أسرى الداخل: حافظ قندس..
"تمكنوا من حفر خندق أوصلهم الى حيث حمامات الزائرين، وخرجوا من هناك وكادوا ينجحون في الهرب.."

أسرى الداخل: حافظ قندس..<br>
"تمكنوا من حفر خندق أوصلهم الى حيث حمامات الزائرين، وخرجوا من هناك وكادوا ينجحون في الهرب.."


في بيت دافئ من بيوت يافا العربية العتيقة، نشأ حافظ محمد نمرقندس وترعرع إلى جانب أختين وأخوين إضافة الى الوالدين.. عائلة عربية أصيلة كريمة حرص الوالدان على تنشئة الأبناء على حب الناس وفعل الخير.. هذه الصفة التي ما فتئت تلازم أفراد العائلة وتلازم الأسير حافظ قندس على وجه الخصوص.

اعتقل حافظ قندس للمرة الأولى قبل ثلاثة وعشرين عاما، عندما كان عمره ثلاثا وعشرين سنة.. وهو محكوم عليه بالسجن لمدة ثمانية وعشرين عاما، وذلك لاتهامه بالإنتماء الى تنظيم فتح وبمحاولة إغتيال عبد كبوب من يافا وبمحاولة للهرب من السجن، العام 97، حيث قام بحفر نفق لهذا الغرض واكتشف في اللحظة الأخيرة..

كانت مقبرة يافا سائبة ومفتوحة يتم انتهاكها كل يوم بل كل ساعة من كل من هبّ ودبّ خصوصا تجار المخدرات ومتعاطي السموم.. ما حدا ببعض الشباب الغيور على مصلحة البلد وقبور الأهل أن يتنادوا الى إنقاذ هذه المقبرة ببناء سور يقيها الأذى والمهانة.. وكان حافظ قندس واحدا من هؤلاء الشباب حيث بدأ يتوجه الى الموسرين وأهل الخير يطلب مساعدتهم لإخراج هذا المشروع الى حيز التنفيذ..

ولما وصل الى السيد عبد كبوب، رئيس اللجنة الإسلامية في ذلك الوقت، حصل سوء تفاهم بين الإثنين، ما أدى بالشاب حافظ الى إلقاء قنبلة صغيرة على بيت كبوب تسببت للبيت بأضرار بسيطة فيما لم يصب أحد بأي أذى..
تقول الأخت وفاء قندس.. كان حافظ يعمل كهربائي بيوت وكان حالنا مستورا لا ينقصنا شيء، وكان همه أن يساعد في البيت ويكون عونا للوالد لإعالة العائلة، ولذا فقد عمل في أكثر من ورشة وأكثر من عمل حتى أنه كان يعمل في بعض الأحيان في ثلاثة أماكن عمل في الآن ذاته.. لم يكن عنيفا ولم يعتد على أحد بل إن من المشهور عنه أنه لا يطيق الا أن يفعل الخير ويساعد الغير.. وتأتي وفاء بمثل على ذلك، تقول « لقد أخذت له في إحدى الزيارات عشرين زوجا من الجوارب.. وفي الزيارة التالية سمعته يشكو من البرد، فنصحته أن يلبس زوجين من الجوارب ليدفئ رجليه حيث أنه عندما تدفأ الرجلان فإن الجسم كله يدفأ.. لكنه ضحك وقال إنه لا يملك الا الزوج الذي يضعه في رجليه.. حيث أنه قام بتوزيع الجوارب على زملائه من الأسرى»..

وتمضي وفاء، فتشهد أن أخاها الأسير إنما «عاش طول عمره عشان غيره».. فما نأخذه له يوزعه على زملائه الأسرى، بل إنه يطلب إلينا أن نحضر أمورا الى السجن ليس له بل لآخرين من الأسرى..

كان عمر إبراهيم قندس، أخ حافظ، تسعة عشر عاما عندما اعتقل وحكم عليه بالسجن لمدة أربع سنوات لامتلاكه سلاحا دون ترخيص.. وكان له إبن عم يقبع في السجن ذاته.. وفي يوم، علقت طوشة بين ابن عم ابراهيم وأحد السجناء من مدينة الناصرة.. فهرع إبراهيم إذ سمع بما يجري الى حيث المتقاتلين بقصد الفصل بينهما.. إلا أنه وفي لحظة وصوله ومحاولته الوقوف بينهما والحيلولة دون أن يؤذي أحدهما الآخر، حاول الشاب السجين النصراوي طعن غريمه، إلا أن السكين انغرزت في قلب إبراهيم، ما أدى الى وفاته..
لا تستطيع الكلمات، مهما تحذلقت وفلح كاتبها، أن تعكس ولو نزرا قليلا مما يعتمل في نفس أم الأسير حافظ قندس، السيدة فاطمة محمد المغربي، من محبة لإبنها السجين تجعلها تقوم بالمستحيل الذي لا تدركه النفس البشرية..

فهي، في الأول، لا تسافر الى زيارة السجن، وقد زارت ولفّت على كل سجون إسرائيل، إلا بقواها الخاصة وفي المواصلات العامة أو سيارات الأجرة، علما أنه كان بإمكانها، كما كل الأمهات الأخريات، أن تلجأ الى حافلات الصليب الأحمر التي توفر كثيرا من المال..

وهي، في الثاني، سيدة مسنة (73 عاما)، تتقاضى معاشها من مؤسسة التأمين الوطني.. لكنها تزور إبنها حافظ في السجن ولم تنقطع منذ أسره عن زيارته الا مرة واحدة حيث هدّ حيلها المرض.. بل إنها تزور أسيرا آخر سوري الأصل وتغدق عليه كما لو كان الغالي حافظ..

وهي في الثالث، جبارة، كما عنوان هذه الفقرة، وقد نأتي بموقفين إثنين لها للتدليل على جبروت السيدة فاطمة محمد المغربي..

الأول، أنها وقعت، في زيارة لها لحافظ، على ركبتيها الإثنتين فلم تعد تقوى على المشي ولهذا فقد انقطعت لمرة واحدة عن زيارة إبنها الأسير.. ولما جاءت في الزيارة التالية، وكان حافظ قد علم بأمر سقوط والدته، طلب اليها أن تمشي وتلف أمامه كي يرى وضعها الصحي وما إذا كانت تخبئ عنه أمر وجعها.. لكن فاطمة المغربي سارت تدق قدميها دقا كما في مارش عسكري، على رغم وجعها العظيم، لدرجة أن حافظ صدّق أنها لا تشكو من شيء..

الموقف الثاني كان عندما أخرجوا حافظ من سجنه مقيدا بيديه ورجليه ليحضر جنازة أخيه إبراهيم الذي قتل في السجن.. وكان الحزن، كما قد يتصور أي عاقل، عظيما لدى الأم الصابرة فاطمة المغربي.. لكنها، لحبها العظيم لحافظ، بادرت إلى التحدث إليه، برباطة جأش نادرة، عن القضاء والقدر وأن الموت حق وكلنا لها وغير ذلك لتهون عليه المصاب.. بل إنها انتبهت الى أن تطلب من إبنتيها أن تأتيا بأكل لحافظ، «فقد يكون لم يأكل طول الطريق من السجن الى هنا».. تصوّروا رقصة العصفور بعد ذبحه!!..
لا يمكن أن نصف العلاقة بين حافظ قندس وإبنة أخته صبحية ميناوي إلا أن صبحية توأم روحه.. حتى أن العارفين يشهدون بأن أولى اهتمامات الأسير حافظ هو ما يجري لإبنة أخته بالتفصيل حتى لكأنه يريد أن يعرف ماذا تأكل وماذا تشرب وفي أي ساعة تنام..

لا يكتب حافظ رسائل لأحد سوى لصبحية، حتى أن أمها وفاء تبدي غيرة من إبنتها التي تحظى بكل هذا الإهتمام من الغالي الأسير.. وتتمنى في كل مرة ترى فيها مغلف الرسالة، التي تميزها فورا أنها من حافظ، أن يكتب لها الأخ الحبيب رسالة ولو مرة واحدة.. فإذا «بعثت له صبحية رسالة فإنه يجيبها على الفور، أما أنا فلا يهتم أن يرد عليّ حتى لو بعثت له عشر رسائل»..

ويكتب حافظ إلى صبحية عن كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة التي تحدث له في عالمه المنغلق على أسوار أربعة.. وتكتب صبحية الى خالها عما يجري في الخارج وعما يواجهها من أمور سواء كانت جميلة أو بغيضة.. حتى بات كأنه الوحيد في هذا العالم الذي يعرف أسرار الصبية إبنة الثالثة والعشرين..

هذه العلاقة الفريدة هي علاقة ليست جديدة، فقد دأب حافظ قبل أسره على أن يؤمّن أكل الطفلة صبحية التي بلغت من العمر ستة شهور عند أسره.. ومنذها تعلق حافظ بإبنة أخته التي بادلته هذا الانبهار فأضحى كل عالمها..

وتؤكد الصبية الصغيرة أن خالها، بتجربته الغنية وحكمته، قد أخرجها من أزمات ومواقف صعبة كثيرة، حتى أنها أحست، في كثير من الأحيان، بتفاهة مشكلتها بعد أن أسمعها رأيه.. وهي، دائما، تصغي الى حكمته وتعمل بمشورته التي تعتبرها صائبة دائما..

تقول صبحية إنها تفيد خالها في كونها همزته الواصلة مع الخارج، لكنها تستفيد منه في حل كل أمورها المستعصية، حتى «أنني أخبره بما لا أجرؤ قوله حتى لنفسي لكأنه كاتم أسراري وحلال العقد»..
قلنا إن الأم الجبارة فاطمة المغربي قد لفّت على كل سجون إسرائيل على مدى الثلاثة والعشرين عاما فترة أسر حافظ..

ولقد باتت تعرف المسافة الى أي سجن وكم من الوقت يلزم للوصول إليه، بل إنها تعرف تسعيرة التاكسي.. ولقد عانت الكثير من المصاعب، الصحية وفي تدبير أمر الزيارة وتلبية إحتياجات إبنها الأسير.. لكنها تؤكد أنها لا تعتبر هذه الأمور مصاعب ومعاناة، «فالمال كان يتدبّر بقدرة قادر، وأنا أصلا لا يهمني شيء سوى رؤية حافظ الغالي ومن أجل لقائه يهون كل شيء»..

أما وفاء، الأخت، التي تدأب هي الأخرى دائما على زيارة أخيها الأسير، فقد تعرضت الى موقف رهيب في إحدى زياراتها له في السجن، حيث شكّ السجانون بأمرها فأخذوها وابنها الى إحدى الغرف وأجروا عليها تفتيشا صارما استمر ساعات طويلة..كان وقت زيارة، وكانت الأم فاطمة والأخت وفاء هما الزائرتان الوحيدتان للاسير حافظ الإبن والأخ.. وأثناء اللقاء سأل حافظ أخته «هل معك قلم حومرة».. واستغربت وفاء السؤال وردت بالنفي، لكنها سألته عن سبب حاجته الى «قلم الحومرة»، فادعى أنه يريده لغرض مسرحية سيقوم الأسرى بعرضها في السجن، وانطلت الكذبة على وفاء..

وطلب حافظ الى أخته وأمه أن لا تأتيا إلى زيارته بعد أسبوعين «لأنهم سينقلونني إلى سجن آخر لا أعرفه بعد».. ما تبين لاحقا أنه مخطط لهرب بعض الأسرى الذين تلبّسوا بلباس السيدات ووضع كل منهم الخمار على وجهه على طريقة النساء المتدينات، وكانوا قد تمكنوا على مدى شهور من حفر خندق أوصلهم الى حيث حمامات الزائرين، وخرجوا من هناك وكادوا ينجحون في الهرب لولا أن أحدهم، وكان ملتحيا، قد انفضح طابقه إذ أثار الشكوك، ما أفشل المحاولة..

لكن السيدة فاطمة أصرت على زيارة السجن حيث أن لها «إبنا» آخر سوري الأصل كانت تبنّته وأبت إلا أن تزوره.. ولما حدثت الجلبة وقيل إن هناك محاولة للهرب لم تعبأ كثيرا بالأمر كون حافظ انتقل الى سجن آخر كما كان قد أخبرها.. لكن الخبر شاع بسرعة أن حافظ من بين الهاربين، ما أدى بالسيدة الجبارة أن تنهار وتسقط على الأرض..

واجه حافظ صدمتين قاسيتين في مجال الهوى والقلب.. فقد تعرّف الى إحدى الأسيرات، عطاف إسمها، وتطورت المعرفة الى خطوبة وعقد قران دام سنين.. ولقد تعلّق الأسير حافظ بخطيبته كثيرا، إلى أن خرجت من أسرها..عندها حصل نوع من الجفاء إذ بعدت المسافة وقرر الخطيبان فسخ الخطوبة..

بعد ذلك، تعرف حافظ إلى فتاة مقدسية إسمها فايزة ذهبت الى زيارته في السجن.. وتطورت المعرفة الى حب كبير ما أدى بهما إلى إعلان الخطوبة، لكن بدون كتب كتاب هذه المرة.. وقد ظنت فايزة، على ما يبدو، أن حافظ سيحصل على تخفيض ثلث مدة محكوميته.. ولما لم يحدث ذلك، فقد أخبرته عن رغبتها في إنهاء العلاقة..

ولقد تركنا بيت أم حافظ، السيدة الفاضلة الكريمة التي استقبلتنا في بيتها العامر الأصيل في يافا عروس البحر.. تركناه بوعد أن نزورها ثانية.. وبتأكيد أن نجيء عند خلاص حافظ والإفراج عنه حرّا طليقا يمارس حياته الطبيعية بين أهله وأحبائه..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018