د. النابلسي: التهميش السياسي والاجتماعي هما المغذيان للجريمة ضد النساء

د. النابلسي: التهميش السياسي والاجتماعي هما المغذيان للجريمة ضد النساء
د. رغدة نابلسي

* المرأة العربية واقعة بين مجتمع عاجز عن مساعدتها ومؤسسات غريبة عنها

* المجتمع الفلسطيني لا يرى الشرطة حامية له وحريصة على سلامته

* المطلوب: رؤية واضحة وخطة متكاملة في موضوع العنف والجريمة وقتل النساء


يُعتقد على نطاق واسع أنّ قتل المرأة يضع حدا لمعاناتها وعذاب أطفالها، ويوقف حياتها المغمسة بالعنف والرعب والإذلال والإهانة كانت تعيشها هي وأطفالها، وهو وضع ينطبق على نصف حالات القتل الأخيرة التي كانت ضحاياها معروفات لمكاتب الخدمة الاجتماعية وكان "العنوان على الجدار"، إلا أن ذلك غير صحيح، إذ إنه ينهي التعنيف الذي تتعرّض له المرأة بقتلها هي، بدل إنهاء مصدر التعنيف، ويترك وراءها أسرةً ثاكلةً وتعاني من خطر التفكّك.

وفي بعض الأحيان تستهدف المرأة كونها الطرف المستضعف في علاقات القوة القائمة بين الجنسين أو تقع ضحية لتفاقم أعمال العنف والجريمة التي تضرب المجتمع العربي وتصيب حلقاته الضعيفة، ولكن، في كل الحالات، يكون المجتمع أكثر "تسامحًا" مع استباحة دم المرأة، فيقف عاجزًا عن إعانتها قبل وقوع الجريمة، "قاصرًا" عن منعها و"صامتًا" على وقوعها.

د. رغدة النابلسي، التي قابلت عشرات النساء اللاتي يتعرضن للعنف خلال إعدادها لرسالة الدكتوراه حول الموضوع في مجال الخدمة الاجتماعية، تشير إلى المعضلة التي تواجه المرأة العربية الفلسطينية الواقعة في هذه المشكلة عند اللجوء لمؤسسات الرفاه وغيرها من المؤسسات الإسرائيلية، فهي تعرف، من ناحية أن العنف مدمّر لها ولأسرتها وأطفالها، ولكنها تعي، من جهة ثانية، أهمية البيت في المجتمع الفلسطيني بمفهومه العاطفي الذي يعني الانتماء إلى المكان والأرض والهوية، وهي لا تريد أن يتم اقتلاعها من بيئتها الطبيعية تلك، ولكنها لا تريد أن يتم اقتلاعها من الحيز الوجودي، أيضًا.

حول هذه المفاهيم وقضايا العنف ضد المرأة وجرائم قتل النساء، كان هذا الحوار مع د. رغدة النابلسي، الباحثة في قضايا العمل الاجتماعي والمحاضرة في كلية روبين.

عرب 48: بحثت قضية العنف ضد المرأة في المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، ما هي أهم العوامل التي تغذّي العنف ضد النساء في هذا الحيز؟

النابلسي: هناك عاملان يغذيان العنف ضد المرأة الفلسطينية في إسرائيل؛ الأول، كوننا أقليّة قومية أصلانية، مع كل ما يعنيه الواقع السياسي من تهميش وإهمال وتمييز ينعكس على كل مجالات الحياة، وتكون المرأة أولى ضحاياه حيث تتحول بقصور مجالات أساسية مثل التعليم والعمل إلى أكثر مستضعفة وتابعة.

العامل الثاني، هو انتماؤها إلى مجتمع عربي تقليدي و"جماعي"، ما زال يرى بوجود أدوار مختلفة للرجل والمرأة داخل الأسرة وفي المجتمع، وهو إطار تحاول المرأة اختراقه بنجاح وبصعوبات مانعة من المجتمع في أحيان أخرى.

من تظاهرة حيفا ضد قتل النساء (عرب 48)
من مظاهرة حيفا ضد قتل النساء بعد جريمة قتل يارا أيوب من الجش (عرب 48)

اجتماع هؤلاء العامِلَين السياسي والاجتماعي، يغذّي كلٌ بطريقته العنف ضد المرأة ويرفع من منسوب الجريمة ضدها، فالمؤسسة لا توفر لها وسائل التمكين مثل التعليم والعمل، الذي يمكّنها ويعزز من قدراتها ومكانتها داخل الأسرة وداخل المجتمع، مثلما لا توفر لها وسائل الحماية والأمان لدى تعرضها للعنف الأسري، هذا ناهيك عن أنّ المؤسسة ووسائط الحماية التي توفرها هي غريبة عنها وعن بيئتها الاجتماعية والوطنية.

أما المجتمع، فإن أُطره التقليدية، إذا ما وجدت، فإنها لا تسعف، بحكم تقليديتها، المرأة المعنّفة، وهو في أحسن الأحوال يلتزم جانب الصمت تجاه هذا العنف الذي يطال الأطفال والأسرة بالكامل ويتحول إلى قضية اجتماعية عامة.

عرب 48: في مجتمع باتت أبواب البيوت فيه تغلق بالأبواب المصفحة، بعد أن كانت مفتوحة على مصراعيها، صرنا نسمع عن الحالة بعد وقوع الجريمة فقط، وبات تكاثر الجرائم هو ما يشير إلى الظاهرة؟

النابلسي: تزايد جرائم قتل النساء العربيات هو دليل على تفاقم الظاهرة، ومؤشر إلى ما يجري خلف هذه الأبواب المغلقة، ولكنّه موجود في كثير من الحالات أمام موظفي مكاتب الرفاه وغيرها من المؤسسات، علما بأنّ الكثير منها لا يصل حتى إلى تلك المؤسسات بسبب العوامل التي ذكرتها آنفًا، أو أنها ما زالت في الدوائر الاجتماعية، بمعنى العائلة الموسعة أو رجال المجتمع، وهي المحطات التي تمر بها قبل أن تنتهي إلى المؤسسات الرسمية، فيما لا تصل بعض هذه الحالات إلى تلك الجهات أصلا.

فكما هو معروف، المجتمع الفلسطيني يرى في المؤسسة جسما غريبا، لا يعمل لصالح المجتمع، والمرأة موجودة داخل هذه التوقعات الجماعية، التي لا ترى في مؤسسات الدولة وخاصة الشرطة حاميةً لنا وحريصة على سلامتنا وأمننا.

المرأة تجد نفسها في معضلة، فهي من ناحية لا تحصل على المساعدة المطلوبة من مجتمعها، ومن ناحية ثانية، تجد أن يديها مقيدّتين في طلب المساعدة من مؤسسات الدولة، خاصّة وأنّها تعرفُ، سلفًا، أنّها لن تحصل على المساعدة الكافية والشافية.

عرب 48: ماذا تقصدين بالقول إنها لن تحصل على المساعدة الكافية والشافية؟

النابلسي: النساء اللاتي توجهن إلى هذه المؤسسات، وخاصّةً الشرطة أفدن بأنّ التجربة كانت سيئة، فمجرد أن يتم مشاهدة المرأة في مركز الشرطة هذا بحد ذاته لا يلائم محيطنا العربي، ناهيك عن تعامل كيفية تعامل الشرطة مع موضوع الشكوى والآليات الخاصة بذلك.

لقد سبق أن تم اقتراح إقامة وحدة شكاوي خاصة بالمرأة في مكاتب الرفاه، على غرار الوحدة الخاصة بالعنف ضد الأطفال في هذه المكاتب، والتي تتشكل من عاملين اجتماعيين مؤهلين لهذا الغرض. وجود مثل تلك الوحدة يجعل التعامل مع مثل تلك القضايا أكثر مهنية ويضعها في نصابها الصحيح، بصفتها قضايا ذات بعد اجتماعي اقتصادي، مختلفة عن سائر القضايا الجنائية التي تشتغل بها الشرطة، عدا عن أنه يمكن أن تجد بعض هذه القضايا حلها في هذه المكاتب، دون أن تصل إلى الشرطة، وفي حال وصل بعضها، فإنه يسلك طريقا صحيحا لا يسبب الإحراج للمرأة ويلقى عناية مهنية.

يارا أيوب... أثارت جريمة قتلها صدمة في المجتمع العربي (عرب 48)
يارا أيوب... أثارت جريمة قتلها صدمة في المجتمع العربي (عرب 48)

عرب 48: وهل تم رفع مثل هذا المطلب إلى الجهات المختصة وتم رفضه؟

النابلسي: أعتقد ذلك، ولكن الجهات الرسمية تتذرع دائما بالميزانيات، وهي لا توفر الحد الأدنى المطلوب للمجتمع العربي في قضايا الأسرة والمرأة، وتكفي الإشارة إلى أنّه في كل الوسط العربي هناك ملجآن فقط للنساء المعنفات، واحد منهما مهدد بالإغلاق بسبب نقص الميزانيات، علمًا بأنّ الإجراء ذاته لا يلائم تقاليد المجتمع العربي، لأن المرأة العربية ليست من النوع التي تترك بيتها وبيئتها بسهولة.

كان من شأن وحدة من هذا النوع أن توفر على المرأة العربية معاناة المثول في مراكز الشرطة، أمام محققين لا يتمتعون بثقافة تؤهلهم لمعالجة قضايا من الأكثر خصوصية في حياة العائلة، قضايا يفترض أن تعالج في الإطار المهني المخول، بذلك وفي أجواء من السرية.

عرب 48: ولكنك أشرت، أيضًا، إلى عدم ملاءمة البرامج الاجتماعية المقدمة لواقع المرأة العربية؟

النابلسي: نعم، هذه البرامج قادمة من مجتمعات تركّز على الفرد نفسه، المجتمعات الفردانية، وعندما نطبّقها على مجتمع تقليدي محافظ فيه أدوار تقليدية للمرأة والرجل نجد أنفسنا في أزمة، فعندما تأتي إلى المرأة، أقول لها كعاملة اجتماعية، أنتَ يجب أن تأخذي حقوقك وتمارسي ذاتك، ولكنها عندما تعود إلى بيتها تجد نفسها في واقع مختلف، يرى فيها أقل من الرجل، وما زالت مفاهيم العيب والممنوع والحرام هي السائدة فيه، وهنا، تجد المرأة نفسها عالقة بين ما يقدم لها من أساليب عمل وبين الواقع المختلف.

عرب 48: وما هو مطلوب في هذا الباب؟

النابلسي: مطلوب تصميم برامج ملائمة لواقعنا الاجتماعي وتأهيل عمال اجتماعيين متفهمين لحيثيات هذا الواقع، يتم إكسابهم آليّات ومهارات تتناسب معهنّ، لأنه لا نفع أن تأخذ شيئا جاء من الغرب وتطبقه على مجتمعنا، من دون مراعاة خصوصية هذا المجتمع كمجتمع عربي أصلاني، يختلف عن أقليات أخرى في إسرائيل والعالم.

فنحن لسنا مهاجرين، بل مواليد هذه الأرض وعلاقتنا مع الدولة شائكة من الأساس، بسبب قضية سياسية، إضافة إلى الفروقات الاجتماعية القائمة بيننا وبين مجتمع الوافدين، الذين يرون أنفسهم جزءًا من العالم الغربي.

 عرب 48: ألا تعتقدين أنّ المجتمع فقد الكثير من الدور التقليدي الذي كان يلعبه في هذا السياق؟

النابلسي: من الواضح أننا مجتمع يمر بمرحلة انتقالية، يفقد في إطارها العديد من الأطر والتقاليد مفعولها، ولكننا ما زلنا، أيضًا، مجتمعا تقليديا محافظا في قضية المرأة ويبتغي منها "السترة" وأن تكون مسالمة ولا تسعى إلى إثارة " الفضائح" وأن تصبر وتضحي وتتنازل عن كرامتها من أجل أولادها.

كما أننا ما زلنا نشرّع الضرب، فأول ما تواجهه المرأة المعنّفة هو مقولة "كل النساء يضربن"، وكأن الموضوع هو عادة اجتماعية تمارس في كل البيوت. كذلك، فإنّ تشريع موضوع التعنيف لا يقتصر على المرأة، فهو يشمل الأطفال باعتباره "أسلوبا تربويا" في البيوت والمدارس.

عرب 48: ولكن رقعة الانتشار تتقلص بشكل كبير، خاصة في المدارس على الأقل بسبب القوانين الرادعة؟

النابلسي: التعنيف لا يقتصر على الضرب والعنف الجسدي، فهناك التعنيف الكلامي والإهانات وهي لا تقل أثرًا على نفسية الطفل وتكوينه من العنف الجسدي، وهي ظاهرة ما زالت شائعة في البيوت والمدارس العربية.

عرب 48: في المحصلة، في كل قضايا العنف والجريمة وقتل النساء نحن نقع بين عجز مجتمعي وإهمال مؤسساتي، ماذا يمكن أن نفعل؟

النابلسي: عندما تغلق غالبية الملفات الخاصة بقتل النساء والجريمة في المجتمع العربي، فالرسالة واضحة وهي تشجيع الجريمة وإعطاء ضوء أخضر لمنفذيها، وهو أمر غير مستغرب على مؤسسة تحدثنا عن العلاقة الشائكة التي تربطنا بها، علما بأنّ ذلك لا يعني السكوت وعدم مطالبة الشرطة جهات تطبيق القانون القيام بدورها.

يبقى دورنا كمجتمع في إدراج قضية العنف والقتل والجريمة ضد النساء وضد الرجال كقضية قومية، فنحن ما زلنا نفتقر إلى رؤية واضحة وخطة عمل شاملة ومتكاملة لمعالجة هذه القضية، خطة تبدأ من إحداث تغيير جذري في أساليب التربية في البيوت والمدارس ولغة الخطاب والتحاور السائدة في الشارع وعلى منابر الأحزاب والمساجد والكنائس وغيرها من مؤسساتنا الاجتماعية والسياسية.


د. رغدة النابلسي: من الرملة، باحثة ومحاضرة في كلية روبين في موضوع الخدمة الاجتماعية. حاصلة على شهادة الدكتوراه من الجامعة العبرية في القدس، بحثت أطروحتها موضوع "العنف ضد النساء العربيات، في السياق الثقافي والاجتماعي- السياسي، أبعاده وسبل مواجهته".

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019