المئات يحيون ذكرى المناضل عبد الرحيم عراقي ويتعهدون بمواصلة دربه

المئات يحيون ذكرى المناضل عبد الرحيم عراقي ويتعهدون بمواصلة دربه


احتشد المئات يوم الجمعة الماضي لحضور تأبين المربي والمناضل عبد الرحيم عراقي ( أبو عمر) بمرور أربعين يومًا على وفاته في مسقط رأسه مدينة الطيرة، الذي نظمته جمعية أنصار السجين، التي ترأسها المرحوم لسنوات عدة، بالتعاون مع أسرته وآل عراقي.

وقد توافد المئات من معارف المرحوم وتلاميذه والأسرى المحررين من كافة أرجاء الوطن والجولان السوري المحتل لحضور التأبين الذي افتتح بتلاوة آيات من القرآن الكريم.

والقى رئيس بلدية الطيرة، خليل قاسم، كلمة تعهد فيها باسم بلدية الطيرة تخليدًا لذكرى المربي والمناضل عبد الرحيم عراقي. كما تحدث في التأبين كل من: الشيخ رائد صلاح، النائب د. جمال زحالقة، النائب السابق عبد المالك دهامشة، النائب السابق محمد ميعاري، الأسير المحرر من الجولان سلمان فخر الدين، عبد الرؤوف القربي من قرية كفر قرع، عليان الصانع من النقب العربي، فخري مصاروة من الطيرة.
كما القى النائب جمال زحالقة كلمة تلقائية تحدث فيها عن المربي عبد الرحيم عراقي وعلاقته المتميزة ببلده كفر قرع قال فيها:

"أحبت بلدتي كفر قرع المعلم والأستاذ والمربي والمناضل عبد الرحيم عراقي حبًا لا أعرف إذا كانت أحبت إنسانًا اخر كما احببته. ليس فقط احبت الاستاذ عبد الرحيم، الذي قضى عشر سنوات عاصفة فيها، بل أن أجيالاً كاملة تعتمد الأستاذ والمربي عبد الرحيم مثلاً اعلى، وإذا سألت أحدهم وهم الآن كثر، في هذا الحضور، من هو المربي والمعلم بالنسبة لك؟ لإستمعت منهم جميعاً أسما واحدا، عبد الرحيم عراقي... فقد كان استاذنا عبد الرحيم يخوض الصراعات في كفر قرع وكل البلد معه... واستطيع أن أروي الكثير رغم أنَّي لم أحظ بان يدرسني في المدرسة ولم أحظ بأن التقيه في السجن، لكن منذ تفتحت عيناي على الدنيا واسم الأستاذ عبد الرحيم أسمعه من والدي ووالدتي وجيراننا ومن الجميع".

وأضاف د. زحالقة: واروي لكم اليوم سراً خاصا بيّ هو ان والدتي جاءت لي بمسند ذات يوم مزيّن بوردة على واجهته، وازدادت فرحتي بعد ان روت لي أمي ان من رسم الوردة على المسند هو الأستاذ عبد الرحيم عراقي. وقد رافقني هذا المسند حتى عندما انتقلت للدراسة في الصف الثامن في مدينة حيفا وبقي معي حتى سجنت، وكانت امنيتي داخل السجن أن ألتقي الأستاذ عبد الرحيم لأروي له هذه القصة".

"أهالي كفر قرع أحبوا الأستاذ عبد الرحيم عراقي لأنه اعطاهم الكثير، فإذا كنا اليوم نلتقي تحت عنوان رحيل المعلم، واما لست من هواة الافراط في استعمال ال التعريف في اللغة العربية، فإن الأستاذ عبد الرحيم عراقي يستحق بجدارة ال تعريف وهو دفع ثمنها بالكامل، كما دفع ثمنها ويستحقها بجدارة في كلمتي المناضل والمربي. وإذا تحدثنا عن المعلم والمربي والمناضل فعبد الرحيم عراقي هو أول المرشحين".

"ما من شك ان الأستاذ عبد الرحيم ترك أثراً عميقا في نفس كل من كان على صلة معه، وخصوصاً ما نقش في نفوس طلابه في الصغر... فقد ربى أجيال تربية علمية ومهنية ووطنية، كلها مجتمعة. وما يميز الأستاذ عبد الرحيم هو إهتمامه بالجسد والرياضة بموازة الاهتمام بالعلم والإهتمام بالتربية الوطنية واللغة العربية لنه كان بعرف بأن الأرض تورث كاللغة. إهتمامة بالعربية لم يكن إهتماماً فنيا وليس صدفةً بل لإنه كان قومياً حتى النخاع مجاله الأمة العربية كلها، وكان وطنياً فلسطنياً حتى النخاع ولا يميز بين الطيرة وكفر قرع وجنين ونابلس وغزة وخان يونس... بالنسبة له هذا هو الوطن".

"في السنوات الأخيرة كان لي الشرف ان التقي كثيراً المربي والمناضل عبد الرحيم عراقي، فلم ازور الطيرة إلا أن أعرج إلى بيته، وكنا نرى ونتابع بأسى وحزن كيف يضمحل الجسد ويتوقد العقل ويزداد البريق في العيون. أصبح الجسد يتلاشى والعقل والبريق في العيون كما هو".

رحمه الله، ملح الأرض إبن فلسطين البار".

ونيابة عن الحركة الاسيرة في السجون الاسرائيلية، القت سناء سلامة رسالة الأسير السياسي وليد دقة الذي جاء فيها:

" سلام أبا عمر.. سلام يا رفيق درب طال.. فإستطالت أعناقنا بك وإشرأبت برفقتك في كلّ محطات النضال.. فهانت علينا محنة الأسر، وغدت زنازيننا الضيقة بيادر وساحات بوسع قلبك الكبير وبرحابة روحك التي إتسعت لنا جميعاً.. من غزة هاشم وقدس أقداسنا، إلى الضفة والنقب، والمثلث والجليل.. إلى الجولان العربي السوري.. جميعنا في السجون كنا نردّد إسمك عند المحن.. نبحث عن رقم هاتفك.. عن عنوانك في اللحظات الصعبة، وفي الإضرابات والمواجهات، وكأنك تعويذتنا التي نطرد بها كلّ المآسي ونبدّد خوفنا فنستعيد توازننا ونستمد منك القوة"..

"سلام أخانا الحبيب.. فقدناك قبل أن نراك.. كنا نعرفك دون أن نعرفك.. غادرتنا ولم تنتظر كلمة شكر ووداع.. فسلام لروحك يا جمل المحامل.. حملت همّنا دوماً وما حملناك يوم نوديت للثرى.. فمن يدلنا اليوم لسبيل نفي به وفاءً فاق الوفاء".

"بكيناك أبا عمر.. بكيناك أخاً وصديقاً ومناضلاً.. لكننا نحن الذين عرفناك أكثر من غيرنا، بكيناك أباً.. فكلّ الأباء ينجبون ويورّثون من هم من صلبهم إلا أنت.. كان هذا الشعب بكل أطيافه أسرتك.. وهذه الأجيال كلها أبناء لك.. فأورثتنا مدرسة عمادها قيم من العطاء والتضحية حدّ نكران الذات.. مدرسة كادت تتلاشى في عالم عصفت به الأنانية والذاتية والعصبية القبلية.. وبقيت دوماً نافخاً على الجمرات فينا.. توقدها من تحت الرماد عزّة وكرامة.. صموداً وعنفوان.. تعيد لنا، رغم كلّ ما أصابك وما أصابنا، ضرورة الشعور بالناس وبآلامهم.. كنت دوماً على يقين بأنك تساهم في بناء أمة.. وتؤسّس لمستقبل أفضل، رغم مرارات حاضرنا. مستقبل لا تخجل فيه الأجيال من إنتماءها العربي.. مستقبل يصنع به العرب تاريخاً قبل أن يطويهم التاريخ."

"كنت تحثنا دوماً وتقول.. لا يهمّ ما يجري.. إحملوا الحلم وسيروا.. "

"عشرة آلاف أسير نحمل مشاعل حلمك.. حلم الأحرار ونسير.. وعشرة آلاف أسير يقرأون اليوم على روحك السلام.. وعزائنا بك بأنك تركت فينا الحلم وقاداً وتناضل.. وعهداً أبا عمر أن يظلّ الحلم فينا وقاداً مناضل".
وعن جمعية أنصار السجين، التي نظمت تأبين المناضل المرحوم، القى رئيس الجمعية، الأسير المحرر منير منصور، كلمة جاء فيها:

"حين نلتفت حولنا، لن نجده بعد الآن بيننا، لن نسمع صوته الذي كان يأتي قويا وهادئاً، مشحوناً بمرح الطفولة لا احد يقد على نسيانه، ولن يداهم بعد الان وقتنا بملابسه البسيطة وبتعبه وابتسانته الشاحبة ودخان سجائره، لكننا سنحدق طويلا في فسحة الغياب التي خلفها وراءه، بكل الأسى الذي يثيره فينا رحيله، وبكل المرارة التي يولدعا ذلك الشعور العميق بالخسارة...

بالأمس كان معنا ونحن الذين اعتدنا على وجوده اليومي بيننا، نجد الآن بصعوبة في استيعاب الفراغ الذي يفتحه برحيله المفاجئ ونجد صعوبة في الحديث عنه بلغة الغائب...

من زنزانة لأخرى يمضي وقد اكلت رطوبة الجدران من جسمه دون أن تمس روحه التي ظلت تلتهب في خلاياها نار هادئة، يمضي في السراديب الضيقة مقيداً بالسلاسل التي حفرت في جلده أسم الوطن الذي حمله في جبينه كالطلقة وفي حنجرته كالصرخة، حمله كالنزيف في العذابات الدامية التي تزدحم بها حياة السجن، وفي تلك العلب الحجرية يعرفه الجميع، اخا للجميع وصديقا للجميع، يعطي بسخاء كل ما يمكن ان يعطيه ويشيع في رفاقه جوا من الطمأنينة والراحة..."

"لا زلنا مشغولين بتهيئة الفضاء حولنا، لطقس آخر من الوداع الذي يسكنه شجن عميق لا يمكن كتمانه... عبد الرحيم... ايهذا الذي لا نملك صوتا لمديحه ولا حنجرة عالية للهتاف باسمه... لكننا نملك قلبا كبيرا نودع فيه أولئك الذين يذهبون ولا يذهبون... نملك ذاكرة تعلق على جدرانها الذي يغادرون ايامنا ولا يفارقون مرآتها... وأنت أيها المسجى على التراب الذي أحببت... أيها المغطى حتى رأسه بالصمت... لك أن تنام الآن هادئا مستريحا فقد تعبت ولنا ان نحرس نومك وأن نحملك في قلوبنا... وفي نشيدنا الطويل مقطعا يردد المدى صداه... سنبني لك في الذاكرة حجرة تليق لحضورك فينا...".



ولد في طيرة بني صعب في العام 1932.
أنهى دراسته الإبتدائية في الطيرة ودرس الأول ثانوي في قلقيلية.

أكمل دراسته الثانوية في الطيرة جراء النكبة ليعين لاحقاً مدرساً في مدرسة كفر قرع لعشر سنوات ثم نقل بقرار تعسفي إلى قرية معاوية لمدة ثلاث سنوات.

أجريت له محاكمتان نقابيتان فصل على اثرهما من سلك التعليم على خلفية نشاطه في تأسيس حركة النوادي الثقافية الوطنية والرياضية.

في العام 1968 حكم عليه بالسجن المؤبد قضى منها 17 عاما خلف القضبان إلى ان حرر في عملية تبادل اسرى في العام 1985.

تولى رئاسة تحرير مجلة "النقاء" التي توقفت عن الصدور.

أصدر في العام 1992 كتابه الأول "منا وعلينا" (في جزئين) الذي شمل مجموعة مقالات سياسية وإجتماعية تناول فيها أوضاع الجماهير العربية الفلسطينية في البلاد .

أصدر في العام 1996 كتاب "لا تخف" (ذكريات على صعيد الخوف) الذي شكل حصاد عمره منذ طفولته الغصة حتى عام النكبة 1948.

ترأس جمعية أنصار السجين على مدار 18 عاماً لم يتوقف عطائه وتفانيه في خدمة قضية الأسرى وذويهم إلا حين أقعده المرض.

توفي المناضل صباح يوم الثلاثاء الموافق 21\3\2006 عن عمر ناهز 73 عاما.
...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018