فتش عن الشرطة: نسبة جرائم القتل... في أستراليا والبلدات العربية

فتش عن الشرطة: نسبة جرائم القتل... في أستراليا والبلدات العربية

بنظرة سريعة إلى تطورات مأساة مقتل الطالبة الجامعية آية مصاروة، من مدينة باقة الغربية، بجريمة بشعة الأربعاء الماضي، في أستراليا، بالإمكان الملاحظة بشكل واضح الاهتمام الإعلامي الكبير الذي أولته وسائل الإعلام الأسترالية للجريمة وانعكاساتها على المواطنين في الدولة - القارة، الذين خرجوا اليوم الأحد، بالآلاف للمطالبة بضمان سلامة النساء.

وربما يكون أبسط ما يُمكننا استنتاجه من تبعات مقتل الشابة العربية في أستراليا، هو أن الجريمة كادت أن تمر مرور الكرام في المجتمع العربي بعد يوم أو يومين من "الصدمة"، ليس بسبب انعدام التعاطف أو الغضب تجاه مرتكب الجريمة، بل لانعدام التحرك الشعبي تجاه الجريمة عينها أولا، وتجاه جرائم القتل والعنف ضد النساء في المجتمع العربي ثانيا، ومجمل الجرائم العنيفة التي أودت بحياة 76 شخصا عربيا، خلال العام الماضي فقط.

وفي حين أن العنف في المجتمع العربي أصبح جليا، وبات يهدد غالبيتنا بشكل مباشر أو غير مباشر، فإنه لا يبدو أن ثمّة تحرّك شعبي حقيقي في المدى القريب للحد منها على الأقل، حتى وإن افترضنا أنه ليس بمقدورنا القضاء عليها نهائيا.

لماذا لاقت جريمة قتل آية اهتماما كبيرا في أستراليا؟

يُمكن البدء أولا بالإشارة إلى أن الشرطة الأسترالية اعتقلت المتهم بجريمة قتل آية مصاروة خلال 48 ساعة فقط، وقدمت ضده لائحة اتهام على الفور يوم الجمعة الماضي، بخلاف عشرات الضحايا النساء الذين قُتلن في مجتمعنا العربي على مدار السنوات ولم يُدن أو يُعتقل المشتبهين بارتكاب معظم الجرائم. قد يعود هذا الأمر لسببين أساسيين؛ الأول، تقاعس الشرطة الإسرائيلية ورغبتها غير المعلنة والتي يختصرها عموم الناس بمجتمعنا بجملة "يريدوننا أن نقتل بعضنا البعض".

أما الثاني، فهو طبيعة هذه الجرائم بالذات، ففي حين تمكنت الشرطة الأسترالية القبض على كودي هرمان، من خلال المساعدة التي قدمها الجمهور وتقنيات أخرى مثل كاميرات المراقبة، لكن الشرطة في البلدات العربية تستخدم كاميرات المراقبة في التحقيقات لكن دون جدوى في معظم الجرائم، وتدعي أن الجمهور لا يقدم المساعدة، وكأن المواطنين العرب ليسوا جزءا من مواطني الدولة الذين يتوجب على الشرطة توفير الأمن الشخصي لهم، على عكس ما فعلت الشرطة الأسترالية التي استنفرت وأنهت التحقيقات خلال أيام.

وبالتمعن في الجريمة في أستراليا، فإنه على سبيل المثال، في آخر تقرير شامل عن عدد ضحايا جرائم القتل بين أيلول/سبتمبر 2013 والفترة ذاتها من العام 2014، فقد شكلت نسبة جرائم القتل في أستراليا نحو 1.8 أشخاص من كل 100 ألف شخص خلال العام، أي أنه في الدولة التي يبلغ تعداد سكانها أكثر من 24 مليون قُتل 238 شخصا. وتُشير الإحصائيات الحديثة إلى أن معدل ارتكاب الجرائم بالمجمل في انخفاض مستمر منذ ذلك الحين.

وتُظهر هذه الإحصائيات البسيطة الفجوة الكبيرة بين الجريمة في أستراليا ونظيرتها في المجتمع العربي، الذي شكلت جرائم القتل فيه نسبة 5.06 شخص من كل 100 ألف شخص العام الماضي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الجريمة تتركز بشكل عام في المدن لما فيها من اكتظاظ سكاني وحركة تجارية وعوامل أخرى، وعندما نعكس هذا الواقع على المجتمع العربي المشكل غالبيته من بلدات قروية وتفتقر "مدنه" إلى مقومات المدينة، أي أنها تعبر فقط عن تجمعات سكانية كبيرة، بالإمكان القول إن المشكلة تتفاقم هنا، أي أن الإحساس بوجود الجريمة وفقدان الأمن الشخصي يُصبح أمرا عاما ولا يقتصر على مناطق معينة من المدينة فحسب.

وهذا يعني أن المواطن الأسترالي، إن صح التعبير، لا يشعر بحجم الجريمة كما يشعر العربي في البلاد على المستوى الفردي، فبنسبة منخفضة كهذه، يُمكنها أن تكون بعيدة جدّا عنه، وبالتالي فإن خبرا كمقتل فتاة في الشارع، وخصوصا أنها أجنبية، قد يُشكل صدمة للشعور بالأمان العام الذي يُفترض أن بلاده تنعم به. وهذا ما يمكن أن يفسر ردة الفعل الشعبية في أستراليا في أعقاب الجريمة وخروج الآلاف إلى الشوارع.

إضافة إلى كون الجريمة أمرا شائعا في مجتمعنا، فإن صغره يُذكر دائما أن هناك إمكانية ربما، بأن تكون ضحايا جريمة القتل القادمة، أشخاص تربطنا بهم معرفة شخصية أو عائلية، وبالنظر إلى التمييز العنصري وأزمة الاكتظاظ السكاني الذي تفرضه الحكومة الإسرائيلية، وانتشار السلاح (المرخص وغير المرخص)، وتقاعس الشرطة، فإنه ليس من المستغرب أن يكون معدل ضحايا جرائم القتل في "مدينة" أم الفحم في العام الماضي على سبيل المثال، أقل بقليل من 11 لكل 100 ألف شخص، وهي نسبة عالية جدا عالميا ومحليا، إذ أن نسبة جرائم القتل في إسرائيل أكثر بقليل من 1.5 لكل 100 ألف شخص.