أصدقاء أيمن صفيّة يتحدّثون... هذا ما حدث بالتفصيل في شاطئ عتليت

أصدقاء أيمن صفيّة يتحدّثون... هذا ما حدث بالتفصيل في شاطئ عتليت
الفنان الراحل أيمن صفية

"مجبولٌ بالطّيبة والنّعمة والفرح"


أصدر أصدقاء الفنان والراقص، أيمن صفية، الذين رافقوه في رحلته الأخيرة في شاطئ عتليت، والتي لقيَ على إثرها مصرعه غرقا، ولفظته مياه البحر في المنطقة الواقعة بين قريتي الطنطورة وكفر لام المهجّرتين قضاء حيفا، بيانًا، أوضحوا فيه تفاصيل ما حدث قبيل غرق صفية، ومؤكدين في الوقت ذاته أن تعامُل عناصر الشرطة الذين وصلوا إلى المكان بُعيد الحادثة، قد أشعرهم بـ"شلّ" حركتهم، كما لفتوا إلى أن مُرافقةً وصلت مع الشرطة، سألتهم في ما إذا كان أيمن عربيًّا.

وقال أصدقاء أيمن؛ مازن حمدان، وميسان حمدان، وشيراز عزام، وآصف نجم، في بيانهم: "نحن مجموعة الأصدقاء التي رافقت الرّاحل أيمن صفيّة في ليلته ويومه الأخيرين على شاطئ عتليت. نتقدّم بالتّعازي والمواساة لأمّه وأبيه وأخته وأخيه وعائلته وأصدقائه ومعارفه وشعبه ولأنفسنا إثر فاجعة فقدانه. ونعتبر بأنّ ما عبّر عنه مجتمعه وأحبّاؤه وأصدقاؤه في أيّام البحث عنه وخلال الجنازة من دعم والتفاف وتضامن قد أحيا روحه وحياته النابضة ورسالته".

وتابعوا: "نودّ في هذا البيان أن نحيط عائلته وأصدقاءه ومجتمعه معرفةً بالتفاصيل التي رافقت يوم اختفائه، إيمانًا منّا بأنّ هذه المعرفة هي حقّ، سيّما للمقرّبين من صديقنا أيمن".

وحول تفاصيل ما وقع مع أيمن قال أصدقاؤه: "اجتمعنا ليلة السبت، الثالث والعشرين من أيّار (مايو)، على شاطئ عتليت بنيّة الاحتفال بعيد ميلاد أحد أفراد المجموعة والتخييم حتّى اليوم التالي. وكنا مجموعة من خمسة أشخاص من ضمنهم أيمن. وعند صباح يوم الأحد، الرابع والعشرين من أيّار، استيقظنا وشربنا قهوتنا ثمّ قرّرنا بأن نغتسل عند الشاطئط، موضحين أن قرارهم "جاء بعد أن انقشعت الغيوم وظهرت الشّمس وبدا بأنّ الطقس دافئٌ وصافٍ".

وذكر أصدقاء أيمن أنهم "قد أجمعوا الليلة الفائتة (ليلة السبت)" بأنّهم لا يريدون السباحة، "بصرف النظر عن الطقس المتقلّب".

وجاء في البيان: "عند الساعة الحادية عشرة، دخل أربعة منّا للاغتسال، وكنّا قريبين جدًّا من الشاطئ، تصل المياه إلى رُكبنا. اثنان منّا خرجا بعد وقت قصير وظلّ أيمن وشيراز يغتسلان. أحسّ كلاهما بأنّ الموج يسحبهما نحو الوراء لكنّهما لم يُدركا بأنّ ثمّة خطرا داهما. حاولا السّباحة باتجاه الشاطئ. لكنّ الأمواج بدأت تشتدّ وتسحبهما باتجاه الجنوب. اضطربت شيراز لأنّها لم تكن قادرة على التقدّم أو الرّجوع، وفقدت السّيطرة على السباحة أو الاسترخاء بسبب الأمواج العاتية".

وأَضاف البيان: "قالت (شيراز) لأيمن بأنّها تشعر بأنّها تغرق فطلب منها أن تُرخي جسدها وأن تتنفّس. ثمّ مدّ يده وسحبها باتجاهه. حاولا بعدها دفع جسديهما إلى الشاطئ. لكن لم يكن هناك أيّ فارق زمنيّ بين موجةٍ وأخرى وصار الموج يُلقي بشيراز إلى القاع. التفتت هي إلى الوراء ولمحت أيمن داخل موجة، بدا عليه مسترخيًا وهو يصعد معها. أكملت شيراز المحاولة زاحفةً بصعوبة باتجاه الشاطئ بدأت بمناداة أيمن الذي لم يظهر لناظريها".

وذكر أن شيراز "ركضت نحو المجموعة بعد أن خرجت من الجهة الجنوبيّة للنقطة التي نزلوا منها. وفي اللحظة التي ظهرت شيراز للمجموعة كانت الأخيرة تزيح عن الرّمل الأغراض والخيمة بعد أن داهمتهم موجة عالية في نقطة جلوسهم. ركض مازن باتجاه شيراز بعد أن انتبه إلى مناداتها وإيماءاتها. وحين فهم منها أنّ أيمن لا يزال في البحر توجّهت المجموعة نحو الصخور المحاذية ليبحثوا عنه وينادوه. حاول مازن القفز إلى البحر لكنّ البقيّة منعوه عن فعل ذلك".

وأوضح البيان أن رجلا تقدّم نحوهم، وقال لهم "إنّ عليهم مناداة المنقذ القريب. ظلّ آصف يراقب من الصخور أيّ حركة قد تظهر فيما ركض مازن وميسان مسافة نحو 2 كيلومتر ولم يجداه. وجدا مجموعة من الشباب تبيّن لاحقًا بأنّهم من متزلّجي الأمواج. ركض هؤلاء نحو نقطة التخييم ونزلوا إلى البحر".

وتابع البيان: "في هذه الأثناء، وكانت السّاعة تشير إلى 11:20 اتّصل مازن بالشرطة، التي سألته بدورها بعد الإبلاغ عن رقم الهاتف الذي يتّصل منه، وكان هاتف ميسان، تناولت هي المحادثة، ثمّ أغلقت الشرطيّة الخطّ في منتصف المكالمة. وكانت مكالمة أخرى سُجلت في موقع التخييم أثناء البحث عن المنقذ، أجراها الرجل الذي صادفهم في البداية أمام شيراز وآصف. خرجت مجموعة المتزلّجين من البحر بسبب الأمواج الهائجة. وبعد فترة قصيرة وصل منقذَان إلى الموقع وصعدوا الصخور. في هذه اللحظات كنّا في حالة من الهستيريا، لا نفكّر في شيء سوى في الكيفيّة التي نجد فيها أيمن يسبح في الماء".

وأكد البيان أنه "بعد نحو نصف ساعة من الاتصال بالشّرطة وصل الإسعاف والشّرطة البحريّة وحرس الحدود ومجلس شاطئ الكرمل الإقليميّ".

وقال أصدقاء أيمن: "لكن لم يتقدّم أحدٌ منهم إلينا، على الرّغم من أنّ شيراز كانت أخبرتهم بأنّها كانت تغرق وتجرّعت كميّة كبيرة من الماء لكنّهم لم يسعفوها وجلسوا بعيدًا يدخّنون. واكتفى أحدهم بسؤال وجهه إلى شيراز إن كانت حبيبة أيمن وإن كان أيمن متزوّجا".

وأكدوا أن الشرطة "أحضرت معها سيّدة يبدو بأنّها مُعالجة أو عاملة اجتماعيّة، سألتنا عن أيمن وإن كان عربيًّا، ثمّ استفسرت عن النقطة التي خرجت منها شيراز من البحر ثمّ راحت لتوجيههم".

وأكمل أصدقاء أيمن بسرد ما حدث: "فور وصولها، طلبت الشرطة بطاقة الهويّة التابعة لأيمن وفحصت سيّارته. في هذه اللحظة قرّرنا الاتصال بعائلة أيمن وأخبرنا هذه السّيدة. لكنّ الشرطة نبّهتنا بألا نتّصل. وقالت بالحرف الواحد: ’محدا يتصل بحدا. إحنا اللي منتصل لأنه بعد فش إشي معروف’. وأضافوا بأنّه لا ينبغي علينا أن نقلق. هم مدركون خطورة الموقف لكن قد يكون أيمن خرج من البحر. ثمّ طلبوا منّا الجلوس في المكان ليشتغلوا شغلهم".

وذكروا أنه "بعد نحو ساعة ونصف الساعة من لحظة إبلاغ الشرطة، وصلت طائرات مسيّرة، وطائرة هيلكوبتر مشّطت الشاطئ ثمّ ركّزت على المنطقة التي تواجدنا فيها، وبعدها بدأت بتوجيه وحدة الغوص. ظنّنا خلال التوجيه بأنّهم رأوا أيمن. لخمس ساعاتٍ متواصلة، منذ لحظة الإبلاغ، شعرنا بأنّ الشرطة شلّت حركتنا. نحن ممتلئون بالأدرينالين ونريد فعل أيّ شيء لكنّ الشرطة منعتنا من التدخّل. يقف عناصرها على بعد منّا باتجاه الجنوب ونحن نتقدّم نحوهم بين الفينة والأخرى لنسألهم ماذا يحدث وهل بان معهم شيء وهل تواصلوا مع عائلة أيمن. لكنّهم في كلّ مرّة كانوا يردّون بأنّنا نشوّش عملهم وبأنّهم لا يخبّئون عنّا شيئًا. هويّة أيمن وهاتفه كانا بحوزتهم وقد اعتقدنا بأنّهم قاموا بإبلاغ العائلة".

وأضافوا: "جمّدت الشرطة حركتنا وتدخّلنا، عدا عن أنّ أيًّا من أفرادها لم يسألنا أيّ شيء عن أنفسنا سوى من أين أتينا وما هي ديانتنا. وخلال هذه السّاعات لم نتواصل مع عائلاتنا البتّة. عند الساعة الرابعة تقريبًا، بدأت القوّات والأفراد بالانسحاب دون أن يبلغونا بشيء. وعند انسحابهم التامّ أعطونا هاتف أيمن الذي تبيّنّا منه بأنّ العائلة لم تتّصل. فقامت شيراز عند الساعة الخامسة بالاتصال بأخيه أدهم الذي اتّضح بأنّه لم يملك خبرًا حتّى تلك الساعة"، مُشيرين إلى أن جزءا منهم توجهوا "في اليومين التاليين (...) إلى شاطئ عتليت للمساهمة في إرشاد الغواصين إلى مكان الحادث المحدد).

وقال أصدقاء أيمن: "لا نستطيع أن نصف قسوة الحدث والصدمة، منذ تلك اللحظة على الشاطئ، فالبحث عن أيمن، فإيجاده ثمّ فجنازته. لكن ما يعزّينا ويواسينا هو أنّ آخر لحظات عاشها أيمن كان فيها مُفعمًا بالسّعادة، مُحتفلاً، يضحك ويغنّي ويرقص ويوزّع الحبّ على من حوله. وكان قد قال لشيراز أثناء تواجدهما في البحر بأنّه يشعر مثل فراشة، سعيدًا ومرتاحًا. الأمر الذي أفصح عنه لكثيرين حوله، كان يقول بأنّه يشعر بأنّ جناحين ينموان منه من فرط السّعادة وبأنّه في حالة طيران. أمّا عزاؤنا الثاني فهو الاحتواء والحبّ والتضامن الذي عبّر عنه النّاس. أيمن كان إنسانًا مُحبًّا للحياة، ولطالما قال بأنّه ليس هنالك مكان للحزن، وأنّ لا شيء يستحقّه. لقد خطى طريقًا ليست بالسّهلة، اجتماعيًّا وفنيًّا، لكنّه استطاع أن يتحوّل إلى مثل أعلى عند كثيرين، وإلى نموذج للإنسان الذي يصرّ على ما يحبّ وينجح فيما يحبّ. وقد استطاع أيمن أن يصل دون أن يثنيه شيء. نحن نعتبر أنفسنا محظوظين لأننا عرفنا إنسانًا مثله".

وأكد أصدقاء أيمن في ختام بيانهم أن معرفتهم صفية: "تمنحهم القوّة والعزيمة. وفي كلّ لحظة يشعرون فيها بالانكسار يتذكّرون كم كان هو وكانت حياته ضدّ هذا الانكسار وضدّ الاستسلام. وهذا ما قاله في الليلة الأخيرة، إنّه لا يستسلم لشيء في الحياة. إنّ الروح التي حملها أيمن أكبر بكثير من أن يحتويها جسد أو قيد أو مادّة".

واعتبروا أن أيمن "لم يرحل"، قائلين: "هو باقٍ معنا وفينا".

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"