كيّال: التطهير العرقي جرى وفق خطة سبقت "الحرب" لا نتيجتها

كيّال: التطهير العرقي جرى وفق خطة سبقت "الحرب" لا نتيجتها
محمّد كيّال

محمد كيال: العودة حق تاريخي وقانوني ومقدس تنتقل رايته من جيل إلى جيل

"يوم استقلالهم هو يوم نكبتنا" يظهر الوجه الآخر الذي تحاول إسرائيل إخفاءه عن العالم

عمليات التهجير بدأت قبل عام 1948 وتواصلت بعد قيام إسرائيل


يشكل مهجرّو الداخل ربع الفلسطينيين في مناطق 1948، ويسكن غالبيّتهم في القرى والمدن القريبة من قراهم، التي جرى تهجيرها وتدميرها عام 1948، حيث تبعد أطلال بيوتهم الأصلية التي تمنعهم إسرائيل من العودة إليها، وفق ما يسمى بـ"قانون الحاضر غائب"، بضعة كيلومترات فقط عن أماكن سكناهم.

ويحمل المهجرون معهم أسماء قراهم التي تشكل جزءًا من هويتهم الجمعية والشخصية، فالصفوري والداموني والميعاري وغيرها من مسميات القرى المهجرة تذيّل رسميًا أو مجازًا الأسماء الشخصية لعشرات، وربّما مئات آلاف المهجرين.

ويعزّز التحليل السوسيولوجي الذي يرى أن الوطن بالنسبة للفلسطيني هو "القرية" ومسقط الرأس والبيئة الحاضنة لطفولته وذكرياته وأحلامه، شعور المهجرين بالغربة داخل الوطن والحنين للعودة إلى قراهم ومدنهم، أسوةً بملايين الفلسطينيين اللاجئين في الضفة وقطاع غزّة والشتات.

في مطلع التسعينيّات، ومع بدء تبلور اتفاقيات أوسلو التي أخرجت فلسطينيي الداخل من إطار حل القضيّة الفلسطينية وقزّمت حق العودة، وفي عام 1992 تحديدًا، أقيمت لجنة مبادرة للدفاع عن حقوق المهجرين، التي عقدت مؤتمرًا تأسيسيًا عام 1995، تمخّض عنه الإعلان عن جمعية الدفاع عن حقوق المهجّرين، وفي عام 1998 انطلقت مسيرة العودة الأولى إلى قرية صفوريّة، لترسّخ تقليدًا سنويًا، تحت شعار "يوم استقلالهم يوم نكبتنا".

عشية مسيرة العودة الـثانية والعشرين، التي تقام هذه السنة على أراضي قرية "خبيزة" المهجرة في أراضي الروحة، أجرينا هذا اللقاء مع رئيس الهيئة الإدارية لجمعية الدفاع عن حقوق المهجرين، محمد كيال.

عرب 48: عرفنا أنّ هناك عقبات قد واجهتكم هذه السنة في مسألة تنظيم المسيرة، هل جرى التغلب عليها؟

كيال: لقد واجهتنا بعض العقبات التي أدّت إلى التأخير في الإعلان عن المسيرة، ولكنّنا نجحنا، في النهاية، بتذليل كافة الصعوبات والعقبات والإعلان عن مسيرة العودة الـثانية والعشرين إلى قرية خبيزة المهجرة في التاريخ السنوي كالمعتاد، وتحت شعار "يوم استقلالهم يوم نكبتنا".

لن نتنازل عن هذا التاريخ الذي يمثل لنا، في الداخل بشكل خاص، الوجه الآخر لاستقلال إسرائيل الذي تحاول أن تخفيه عن العالم وعن الأجيال الجديدة من الإسرائيليين، وهو نكبة الفلسطينيين، بما تعنيه من تطهير عرقي مارسته الحركة الصهيونية عام 1948 وبعد وقبل هذا التاريخ، أيضًا، ونتج عنه تهجير وتدمير 536 قرية فلسطينية وإجلاء 11 مدينة وتهجير ما يقارب المليون فلسطيني من ديارهم والسطو على أراضيهم وأملاكهم وعقاراتهم.

من مسيرة العودة إلى عتليت العام الماضي (عرب ٤٨)
من مسيرة العودة إلى عتليت العام الماضي (عرب ٤٨)

وما زالت إسرائيل، وبعد 71 عامًا على النكبة، تمنع ما يقارب من عشرة ملايين فلسطيني، بينهم 300 ألف من مهجري الداخل يسكنون على مرمى حجر من ديارهم، من العودة إليها، وهي تمعن في التنكر لحقوق شعبنا في إعادة تشييد كيانه الوطني الذي دمرته في عام 1948، واستكمال احتلالها لما تبقى من أرضه عام 1967 لتبسط هيمنتها على فلسطين من البحر إلى النهر وتزرعها في المستوطنات الكولونيالية.

عرب 48: بقاء جزء من أهالي القرى المهجرة داخل القرى كان سيحول دون تنفيذ المخطط الإسرائيلي (الصهيوني) بتدمير تلك القرى والسيطرة على أراضيها، ولذلك شملتهم ضمن ما يعرف بـ"قانون أملاك الغائبين"، الذي سنته عام 1950، ويطلق عليه الفلسطينيون تندّرًا "قانون الحاضر غائب"، حيث يشمل تعريف "الغائبين"، الذين غابوا عن قراهم ومدنهم بتاريخ 1 أيلول/ سبتمبر 1948، بمن فيهم النازحون إلى قرى ومدن فلسطينية أخرى لم تكن قد سقطت بعد بأيدي القوات الصهيونية.

كيال: من المعروف أنّ مخطّط التطهير العرقي والتهجير الصهيوني هو مخطط معدّ سلفا ولم يكن نتيجة الحرب وبفعل تداعياتها، كما يدّعون، فالصهيونية قامت على شعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" وقيادة القوات العسكرية للحركة الصهيونية "الهاغاناه" اجتمعت عشية "الحرب"، في آذار/ مارس عام 1948 في شارع اليركون في بيت يسمى البيت الأحمر، وأقرّت خطة التهجير المسماة الخطة د، التي جرى ترجمتها على الأرض من خلال تهجير وتدمير الغالبية الساحقة من القرى الفلسطينية والاستيلاء على أراضيها وخيراتها وإجلاء الغالبية العظمى من سكان المدن والسطو على بيوتهم وممتلكاتهم.

ومن المعروف، كذلك، أنّ القوات الإسرائيلية منعت أيًا من أهالي تلك القرى والمدن من العودة إلى بيوتهم التي بقي بعضها عامرا لسنوات قبل أن "يتسنّى" تدميرها، لأن عودة البعض القليل تعني إعادة إعمار البلدة وإفشال مخطط الإجلاء والسيطرة على الأرض، ولذلك، أعلنت عن مواقع تلك القرى مناطق عسكرية مغلقة يحظر الدخول إليها، كما أنها فرضت الحكم العسكري على الفلسطينيين المتبقين في الوطن، بغيةَ التحكم في تحرّكاتهم وتنقلاتهم و"تيسير" عملية منع العودة إلى القرى والمدن المهجرة.

عرب 48: إضافة لما تقول، فإنّ الحكم العسكري، إلى جانب كونه أداة ضبط وسيطرة على من تبقى في الوطن من فلسطينيين، أريد منه تسهيل ضبط الحدود ومنع "تسلّل" اللاجئين الفلسطينيين الذين هجروا إلى الدول العربية المجاورة واستكمال عملية السيطرة على الأرض والممتلكات الفلسطينية في القرى والمدن المهجرة.

كيال: يجدر التنويه، أيضًا، أنّ عمليات التهجير تواصلت بعد عام 1948، وبعد الإعلان عن إقامة دولة إسرائيل، بينها تهجير السكّان من قرى أمّ الفرج وقطيّة والجاعونة وإقرث وكفر برعم والغابسيّة والخصاص.

وعمدت إسرائيل، بعد إقامتها، إلى طرد الفلسطينيّين من عدّة قرى ومدن إلى خارج حدودها، كما في حالة طرد السكّان المتبقّين في مدينة المجدل-عسقلان، الذين بلغ عددهم ما يقارب الـ2,700 نسمة، حيث رحّلتهم إلى حدود قطاع غزّة، كما أنّها هجرت سكان قريتي كراد البقارة وكراد الغنامة الواقعتين على الحدود السورية، حينها، عام 1956. هذا ناهيك عن عمليّاتِ التهجير التي جرت في النقب، حيث قامت إسرائيل بطرد نحو 17 ألف فلسطينيّ من النقب في الفترة الواقعة بين سنة 1949 وسنة 1953، علمًا بأنّ عمليات التهجير والتطهير العرقي بدأت قبل عام 1948.

وفي حيفا، جرى إجلاء من تبقى في أحياء المدينة وتجميعهم في حي وادي النسناس الفقير والمكتظ، ومنعهم، لاحقًا، من العودة إلى بيوتهم الأصلية، والأمر ذاته حدث في يافا، أيضًا.

عرب 48: حيفا من المدن الفلسطينية التي هُجرت عن بكرة أبيها، تقريبًا، إلى جانب عشر مدن أخرى، ومع ذلك يجري التركيز فقط على الـ536 قرية ولا تحظى المدن بالحصة التي تستحقها في الذاكرة الفلسطينية، كما أنكم من بين 22 مسيرة نظمتموها، لم تنظّموا مسيرة واحدة إلى مدينة فلسطينية؟

كيال: حيفا سقطت وجرى تهجير أهلها البالغ عددهم 70 ألف فلسطيني بالتواطؤ مع القوات البريطانية، في 22 نيسان/ أبريل، أي قبل الموعد المحدد لمغادرة القوات البريطانية لفلسطين، رغم أنّ تلك القوات كانت تتمركز فيها. وفي الأول من تموز/ يوليو 1948، أصدر الحاكم العسكري الإسرائيلي أمرًا بتجميع الأهالي المتبقين والبالغ عددهم ثلاثة آلاف شخص في حي وادي النسناس، كما استدعي كل من وصف بـ"قيادة السكان المتبقين" وهم، بولس فرح وتوفيق طوبي وشحادة شلح ويوسف خياط وحمّلوا مسؤولية قرار إخلاء السكان لبيوتهم والانتقال إلى وادي النسناس خلال ثلاثة أيام.

من عمليات التهجير أثناء النكبة (أرشيف أ ب)
من عمليات التهجير أثناء النكبة (أرشيف أ ب)

هذا يعني أنّ عمليات التهجير الداخلي استمرت حتى بعد انتهاء "الحرب" والإعلان عن إقامة إسرائيل، فقد تواصلت عمليات "تنظيف" غالبية أحياء المدن من أصحابها الفلسطينيين وإسكان المهاجرين الجدد شرقيين وغير شرقيين مكانهم. وتبقى في المخيلة قصة غسان كنفاني "عائد إلى حيفا" حيث وجدت العائلة الفلسطينية، التي عادت لزيارة بيتها بعد حرب 1967، أن عائلة رومانية قد سكنته وتبنت ابنها الذي تركته رضيعا.

أما بالنسبة لتنظيم مسيرة العودة إلى إحدى المدن، فقد سبق وحاولنا القيام بذلك وسنستمر في محاولاتنا، ونأمل أن تكون هناك مسيرة قريبا إلى يافا أو حيفا تأكيدًا لتمسكنا بحقنا في العودة إلى تلك المدن الفلسطينية العريقة.

عرب 48: نحن نعرف أنّ هناك قرى مثل إقرث وبرعم حكمت المحكمة العليا بعودة أهلها إليها، وما زالت الحكومة الإسرائيلية ترفض إلى اليوم تنفيذ تلك القرارات وإعادة أهاليها.

كيال: نعم، هناك إقرث وكفر برعم والغابسية والجلمة. في إقرث وبرعم قيل لهم اخرجوا لأسبوع أو أسبوعين، ريثما تستقر الأوضاع وها هم ما زالوا ينتظرون 71 عاما، ومعهم قرار من المحكمة العليا يقضي بعودتهم، كذلك الأمر في الغابسية، حيث صدر قرار بعودة أهاليها من المحكمة العليا في 31.11.1951. وفي الجلمة، القريبة من باقة الغربية، صدر قرار بعودة الأهالي فأقدم مستوطنو الكيبوتس القائم على أرضها بالتواطؤ مع الشرطة والجيش الإسرائيليين بنسف بيوت القرية ومنع عودة أهلها.

اللاجئون الفلسطينيون عموما يستندون، أيضًا، إلى قرار أممي صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة يقضي بعودتهم إلى ديارهم وهم ينتظرون تنفيذ هذا القرار منذ 71 عاما، ومن المفارقات أن القرار 194، الذي ينص على عودة اللاجئين الفلسطينيين، صدر بعد يوم واحد من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من كانون أول/ ديسمبر عام 1948.

لكن، بغضّ النّظر، فإنّ حلم العودة باق في قلوب وعقول الفلسطينيين، لأنه يستند إلى حق تاريخي وحق قانوني وحق مقدس لا يسقط بالتقادم وتنتقل رايته من جيل إلى جيل وهو ما يتبدى جليا في احتشاد عشرات الآلاف سنويا في مسيرة العودة.


محمد كيال: رئيس الهيئة الإدارية لجمعية الدفاع عن حقوق المهجرين، وعضو الهيئة التأسيسية للجمعية. وهو ابن عائلة مهجرة من قرية البروة في قضاء عكا في الجليل الغربي.