السجناء السياسيون في الداخل: السجين وسام خليل

 السجناء السياسيون في الداخل: السجين وسام خليل

٭ «وسام لم يقتل ولم يتسبب لأحد بجرح أو أي نوع من الإصابات.. كل ما هنالك أنه سبّب أضرارا بسيطة جدا للبيت المهجور.. لقد ثبت أنه لم تكن لديه نوايا بقتل أحد أو التسبب لأي إنسان بأذى، فكيف ولماذا ووفق أية شريعة يحكمون عليه بالسجن أحد عشر عاما»؟..
****************

إنتفض شعبنا في الفاتح من أكتوبر العام 2000، فيما تعارفنا عليه كـ «هبة القدس والأقصى»، ودفع ثمنا باهظا ومهولا في وجعه وحجمه.. إذ أرخت حكومة إسرائيل ورئيسها إيهود براك ووزير «أمنها» الداخلي، البروفيسور شلومو بن عامي، الحبل على غاربه لأوباش العسكر الذين إنفلتوا على «الفريسة» العربي كما الضباع الكاسرة فصدق فيهم المثل «مشتهيّي وعزموا عليّي» فعاثوا وخرّبوا وجرحوا واعتقلوا ونكّلوا، وقتلوا ثلاثة عشر شابا في عمر الورود قطعوا حيواتهم في مهدها ودمّروا أحلامهم ووأدوا حاضرهم ومستقبلهم..

لم يراع هؤلاء حرمة بيت ولا احترموا شيخا أو سيّدة، ولم ترقّ قلوبهم/ قل حوافرهم، لمرأى طفل بريء لا يدري ما يدور حوله ولا يعي خطر الموقف..

توجّه حسام زكي خليل، الذي لم يتجاوز حينها الخامسة والعشرين عاما، وكان عمر إبنه البكر عشرة أيام فقط، في الثاني من أكتوبر العام 2000، في حافلة انطلقت مليئة حتى آخر مقعد من قريته البعينة إلى مدينة أم الفحم للمشاركة في تشييع جثمان الشهيد محمد جبارين الذي اصطادته رصاصات العسكر.. إلا أن حسام، مدرّب الكراتيه والرياضي الذي جمع همّة الشباب وحماسه وعنفوانه، لم يكن يدري ما الذي تخبئه له رحلة تأدية الواجب هذه من وجع ومعاناة بلغت حدّ شلل رجليه الإثنتين بعد أن قضى نحو ثلاثة شهور يعاني أوجاعه في مستشفى العفولة وعاما كاملا في مستشفى هداسا..

يقول حسام.. «لقد كانت إصابتي في رجليّ الإثنتين من رصاص حي أطلقه العسكر، ومن رصاصة من نوع «دمدم» تفجّرت في داخلي وهي التي يؤكّد الأطباء أدت إلى شللي.. منذها أنا مقعد ولا أعمل بعد أن كنت رياضيا ومدربا لرياضة الكراتيه.. أعتاش من مخصصات التأمين الوطني، علما أن قضيتي ما زالت في أروقة المحاكم حيث قدّمت دعوى ضد الدولة»..

يطالب محامي حسام، المحامي ألبير نحاس من حيفا، بتعويض موكّله بمبلغ خمسة ملايين شيكل.. وقد عقدت جلسة واحدة حتى الآن حاول فيها الطرفان التوصل الى اتفاق، لكن ذلك لم يتم حتى الراهن..

قبع وسام زكي خليل (28 عاما) حيث لم يتحمّل أحد من العائلة سواه، الى جانب سرير أخيه طيلة مكوثه في مستشفى العفولة، أي لفترة ثلاثة شهور تقريبا.. وكان، لذلك يرى ما يمر به الأخ المشلول الذي كان يذوب أمام ناظريه.. وكان يحس بوجعه العظيم الذي لا يحتمل.. وكانوا في المستشفى يجرون للأخ المصاب عملية كل يومين تقريبا حتى عطبت رجلاه وتعفّنتا فصدرت عنهما روائح كريهة لا تحتمل.. وفي النهاية قرّر الأطباء أن يقطعوا رجلي حسام الإثنتين ووضعوه، كي يتعوّد على ذلك، في غرفة لمرضى مقطوعي الأرجل.. ولقد بكى الأخ وسام مصير أخيه، ولم يخجل، وهو المشهور بصلابته وثباته ورباطة جأشه، في أن يذرف الدموع بل يجهش بالبكاءويعترف أنه لم يعد يحتمل..

في هذه الأجواء، قام وسام وثلاثة من زملائه، في أواسط شهر كانون أول العام 2000 بصنع قنبلة مولوتوف هي عبارة عن قنينة ملأوها بمادة البنزين بصورة بدائية وقاموا بإلقائها على بيت، بعد أن تأكّدوا بأنه غبر مأهول بتاتا، فأدت القنينة إلى حدوث أضرار طفيفة في هذا البيت المهجور في مستوطنة بيت نطوفا القريبة الى قرية البعينة.. ولقد حكم على وسام بالسجن لمدة أحد عشر عاما فيما تفاوتت أحكام الباقين ما بين ثمانية وأربعة أعوام.. ولقد تحملت العائلة الصغيرة أعباء وتكاليف المحامين والمحاكم، التي بلغت في استئناف واحد الى العليا ثلاثة عشرة آلاف دولار للمحامي افيغدور فيلدمان فقط بعد أن كانت دفعت خمسة آلاف دولار لمحام آخر قبل فيلدمان..

تقول الأم هناء حسن خليل، من خلال دموعها، إن وسام كان في وضع يائس من إمكانية شفاء أخيه، بل كان واثقا أن الأطباء بصدد قطع رجليه الإثنتين.. وقد تحوّل اليأس لديه إلى غضب واحترق دمه على أخيه الجاثم أمامه ليل نهار، على ما يبدو، فقرّر في نحو السابع عشر من شهر ديسمبر العام 2000، بولدنة وسوء تقدير، أن يقوم بهذه الفعلة.. لكنه «لم يقتل ولم يتسبب لأحد بجرح أو أي نوع من الإصابات.. كل ما هنالك أنه سبّب أضرارا بسيطة جدا للبيت المهجور.. لقد ثبت أنه لم تكن لديهم نوايا بقتل أحد أو التسبب لأي إنسان بأذى، فكيف ولماذا ووفق أية شريعة يحكمون عليه بالسجن أحد عشر عاما»؟.. يذكر أن وسام ورفاقه حوكموا في مركزية الناصرة أمام القاضي أمينوف المعروف بتشدّده.

قبع وسام، بداية في سجن بئر السبع إمعانا في التنكيل بالعائلة كما تعتقد الحاجة هناء، وفي بئر السبع، وقبل زيارة قامت بها الحاجة وإبنتها المتزوجة وحفيدها إبن العامين فقط، هاجمها وإبنتها العسكر واقتادوهما مكبلتي الأيادي إلى مركز الشرطة في بئر السبع حيث قضى الثلاثة طيلة اليوم هناك.. وادعى المحقّقون أنهم «ظنّوا أن الإبنة هي إمرأة «مخرّبة» من الضفة الغربية!..

لا تطلب الحاجة هناء شيئا سوى أن يعدلوا في تعاملهم مع إبنها الأسير، فإزاء إتاحة الفرصة لقاتل رئيس حكومة إسرائيل، يتسحاق رابين، بالإلتقاء بزوجه، التي تزوجها وهو وراء القضبان، بل إتاحة الفرصة له للإجتماع بها.. فإن من العدل منح إبنها، الذي لم يقتل ولم يؤذ نفسا خلقها الله، فرصة للإجتماع بزوجه التي بلغت من العمر واحدا وثلاثين عاما، علما أن الفترة المتبقية لوسام في الأسر هي ثمانية أعوام حيث قضى ثلاثة أعوام حتى الآن.. تزيد الحاجة هناء «من يضمن أنه بعد ثمانية أعوام سيكون بمقدور زوجه أن تحمل وتنجب أبناء إذ ستبلغ من العمر تسعة وثلاثين عاما»؟.. ولقد توجّهت الحاجة هناء إلى أحد المحامين بطلب أن يتقدم الى الجهات المعنية بهذا الخصوص، «لعل الله يدبّ الرحمة في قلوبهم فيطلقون سراحه ولو مرة في السنة ليختلي بزوجه عسى الله أن يرزقهم بإبن أو بنت»..

وتستغرب الحاجة الجليلة من أن أحدا لا يسأل ولا تهمه قضايا أسرى الداخل، حيث تعتبرهم إسرائيل شأنا داخليا فيما السلطة الفلسطينية توافق على هذا الطرح، حتى ليبدو أننا هنا "مقطوعون من شجرة".. لكنها، مع ذلك، تضع أملا كبيرا في إمكانية حصول السلام الذي، بحسب مفهومها، سيزيل أسباب سجن إبنها وزملائه من الأسرى الأمنيين وبالتالي سيفرج عنهم..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018