سويطات: مخطط طنطور غيتو جديد تحت مسمى مدينة عربية

سويطات: مخطط طنطور غيتو جديد تحت مسمى مدينة عربية

نظمت رابطة خريجي الكليّة الأرثوذكسيّة العربيّة في حيفا، في ذكرى يوم الأرض، محاضرة تثقيفية لمخطط المدن والباحث عروة سويطات، بعنوان "خصخصة الوطن ومخطّط الطنطور: التحوّل في سياسات التخطيط الإسرائيلية تجاه المجتمع العربي ومكانته في الحيّز".

واستعرض سويطات إسقاطات سياسات الإسكان والتخطيط الإسرائيلية الجديدة تجاه المجتمع العربي، خاصة مخطط الطنطور الهادف لإقامة مدينة عربية جديدة على أراضي جديدة - المكر. وحلّل سويطات الخطاب التخطيطي السائد والأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للخطة الحكومية 922 ومخططات تكثيف البلدات العربية على الأراضي الخاصة إلى جانب سياسات الهدم المستمرة. كما تمحورت المحاضرة حول تطوّر مكانة المجتمع العربي في الحيّز خصوصًا ممارسات الدولة التخطيطية والنضال في وجه هذه الممارسات في ظل المكانة القانونية والدستورية للمجتمع العربي.

تجدر الإشارة إلى أن عروة سويطات هو صاحب لقب أول في الفلسفة والعلوم السياسية من جامعة حيفا ولقب ثان في تخطيط المدن في معهد العلوم التطبيقية - التخنيون، وفي مراحل إنهاء اللقب الثالث في تخطيط المدن والمناطق في التخنيون. يبحث سويطات العلاقة بين الدول والأقليات في العالم من خلال بحث التخطيط وسياسات الإسكان وإستراتيجيات المجتمع المدني لدى الأقليات في مواجهة هذه السياسات، في مدينة لندن - بريطانيا. وهو مخطط مدن وباحث وناشط في حقوق وقضايا التخطيط للمجتمع العربي.

وجاءت هذه المحاضرة ضمن المنصة السياسية وهي لقاءات فكرية ومحاضرات شهرية، من تنظيم رابطة خريجي الكليّة الأرثوذكسية العربيّة في حيفا، والتي اختارت موضوع يوم الأرض وقضايا وحقوق الأرض كموضوع مركزي في الشهر الماضي.

منابع ومعاني وخلفية مفهوم الأقليات والشعوب الأصلانية

واستعرض الباحث سويطات في مدخل محاضرته التطور التاريخي لمفهوم الأقليات والمجموعات والشعوب الأصلانية، منذ الحروب الدينية في القرن السابع والاستعمار والعبودية في القرن الخامس عشر، وتطوّر فكرة العرق والقومية والإثنية في القرن الثامن عشر، وثم حقوق الإنسان وحقوق الأقليات وحقوق الشعوب الأصلانية في القرن الماضي وأزمة الهجرة واللجوء في السنوات الأخيرة.

ومن ثم تحدّث سويطات عن تطوّر التعريفات النظرية لمفهوم الأقلية بدءًا من نظريات تفوّق العرق الأبيض استمرارًا بالتعريف الكلاسيكي الرقمي للأقلية كمجموعة ذات خصوصية ثقافية عن الأغلبية، وثم التعريفات التي تتطرّق إلى علاقات القوة والهوية وسياسات الاختلاف لدى الأقليات. وأخيرًا استعرض أهم النظريات في الفلسفة السياسية التي تتحدّث عن حقوق الأقليات.

وتطرق إلى الحالات المختلفة التي يعيشها الأقليات في العالم من النواحي السياسية والقانونية والدستورية والاجتماعية والجغرافية. وفي الأساس تعمّق سويطات في محاضرته في تاريخ الشعوب الأصلانية في العالم والمفاهيم والقوانين التي تتعامل مع حقوق الشعوب الأصلانية في قضايا الأرض وتقرير المصير وخصوصًا أهمية الأرض لدى هذه الشعوب في تعريف لذاتها ورفاهها الاقتصادي وتقرير مصيرها السياسي.

الخطة 922 قايضت الميزانيات بالبناء المكثف على الأراضي الخاصة

وقال سويطات في المحاضرة إن هناك تحوّلا في السنوات الأخيرة في سياسة التخطيط الإسرائيلية تجاه الحيز العربي في الداخل وتجاه البلدات العربية. إذا كانت السياسة المتّبعة في السابق هي سياسة التجاهل والتهميش والحصار الكامل، عدم التخطيط وعدم الاعتراف، فإنّ التحول في السنوات الأخيرة يكمن في الاعتراف بوجود أزمة سكن في البلدات العربية، بمعنى الإقرار لأول مرة بوجود مشكلة، ومن ثم الانتقال إلى إعادة تعريف المشكلة بشكل يسمح للدولة بالتدخل بشكل مؤثر وفعلي في تغيير نمط وأسلوب وثقافة السكن وطريقة الحياة في البلدات العربية، من خلال البناء المكثف على الأراضي الخاصة.

وأشار سويطات إلى أنه في العام 2015، شكّلت الحكومة الإسرائيلية لجنة الـ120 يومًا، من طاقم حكومي انتدب لبناء خطة لمواجهة أزمة السكن في ما سمّته "بلدات الأقليات"، المقصود بها البلدات العربية، وبعد 120 يوما خرج هذا الطاقم، الذي تشكل من الوزارات الحكومية المختلفة، بتوصيات نتجت عنها خطة 922. تقرير طاقم الـ120 يومًا أوصى بشكل واضح بتجنيد السكان بالكامل، خاصّة القيادات المحلية ورؤساء السلطات المحلية، كما جاء، لقيادة عمليات تغيير في طريقة التفكير المتعلقة بالبناء المكثف (متعدد الطوابق) على الأراضي الخاصة، وتحويل الأرض من قضية جماعية إلى عقار فردي.

وأضاف  أن الخطاب التخطيطي السائد يعرّف أزمة السكن في البلدات العربية، أنها مشكلة كثرة الأراضي الخاصة، وذلك عوضًا عن تعريفها بأنها مشكلة نقص في الأراضي العامة. وكما عرّفوا أزمة السكن على أنّها بناء غير قانوني، بدلًا من تعريفها كنتاج لانعدام التخطيط وسياسات عدم الاعتراف. وفي الإضافة عرّفت أزمة السكن على أنها مشكلة تمسّك محافظ وتقليدي بالأرض، بدلا من تعريفها كرباط أصلاني جماعي وسياسي مع الوطن. والأخطر أن الدولة عرّفت مشكلة السكن عند العرب أنها نتاج لثقافة تعارض البناء متعدّد الطوابق، بدلا من تعريفها كرفض لتكثيف البلدات العرب من دون موارد ولا قدرات ومن دون مرافق اجتماعية وبنى تحتية اقتصادية لائقة.

الخطة 922 أدّت إلى الاستيلاء على أكثر من 6.000 دونم أراضي عربية

وأكّد سويطات في المحاضرة أن الخطة 922 الحكومية هي عمليًا صفقة بين الدولة وبين السلطات المحلية العربية، قالت فيها الدولة، خذوا ميزانيات ومشاريع إسكان سريعة مقابل بناء مكثف ومتعدد الطوابق على الأرض الخاصة وعدم توسيع البلدات العربية وبناء مخططات تكرس الوضع القائم ولن تحل الأزمة. والأخطر أن الدولة أبرمت اتفاقيات إستراتيجية مع 15 بلدة عربية تخوّل وزارة الإسكان والدولة مسؤولية التخطيط والسيطرة على مشاريع الإسكان إلى جانب التزام السلطة المحلية بمنع البناء غير المرخص.

وعرض نتائج بحثه لأول مرة فيه يثبت أن مشاريع الإسكان في الخطة 922 هي كارثية، مشيرًا إلى أن الدولة تخطط 40 ألف بيت في سبع بلدات عربية وهي جزء من هذه البلدات الإستراتيجية التي عرفتها خطة 922، وذلك بعدد طوابق يتراوح بين 6-18 وبكثافة تتراوح بين 7-24 وحدة سكنية للدونم والأخطر أن كل ذلك في مناطق 54% منها هي أراضي خاصة: أي الاستيلاء على أكثر من 6.000 دونم من الأراضي العربية الخاصة. مشيرًا إلى أنه لا يوجد تخطيط لائق في العالم يكثف مشاريع إسكان على أراضي خاصة بهذا الشكل. وبدلا من أن تقوم الدولة بتصحيح الغبن التاريخي وتخصيص أراضي دولة للبناء وتوسيع البلدات العربية، التي تعاني أزمة سكنية خانقة بسبب النقص في الأراضي وسياسة الحصار والتطويق التي مورست على مدى عقود، فإنها تسعى إلى حشر المزيد من الشقق السكنية على مساحات قليلة، هي ما تبقى من احتياطي أراض خاصة لدى هذه البلدات. أي تركيز أكبر عدد ممكن من العرب على أقل رقعة ممكنة من الأرض.

خطة 922 خصخصة الوطن وتحويل الأرض إلى عقار فردي

وقال سويطات إن هذه السياسة الحكومية سيكون لها عدّة إسقاطات، الأول هو عدم تخصيص أراضٍ عامة وبالتالي عدم توسيع مسطحات بلداتنا ونفوذها، والثاني تكريس التوزيع غير العادل لما تبقى من أراض خاصة، والتي تقع بأيدي جزء قليل من السكان وستزيد من الاستقطاب الاجتماعي الاقتصادي، والثالث هو الهجرة إلى الأطراف والمدن المختلطة المجاورة ما سيؤدي إلى إضعاف البلدات العربية. والأخطر هو تحويل علاقتنا مع الأرض من علاقة وطن، أسوة بعلاقة الشعوب الأصلانية معها، إلى عقار يباع ويشترى، بمعنى خصخصة الوطن وتحويل مفهوم الأرض من وطن جماعي إلى عقار فردي، بهدف تحويل القضية من قضية سياسية جماعية إلى قضية فردانية بين الإنسان والدولة، بدل أن تكون بين المجتمع الفلسطيني وبين الدولة. وتصبح قضية الأرض قضية إجرائية غير سياسية تتمحور حول الترخيص والتخمين العقاري والتعويض، لا حول الغبن والحقوق التاريخية والقضايا الجماعية.

مخطط طنطور: غيتو جديد

وثم استعرض سويطات مخاطر مخطط طنطور الذي يهدف إلى تركيز السكان العرب في الجليل وعكا وبناء مجمّع فقر وغيتو جديد على أراضي جديدة - المكر تحت مسميّات إقامة مدينة عربية جديدة. وأشار إلى أن مخطط الطنطور يهدف إلى ابتلاع جديدة - المكر وخلق مدينة مشوّهة، من خلال تركيز العرب في حيّز فقير ومستضعف من دون أية مقومات مدينة ولا مرافق اقتصادية واجتماعية لائقة.

وأكد أن الدوافع السياسية للمخطط هي منع انتشار الخطر الديمغرافي العربي في الجليل والحدّ من دخول السكان العرب إلى المدن اليهودية والمختلطة. وخصوصًا إخلاء وتفريغ السكان العرب من مدينة عكا، لاستمرار تنفيذ المخططات السياحية والاقتصادية في البلدة القديمة في عكا. فبدلا من توسيع وتطوير البلدات العربية وتوفير حلول إسكان لائقة للضائقة السكانية الحارقة في البلدات العربية، وبدلا من الاعتراف في عشرات آلاف المباني غير المعترف بها وغير المرخّصة في البلدات العربية، تخطط الدولة تركيز العربي على أصغر رقعة ممكنة من الأرض من دون أية مقومات حياة مدينية وفرص عمل ومناطق عامة لائقة.

وأشار سويطات إلى أن مخطط الطنطور سيخلق مدينة هزيلة لا مثيل لها في البلاد. للمقارنة يهدف المخطط في الطنطور لإضافة ما يقارب 70 ألف إنسان على أكثر من 5,500 دونم بينما في نتسيرت عيليت هناك 40 ألف نسمة على 33 ألف دونم وفي حريش 50 ألف نسمة على 14 ألف دونم.

وأكد أنه في الطنطور التخطيط لـ15 ألف وحدة سكنية يصل معدّل الكثافة إلى 13 وحدة سكنية للدونم وفي مناطق معيّنة تصل إلى 24 وحدة سكنية للدونم وهي كثافة عالية جدا. بينما في نتسيريت عيليت هناك 17 ألف وحدة سكنية يصل معدّل الكثافة إلى 10 وحدات سكنية للدونم فقط وفي حريش 9 آلاف وحدة سكنية بكثافة 8 وحدة سكنية للدونم. في الطنطور التخطيط لـ700 دونم مناطق تشغيل وعمل، بينما في نتسيرت عيليت هناك 10 آلاف دونم للعمل والصناعة وفي حريش 3 آلاف دونم للعمل والصناعة.

وأكّد أن مخطط الطنطور يهدف لإقامة مدينة بشكل غير مسبوق على الأرض الخاصة، إذ يتم التخطيط على 2.000  دونم تابعة لأهالي جديدة - المكر تمّ مصادرتها عام 1975 وأما الآن سيتم الاستيلاء من خلال مخطط الطنطور على 1.370 دونما جديدا من أراضي تابعة لسكان جديدة - المكر، أي أن 39% من مساحة المخطط هي أراضي خاصة.

ولفت إلى أنه في استطلاع رأي شامل أجراه ضمن الاعتراض التخطيطي الذي قدّمه طاقم تخطيطي بقيادة بروفيسور يوسف جبارين، تبيّن أن الغالبية الساحقة من المجتمع العربي ترفض المخطط وترفض إقامة مدينة عربية في جديدة المكر.

النضال ضد مشاريع الإسكان الجديدة لا تسويقها كإنجاز

وأكّد سويطات أهمية النضال ضد هذه السياسات، مشيرًا إلى أن الدمج بين النضال السياسي والنضال الشعبي في تثبيت الناس في مواقفها وتمسكها في الأرض كقضية وطنية إضافة إلى العمل المهني والتخطيطي المنهجي، بإمكانه إفشال هذه المخططات. محذّرًا تصوير قسم الإسكان في خطة 922 على أنها إنجاز من قبل السلطات المحلية العربية وأعضاء الكنيست والجمعيات، على ضوء إسقاطاتها الكارثية على بلداتنا وحقنا في أرضنا.