي قمنا بجمعها، وربما بسبب ضربة وُجهت إليه وهو ينزف. الكشف عن تقرير التشريح الذي أجري في معهد “أبو كبير” كفيل بالإجابة على أسئلة كثيرة حول اللحظات الأخيرة في حياة الشهيد، وحول السؤال المركزي: كم مرة كان من الممكن أن ينجو؟

سقف بيت الشهيد

عندما قابلنا والد الشهيد أول مرة قبيل البدء بإعداد هذا التحقيق، بدا لنا الرجل للوهلة الأولى متماسكا قويا مؤمنا بقدره، وهو بالفعل كذلك، لكنه يخفي رجلا غاضبا حزينا، يتذكر التفاصيل بمرارة. حقيقة لا نعلم ما هو شعور الأب الذي يستقبل في بيته بكل عزم وإصرار بعد شهر من استشهاد ابنه، خلاطة إسمنت لـ“صب” سقف بيت الشهيد.

        

وتبقى تساؤلات بحاجة إلى أجوبة قاطعة:
- لماذا عاد أفراد الشرطة إلى المكان؟

- لماذا أطلقوا النار بدون سبب مشروع؟

- لماذا أطلقوا النار على جسده العلوي؟

- لماذا سلكوا الطريق الأبعد إلى سيارة الإسعاف؟ (بانتظار رد نجمة داوود الإسعاف على توجهنا)

- ولماذا توجهوا إلى المستشفى الأبعد؟

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص