أسرى الداخل: وصفي منصور وعلي مصاروة

أسرى الداخل: وصفي منصور وعلي مصاروة

يتساءل المرء، ما الذي يجعل شخصا هو رب أسرة ناضج ومُحبّ لأسرته يرتكب أمرا، يعرف أنه مخالفة يعاقب عليها القانون بالسجن؟.. وما هو نوع الدم الذي يسري في عروق ابن الخمسين عاما حتى لا يتنبّه إلى أنه مسؤول عن خمسة أنفار وأمهم؟..
ويأتي الجواب شافيا ومقنعا من خلف أسوار السجن، أنّ هنالك ما هو أهمّ من العائلة.. وهناك أهم من النفس ومن الروح.. هو الوطن!..

فالأولاد لهم ربّ يرعاهم، ولهم ذوو قربى يلتفتون إليهم، ولهم أهل الخير وزكاة الأتقياء.. ولهم الوطنيون ممّن بقوا في مساحة شمّ الهواء النقيّ خارج حدود السجن. ولهم جمعية أنصار السجين التي دأبت إلى حين إغلاقها بأمر من وزير «الأمن» الحمامة عمير بيرتس، على مرافقة عائلات السجناء في ليلهم ونهارهم، ساعية إلى توفير الضروري من الحاجات. ولكن، لا شيء للوطن سوى أبنائه الذين إذا ما غفلوا عنه ضاع وتشتّتت أشلاؤه ما بين الطامعين. ولا شيء للوطن سوى سواعد تذود عنه وعيون تسهر عليه وقلوب تعشقه، فهو في هذه القلوب أرسخ من أي عشق آخر وأرسخ من جبال خلقها الله مع الخليقة.

ولقد كنّا انتقلنا في سلسلة من الحلقات من سجين إلى آخر، ومن قصة إلى أخرى، ومن أسطورة إلى ثانية ورابعة وعاشرة من حكايات الأبطال الذين ضحّوا بشبابهم وبحريّتهم وبأحلامهم وطموحاتهم من أجل أن تظلّ القضيّة مشتعلا لهيبها لا يخبو وبالتالي لا يضيع الحق.

هذه هي حلقتنا الأخيرة، في هذه الأثناء والظروف، في هذا الصدد، مؤكّدين أننا على وعد تواصل دائم مع أسرى حريّتنا جميعا، نحن عرب البلاد وملح أرضها ممّن يطلقون علينا تسمية «عرب الـ 48»، آملين ألا يضطرّنا السجّان لأن نفتتح سلسلة أخرى عن هؤلاء الكرام، وذلك بأن يطلق سراحهم ويخرجوا إلى حريّتهم وإلى أحضان عائلاتهم، شرط أن لا يحلّ آخرون من أبناء شعبنا مكانهم بل يجتمع الشتات الفلسطيني على تراب فلسطين في دولة سياديّة حرّة مستقلّة وعاصمتها القدس الشريف، لها علمها ونشيدها الوطني وممأسسة كما كلّ الدول لا يعبر حدودها إلا من رغبنا في استضافته ولا يخرج منها إلا الزائرون إلى أقطار الدنيا تحت العلم الفلسطيني.
يعترف الجميع أنّ لوصفي منصور، أبو عامر، تاريخا نضاليا حافلا حتى قبل أن يلقى القبض عليه ويُزجّ به في الأسر. فقد كان يتحلى بروح المبادرة والتطوّع ومساعدة الغير. كان شهما كريما وبقي كذلك في أسره ممّا جعله يحظى باحترام الناس وبتقدير سجّانه. ويذكر محمد وصفي منصور كيف أنّ أباه الأسير وصفي اعتاد أن يأتي بالمصابين الجرحى، أثناء العدوان على لبنان في العام 1982، للعنابة بهم، فكان يقوم على رعايتهم ويهتم لمعالجة جروحهم حتى يمثلوا إلى الشفاء. ويضيف محمد: "لقد تميّز أبي بأنه كان إنسانا واعيا ومسيّسا يدرك ما يجري حوله ويتفاعل مع الأمور كشخص وطني تهمّه القضيّة". فقد كان المرحوم عبد الرحيم عراقي، الأسير الأمني ورئيس جمعية أنصار السجين، واحدا من أصدقائه الذين تماهى معهم وشاركهم نضالاتهم وأسرارهم.

كان عمره نحو خمسين سنة عندما ألقي القبض عليه، وكان متزوّجا قد رزقه الله بخمسة أبناء وبنت واحدة.. وكان يعمل في حديد البناء لتربية أبنائه وتوفير الستر لعائلته. يقول عنه الناس ممّن خبروه وعرفوه إنه كريم ونظيف اليد والفرج وشجاع لا يهاب. إنه رجل شهم بكل ما تعنيه الكلمة، يلخّص أحد المعارف. إنه وصفي منصور، الأسير الأمني الذي شارف على السبعين من عمره، أمضى منها نحو عشرين عاما في الأسر ولمّأ يزل سجينا وراء القضبان.

يقول ابنه محمد وصفي منصور (31عامًا) إنّ والده لم يشارك في عملية قتل، كل ما هنالك أنّ عملية قد تمّ تنفيذها في الشمال لم تسفر سوى عن جريح واحد قطعت رجلاه واتهم والدي بأنه كان واحدا من منفّذيها. وقد تمّ الحكم عليه بالسجن مدى الحياة، إلا أنّ النضال المستمر، وعلى المستوى القضائي، أثمر، فخفضوا له مدة الحكم وحدّدوها بثلاثين سنة.. بل إنه يأمل أن تقرّ لجنة التخفيضات التي ستنعقد قريبا تخفيض مدة حكمه إلى الثلثين بعد أن يشطب ثلث المدّة لحسن سلوكه وسنّه المتقدّمة.

ويعول محمد وإخوانه على هذه اللجنة برغم أنّ "الشاباك" هو الذي يقرّر في ذلك وكلمته هي الأخيرة التي تحسم إلى هذه الجهة أو تلك، لكنّ محمد يؤسّس على أن والده وصفي قد بلغ من العمر عتيّا إذ أنه يعتقد أنهم سيطلقون سراح والده لشيخوخته، ولأنه لا دم على يديه، كما يقولون.. وقد يعزّز آمال العائلة بإطلاق أبو عامر أن اللجنة في جلستها الأولى لم ترفض، كما هو متّبع وكما هو سائد، طلب التخفيض ممّا يترك كوّة أمل واسعة بأن القرار سيأتي إلى صالح التخفيض وبالتالي إطلاق سراح أبو عامر.
ألقي القبض على وصفي منصور قبل نحو عشرين عاما عندما كان محمد طفلا في الحادية عشرة من عمره. وإذ بلغ سن الشباب فقد بحث له عن عمل يساعد به العائلة، ووجد له عملا في مطار بن غوريون كساعٍ يُوصل البريد من وإلى مكاتب المطار. لكنه، وبعد مدة وجيزة من العمل في المطار، استدعي إلى مكاتب "الشاباك"، فمثل أمام أحدهم الذي سأله بعض الأسئلة، ثم تطرّق إلى عمله في المطار، وهو "مكان حساس جدا لا يُسمح لأيّ شخص بأن يدخل ويخرج إليه ومنه على كيفه". وقال له المحقق: "إننا نعرف أنك شاب جيد وليس لديك أيّ ملف في الشرطة، ولكن أنت تعرف من هو والدك وبماذا أُدين، فلا نستطيع أن نثق بك إلا إذا ساعدتنا، إذ حينها سنساعدك نحن أيضًا".

رفض الشبل الخارج من صلب الأسد محمد وصفي منصور عرض المحقق، وترك أو أترك العمل. وكان الأمر ذاته قد حصل مع الشقيق الأكبر، عامر وصفي منصور، الذي فُصل من عمله في شركة "كوكا كولا" للأسباب ذاتها، أي لأنّ أباه وصفي منصور "مُخرّب"! وقد وصل إلى أبناء وصفي منصور أنّ تخفيض مدّة محكومية والدهم هو أمر وارد، وذلك بوساطة العكاكيز والعملاء، إلا أنّ الأسير الشيخ جُنَّ جنونه مُفضّلا أن يموت في السجن على هذه المذلّة، وحذّر أبناءه من مغبّتها رافضا أن يتوسّخ ثوبه بهذه "الخمّة".
تحقّق للبعض من أسرى الحريّة أن يحظوا بإجازات يخرجون فيها إلى الهواء الطلق وإلى حضن العائلة. وقد تحقق ذلك بعد نضالات مُثابرة ضدّ إدارات السجون إلى أن أتت ثمارها في السنوات الأخيرة وأقرّت هذه الإدارات بأن هنالك حقّا للسجين السياسي لأن يخرج في إجازات بشرط، وهنا المعضلة، أن يوافق "الشاباك" على ذلك..

لكن، ونظرا لظروف وصفي منصور واعتبارا لسنّه المتقدّمة، حظي في السنوات الأخيرة ببعض الإجازات التي كانت لمدّة ساعتين أو ما شابه في البداية، بمرافقة أفراد من الشرطة مُسلحين ومتأهبين، فأضحت إجازته تصل في الفترة الأخيرة، وفي الأعياد فقط، إلى 48 ساعة، إذ يذهب محمد حتى باب السجن فينقل والده من هناك إلى البيت في الطيرة.

لكنّ التطورات الأخيرة أعادت وضع الأسير الفلسطيني عشرين عاما إلى الوراء، وأعادت أمر الإجازات إلى المربع الأول، حيث أنّ إدارة السجون ترفض، منذ نشوء قضية الجندي المختطف غلعاد شليط، أيّ بحث في موضوع الإجازات، حيث أنها لم تأذن لأيّ سجين بإجازة.

وكانت الإجازة الأولى التي يحظى بها وصفي منصور في العام 1999، عندما توفّى الله زوجه أم عامر، فقد جلبه أفراد الشرطة إلى المقبرة مباشرة فلم يرَ رفيقة دربه ولم يُلقِ عليها نظرة الوداع، فما إن انتهت عملية دفنها حتى أعادته الشرطة إلى السجن من دون أن يُتيحوا له رؤية البيت أو تعزية الأبناء واستشعار دفئهم. وهو الأمر ذاته الذي فعلوه عندما توفي والد وصفي، إذ منحوه ساعتين اثنتين لكن ليس في يوم الجنازة هذه المرة، أي أنه لم يشارك في جنازة والده كما أنه لم يودّعه، وكل ذلك بمرافقة أفراد الشرطة أيضا. كان علي مصاروة شابا في الثانية والثلاثين من عمره عندما انقضّت على رأسه المصيبة المهولة. فقد كان يصلّي على شاطئ مدينة نتانيا تاركًا كيس «العدّة» إلى جانبه، والذي يحوي الأدوات التي يستعملها البلاط في عمله، عندما داهمه ثلاثة من أفراد المخابرات. فقد هزّوه من كتفه فلم يلتفت إليهم إلا بعد أن أنهى صلاته وسلّم، فسألهم عن مبتغاهم فطلبوا إليه إبراز هويّته. لكنهم، وبعد أن تفحّصوها وأيقنوا أنه عربي مزّقوها أمام عينيه ممّا أغضبه فتصادم معهم وهو لا يدرك بأنهم رجال «أمن». وقد جرت معركة فيما بينه وبينهم حاولوا فيها انتزاع كيس العدّة منه، لكنّه هرب وركض في الشارع.

وحصل أنّ امرأة عجوزًا وقعت في الشارع أثناء عبور علي بجانبها فادّعوا أنه ضربها وأخذوا يتصارخون بأنه مخرّب، حتى اجتمع الكلّ عليه، أفراد المخابرات والناس، وأخذوا يقذفونه بكلّ ما طالته أياديهم.. ولقد بلغ التنكيل به إلى حدّ أن ذويه لم يستطيعوا التعرّف عليه في مستشفى «لنيادو» وبعد يومين من الحادث، إذ كان جزؤه العلوي متورّما وخصوصا الوجه والرأس.

هذا ما قالته أخت علي، علياء محمود مصاروة، التي أضافت بأنّ أخاها هو المعتدى عليه، وبأنهم إنما تسبّبوا في وضعه الحالي حيث أن أعصابه مهزوزة وبدأ يميل إلى العنف. فمنذ الحادثة، تضيف علياء، «تغير علي ولم يعد كما كان سويّا هادئا، حيث أنه فقد التركيز تماما، إذ تتحدّث إليه في موضوع معين فيجيبك في موضوع آخر ليس ذا صلة»..

ولقد حكم على علي مصاروة، برغم حالته وحقيقة أنه لم يعتدِ، بالسجن لمدة ثمانية عشر عاما قضى منها حتى الآن ستة عشر. بل إنهما في السجن واصلوا ضربه على رأسه واعتماد سياسة العزل في الزنزانة ضدّه من دون اعتبار لوضعه النفسي ومن دون عرضه على طبيب نفسي. فقد زجّوا به مع السجناء كأنه إنسان عادي، أي أنهم في السجن لا ينظرون إليه كحالة يجب معالجتها وإصلاحها، وإنما يعتمدون سياسة العقاب ضدّه ما يؤدّي إلى تفاقم وضعه وحالته النفسية، علما أنه، وبسبب حالته، بدأ يتّخذ العنف وسيلة للتعامل مع زملائه السجناء.

ما يقدمه السجان لعلي لا يتعدّى حبوب التهدئة. ولكنّ أعصابه تلفت. إذ هزّها المحتفلون في نتانيا على وليمة الفريسة العربي الذي وقع بين أياديهم فضربوه بالطاولات وبالكراسي وبكل ما وقع في أياديهم. واتهموه بأنه ضرب، وما ضرب، وبأنه اعتدى، ولم يعتدِ على نملة. ولكنه برغم ذلك قضى ستة عشر عاما وينتظره عامان آخران من السجن والعذاب.
ليس هامّاً إذا كان أبراهام حبيبي المعتدي على كنيسة البشارة، قام بفعلته بدافع الجنون العنصري أو بدوافع عنصرية مجنونة، ففي مجمل الأحوال الضحية دومًا عربي. لكن الهام هو: كيف تتعامل المؤسسة الإسرائيلية مع مثل هذه الحالات؟ في حال كان المعتدي مثلاً على كنيس أو على مواطنين يهود هو عربي فقد صوابه وجنّ.. فهل سيتعامل الإدعاء والقضاء الإسرائيلي مع أبراهام حبيبي كما تعامل مع حالة الأسير علي مصاروة؟؟

إنّ حالة الأسير علي مصاروة تختلف كلياً عن حالة المعتدي على كنيسة البشارة، ولا تتشابه الحالتان إلا في جانب واحد، وهو أنّ علي يعاني مرضًا نفسيًا قبل اعتقاله وقبل الحادث الذي أدى لوصوله للسجن. وإننا إذ نسوق هذه القضية ونروي قصة علي هذه، فكي نبين أنّ الخطر الحقيقي لا يأتي من حالات الجنون الفردية، إذا صدق الإدعاء مهما كانت مغالية بعنصريتها، وإنما ينبع من جنون العنصرية المُمأسسة التي ينشأ على مستنقعها الكثيرون من العنصريين ممن يصنفهم الطب النفسي في إسرائيل حتى الآن بأنهم طبيعيون. وحالة الأسير علي الذي لا شك أنه مريض نفسياً تبقى أكثر اتزاناً وعقلاً من العنصريين في المؤسسات التي قادته إلى السجن.

بدءاً من الإدعاء العام والجهاز القضائي وإنتهاءً بلجنة تخفيض الثلث. فعلي، على الأقلّ، ليس مصاباً مثلهم بمرض العنصرية الخطير، فلو حدث مع شاب يهودي ما حدث مع علي لما اقتيد إلى السجن ولما أمضى ما أمضاه من سنوات خلف القضبان وما زال.

علي مصاروة عولج لسنوات من مرض الانفصام في الشخصية وقد تطوّرت حالته إلى ما يسمى بالضغط الكارثي كما وصفها أحد الأخصائيين. حيث تحوّل لإنسان عدائي عندما يتوهم بأنه مستهدف من أعداء مجهولين أو حقيقيين، وقد نجح الأطباء بعد مدة في تحسين وضعه الصحي، الأمر الذي شجّع أسرته بأن يخرج للعمل مع أحد أقاربه في مدينة نتانيا. وأثناء عودته من العمل لإحدى القرى في المثلث حيث تسكن أسرته، وهو يحمل معه أدوات العمل، توجه له شبان متطوّعون في الحرس المدني طالبين منه بطاقته الشخصية، وقد بدأوا بطرح الأسئلة عليه عن مكان عمله، وعما يحمل في الكيس من أغراض، وجرّاء حالته النفسية المذكورة ترك المكان فاراً بينما يطارده شبان الحرس المدني وهم يصرخون "مخرّب"، إلى أن هاجمه وحاصره العشرات من المارّة. وفي هذه الأثناء استلّ علي بلطة كان يحملها من بين أدوات عمله ولوّح بها في وجه مهاجميه، ما أدّى إلى خدش امرأة خدشاً طفيفاً.

عندها نُفذ بعلي مصاروة "لينش" وحاول الدفاع عن نفسه ولكن حتى إذا افترضنا بأنه اقترف جريمة، فـ "جريمة" علي تتلخص بالهرب من الحرس المدني، وإصابة امرأة إصابة طفيفة!!
لكن ماذا تعتقدون فعل الإدعاء العام في هذه "الجرائم" التي اقترفها علي؟ قدّم لائحة اتهام تنسب له عملاً تخريبياً على أرضية قومية، وانتماء لتنظيم مُعادٍ وأنّ عمله هذا جاء بدوافع إيديولوجية! وماذا تتوقعون فعلت المحكمة؟ أنزلت بحق علي عقوبة السجن الفعلي لمدة عشرين عاماً خفضت لاحقا إلى 18.

علي ما زال يقضي محكوميته منذ 16 عاماً. لقد أجهز القضاء الإسرائيلي والإدعاء العام على حياة شاب وأسرة عربية كاملة، ولم تشفع له التقارير الطبية بأنه مريض ويُعالج منذ سنوات.
نحن بنظر عنصريي المؤسسة أيديولوجيون حتى لو كنا مجانين، فيما الأيديولوجية المجنونة والعنصرية يتمّ التعامل معهما بأنهما مجرّد شقاوة شباب طائش يعاني أزمة انتماء لمؤسسات الدولة لا ضير في أن يفرّغوها في المواطنين العرب!

علي مصاروة لا يعرف كيف تُهجّأ كلمة أيديولوجية، ومنفصل كلياً عن الواقع. إنه ظلّ. حطام إنسان يعيش على الأدوية والمهدئات، لكن لجنة تخفيض ثلث المدة ما زالت ترى فيه خطراً أيديولوجياً وترفض إطلاق سراحه ووضع حدّ لمعاناة أسرة بكاملها.

علي مصاروة أمضى حتى الآن أكثر مما أمضى أعضاء التنظيم الإرهابي اليهودي الذين قتلوا وجرحوا العشرات، وأضعاف مما أمضاه "ناحشون فالس" قاتل امرأة عربية حامل، وهؤلاء القتلة أطلق سراح جميعهم بعد أقلّ من سبع سنوات من اعتقالهم، وعلي ما زال محتجزاً في ظروف أقسى مئات المرات من الظروف المحتجز بها عامي بوبر، قاتل سبعة من العرب وجارح العشرات.

إنّ جهازاً قضائياً يرأف بحال الإوز ويأمر بإطعامه وبتربيته بظروف معقولة ويجد خلال بضع جلسات حلا لهذه القضية، بينما لا يبدي خلال 16 عاماً قليلاً من الرأفة والعدالة بحالة إنسان مريض كحالة الأسير علي مصاروة. هذا الجهاز، أقلّ ما يقال عنه، إنه مريض ومنفصل عن الواقع.

إننا في هذه الدولة كما يبدو نستحق أقلّ مما يستحق الإوز في نظر الجهاز القضائي، وتبقى حالة علي وتعامل المؤسسة الإسرائيلية والقضاء هي الإجابة على السؤال لماذا مجانينهم عنصريون، فجنون العنصرية الذي يميز بين دم ودم، بين ضحية وضحية، بين أسير وأسير، هو الموضوع الذي يحتاج منا جميعاً التركيز عليه وتعريته ومواجهته من قبل كافة الأطر والفعاليات السياسية والقانونية والاجتماعية.



"فصــ المقال ـــل"