عروة سويطات: لا يمكن الاستفادة من الهجرة الإيجابية إلى حيفا دون تنظيمها

عروة سويطات: لا يمكن الاستفادة من الهجرة الإيجابية إلى حيفا دون تنظيمها
أبنية تاريخية في حيفا، ("عرب 48")

*عروة سويطات:

> حيفا - خسارة المنافسة مع تل أبيب قد تحولها إلى "تل أبيب العرب"
> المدينة تخسر 2000 مواطن يهودي وتستقبل 1000 عربي سنويا
> افتتاح مقهى هنا وحانة هناك لن يغير مسار سياسات التخطيط الكبرى
> "النهضة الثقافية" المزعومة هي "حالة ترفيهية"على هامش التخطيط النيولبرالي للبلدة التحتى


2000 يهودي يغادرون حيفا سنويا مقابل 1000 عربي يقدمون للسكن فيها، ليقلصوا بذلك الهجرة السلبية الكبيرة التي تضرب المدينة وتحولها إلى "مدينة ميناء شائخة"، "رمادية"، لم تترك لها المنافسة مع تل ابيب أي فرصة سوى التحول إلى "تل أبيب العرب"، كما كتبت "ذي ماركير".

عن اندفاع العرب إليها رغم هروب السكان اليهود منها، يقول مخطط المدن عروة سويطات إن حيفا توفر للشبان العرب، الفارين من أزمة السكن التي تعاني منها القرى والمدن العربية، الاندماج في الحياة المدينية إلى جانب الإحساس بالهوية والانتماء النابعان من الحيز التاريخي وما تعنيه المدينة في الخطاب الاجتماعي العربي.

حول مدى تأثير الهجرة العربية في أحياء المدينة واستعادة مكانة وهوية حيفا التاريخية، كان هذا الحوار مع مخطط المدن الحيفاوي عروة سويطات.

عروة سويطات

"عرب 48": لأول وهلة تبدو المعادلة بسيطة، نحن (العرب) بحاجة إلى مدينة، والمدينة (حيفا) بحاجة إلى سكان، ولكن هل هذا كاف لتستعيد حيفا هويتها ومكانتها التاريخية؟

سويطات: الموضوع أكثر تعقيدا، في العموم الإسرائيلي حيفا خسرت المنافسة مع تل أبيب، لأن الشباب الإسرائيلي يريد أن يسكن في المركز الاجتماعي الاقتصادي الثقافي، وتل أبيب تمثل هذا المركز، وبالنسبة لنا نحن العرب الفلسطينيين حيفا هي المركز الحضري الثقافي الاقتصادي الاجتماعي، فهي تخدم أكثر من 200 ألف فلسطيني في الشمال يرتادون جامعاتها ومستشفياتها ومصانعها ومشاغلها ومراكزها الترفيهية والثقافية في ظل انعدام مراكز مدينية عربية أخرى.

من هنإ فان قوة حيفا عندنا تكمن في انعدام منافسين لها في المجتمع الفلسطيني في وقت هي تخسر فيه المنافسة مع تل أبيب في الشارع الإسرائيلي.

لكن بالعموم فإن هناك بعدين يحكمان تعاملنا مع حيفا، الأول هو البعد الهوياتي الانتمائي ومكانة حيفا في مخيلتنا كفلسطينيين، كمدينة تاريخية لها رونقها ومعانيها، المدينة التي سكنها 77 ألف فلسطيني قبل النكبة وأسس فيها عز الدين القسام أولى خطواته الكفاحية والتي بناها ظاهر العمر قبل 250 عاما.

حيفا التي كانت المركز الفلسطيني النابض ونقطة التواصل مع بيروت ودمشق والتي اختارت أم كلثوم أن تغني فيها، لها في قلوبنا كفلسطينيين الكثير من المعاني خاصة بعد أن خسرنا كل هذا.

والثاني هو البعد المرتبط بدور حيفا الوظيفي كمدينة تنتج فرص عمل وسكنا وترفيها وإمكانيات للفرد في أن يتطور بشكل كبير، إلى جانب الخدمات التعليمية والصحية التي توفرها له ولا تستطيع منافستها في تقديمها مدينة أخرى.

كل ذلك يحول حيفا إلى مركز حضري للعرب في الشمال، ويجعلها مركز جذب واستقطاب للشباب الفلسطيني الذي يريد أن يكون في قلب هذا المركز.

"عرب 48": عمليا أنت تقول إن حيفا توفر للعرب حاجة الفرد ومكانة للهوية؟

سويطات: نعم، في بحث أجريته مع جمعية التطوير الاجتماعي في حيفا، شمل لقاءات فردية ومجموعات بؤرية، أكد المجيبون على هذين البعدين المرتبطين بمكانة الفرد والهوية، وهي معادلة مفقودة في البلدات العربية، حيث لا يترافق الانتماء مع توفر إمكانيات لتطوير الفرد لا من ناحية فرص سكن أو عمل.

فمحاصرة الدولة للقرى العربية وتهميشها أدّيا إلى تطورها في سياق مشوه، فهي خسرت ميزة القرية ولم تتحول إلى مدينة، وحتى الناصرة كمدينة عربية رغم أن المركز التاريخي فيها هام جدا، فإن انعدام الفرص وانعدام إمكانيات التطوير أدى بالأزواج العربية إلى الخروج منها.

("عرب 48")

المفتاح بالنسبة لحيفا هو المركز التاريخي للمدينة، وما يميزها أنها مدينة تاريخية لها معان بالمفهوم الجمعي لنا كفلسطينيين وهي تتصرف بهذا الشكل، يعني أن حي وادي النسناس هو القلب النابض للمدينة بالنسبة للتجمع العربي، فيه سوق وفيه مدارس وفيه مجتمع حي ويعطي إمكانيات لتطوير الفرد والخدمات والحيز المديني.

هذه المعادلة غير موجودة في أماكن أخرى، ففي عكا المركز التاريخي موجود ولكن لا يوجد البعد الآخر، فهي مدينة فقيرة لا يتوفر فيها إمكانيات التطوير الاقتصادي وخدمات التعليم والصحة وغيرها.

وما يميز حيفا أنها مدينة حديثة تأسست قبل 250 سنة فقط، وهي تعبير عن المشروع الحداثوي الفلسطيني من ناحية معمارية ومن ناحية مدينية، بعكس عكا ذات السياق التاريخي الأعمق ولكن لا تمتلك إمكانيات العمل وفرص السكن ولا المجتمع المنفتح لاستيعاب جماعات جديدة مثل حيفا.

"عرب 48": السؤال: كيف تستفيد حيفا من هذه الهجرة العربية وهل يتم توظيفها في خدمة الأهداف التي نريد؟

سويطات: في معادلة حيفا، التاريخ والفرد يعملان بقوة، ولكن الهجرة الإيجابية العربية لا تعني بالضرورة تمكين الأحياء العربية في المدينة، لأنه بمقابل الهجرة الإيجابية التي تتمثل بالأزواج الشابة العربية التي تأتي للسكن في حيفا، هناك هجرة سلبية من الأحياء العربية الحيفاوية، مثل وادي النسناس والحليصة والبلدة التحتى، وذلك لانعدام إمكانيات تطوير فرص السكن وتمكين السكان الأصليين الذين ولدوا في وادي النسناس مثلا بأن يبقوا في المركز التاريخي.

بالمقابل، فإن الهجرة الإيجابية تتوزع بشكل مبعثر ولا يتم من خلالها بناء حيز عربي، أو تمكين الحيز العربي القائم كما هو مطلوب، فالهجرة الوافدة لا تخدم المركز التاريخي الذي هو القلب النابض لمدينة حيفا والذي يتوجب علينا إحياءه من جديد، لأننا فقط نستطيع إحياءه بحكم علاقة الانتماء التي تربطنا به، وبهذا المعنى فنحن نشكل مفتاح نهضة المركز التاريخي.

"عرب 48": نحن نعرف أن الهجرة الإيجابية العربية إلى حيفا تتنوع غاياتها وأهدافها والشرائح الاجتماعية المشكلة لها..

سويطات: الهجرة الإيجابية تنقسم أساسا إلى ثلاث مجموعات، الأولى والتي تشكل حوالي 40% من الوافدين، تتشكل من شرائح ضعيفة ليس لديها إمكانيات مادية تمكنها من السكن في بيوت جيدة، ولذلك تلجأ إلى المناطق المهمشة التي تتوفر فيها بيوتا رخيصة تتيح لها أن تسكن في المدينة وتعمل وتبقى قريبة من المناطق العربية بشكل أو بآخر، مثل الهدار الشرقي.

("عرب 48")

والمجموعة الثانية والتي تشكل حوالي 40% كذلك، تعتبر النقيضة للمجموعة الأولى، وتتشكل من الشرائح الميسورة التي تبحث عن جودة حياة ولو بأسعار سكن مرتفعة، وهؤلاء يذهبون إلى "الكرمل الفرنسي" والأحياء التي تبنى في جنوب حيفا، مثل "نؤوت بيرس" و"هنسيه" والمنعزلة بالكامل عن المركز التاريخي العربي.

وهناك شريحة ثالثة تشكل ما يقارب 20% وتتألف أساسا من طلاب جامعات وفنانين ومثقفين، من الذين كانت نشأتهم الأولى في حيفا وقرروا أن يستقروا فيها، هؤلاء يستقرون في الهدار العلوي وفي المحيط القريب من الحيز العربي ويحاولون أن يكونوا قريبين، ولكن مع الحفاظ على مسافة فاصلة.

"عرب 48": نفهم أن هناك فرقًا بين هجرة الإنسان وبين إعادة الاعتبار للمكان وإعماره، وأنه رغم ما يتبلور من حيز ثقافي في حيفا وما تداعبنا من أحلام، فإن المسافة ما زالت واسعة؟

سويطات: الحيز الثقافي في حيفا هو حيز مبتور جرى تقسيمه إلى عدة أحياز؛ الأول: هو الحيز المفقود، وهو المركز التاريخي الذي فقدناه، وكلنا نبكي على "وادي الصليب"، ولكن ننسى أن المخطط كان في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات ونفذ في السنوات العشر الأخيرة، في الوقت الذي كانت فيه الأحزاب العربية موجودة في الائتلاف البلدي.

كان لدينا إمكانية أن نؤثر ولم نؤثر، لأننا تعاملنا معه كحي مهجور ليس فيه سكان وفيه مبان سكنية مهجرة مغلقة، تم بيعها واليوم نرى التغير الكبير الذي يحدث في وادي الصليب.

وادي الصليب الذي هجر بالكامل عام 1948 وجرى إسكانه باليهود الشرقيين حتى نهاية الستينات، كان المتن الذي يربط الحليصة بوادي النسناس وعباس وهو الحيز التاريخي المفقود.

وادي الصليب في حيفا ("عرب 48")

أما الوجه الآخر للحيز المفقود فهو الحيز الاجتماعي الموجود والقوي: والذي يتألف من وادي النسناس وعباس، ويتميز بكثافة سكانية كبيرة وحيز هوياتي ومجتمع متماسك، هناك عمل تجاري قوي وهناك سكن متنوع وهناك ثقافة تاريخية ومراكز تعليم ومدارس وهناك الطوق الدائم للانتماء لهذا المكان، فكل من ولد في حيفا يقول أنا من وادي النسناس، كونه يعبر عن الحيز الهوياتي الباقي والقوي والمتماسك.

أما التحدي الذي يواجهه هذا الحيز، فهو خروج الأزواج الشابة وسيطرة شركة "عميدار" على ملكية ما يقارب 40% من المباني فيه، لأن قانون إسكان "المحميين" لا يسري على الجيل الثالث الذي لا يتمتع بحق الوراثة.

"عميدار" تقوم بعمليات بيع أملاك واسعة في وادي النسناس، بالمقابل يتحول شارع عباس إلى حي مكتظ بشكل كبير جدا وبدون حيز عام، هذه تحديات تواجه المجتمع المتماسك ولكنه يبقى متماسكا ويشكل القلب النابض لمدينة حيفا.

(pixabay)

الحيز المعزول: هو الحليصة والحي الشرقي اللذان قطعهما تهجير حي وادي الصليب عن حي وادي النسناس وعباس وتم عزلهما عن قلب المدينة العربي، وتحويلهما إلى أحياء مهمشة، وهما يمثلان المجتمع المستضعف الذي يعاني انعدام فرص عمل، ثقافة منغلقة، معزولة عن سائر المجتمع وهو يواجه تحديات توفير سكن لائق وكيفية تعزيز المورد البشري والتواصل مع المجتمع العربي بشكل عام.

الحيز المغترب: هو الحيز الثقافي المغترب، ويتمثل بالمجتمع الوافد، وهؤلاء يأتون إلى الكرمل الفرنسي و"هنسيه" و"الهدار الأعلى" ونتحدث عن سكن متنوع، وسبق وأشرت إلى أن المجتمع الوافد متفاوت اقتصاديا، منهم ذوي الوضع الاقتصادي الجيد الذين يفضلون الكرمل الفرنسي، ومنهم من يذهبون إلى الحليصة، والخطورة هنا أن من يمتلك المال يصعد إلى فوق، بينما يبقى الفقراء تحت.

الحيز الثقافي المهجن: ونقصد المجتمع الزائر أو الذين يزورون المدينة للاستفادة من خدمات الترفيه والسهر، رواد المطاعم والمقاهي والحانات، رواد شارع بن غوريون والبلدة التحتى، وبعكس الخطاب السائد وكأن هناك "نهضة ثقافية" في حيفا، فإن الموجود هو "نهضة ترفيهية" تحدث على هامش التخطيط الإسرائيلي النيوليبرالي للبلدة التحتى.

(pixabay)

البلدة التحتى التي كانت المركز التاريخي الفلسطيني، يتم التخطيط لتحويلها إلى منطقة سياحية تضم مطاعم ومناطق ترفيه يأخذ العرب حصة فيها تتمثل ببعض المحلات، هي غير مملوكة لهم أصلا كما هو حاصل اليوم.

الترفيه مهم، ولكن لا يمكن أن تكون هناك نهضة ثقافية وحياة اجتماعية دون أن يتوفر "مثلث الحياة"، المتمثل بالعمل والسكن والمجتمع، دون ذلك سيبقى الحديث يدور عن مجتمع زائر آخذ بالتقلص.

"عرب 48": إذا كانت "النهضة الثقافية" التي يتحدث عنها البعض هي "نهضة ترفيهية"، والهجرة الإيجابية النوعية يتم امتصاصها من قبل "الكرمل الفرنسي"، ولا يستفيد منها المركز التاريخي العربي، فأين نحن من تحقيق الغايات التي نصبو إليها؟

سويطات: هناك تراجع في المستوى الثقافي، مشاريع ثقافية كبيرة مثل مسرح "الميدان" يجري إغلاقه، الشيء الأول المطلوب هو أن نضع أرجلنا على الأرض ونرى الواقع والأحياء المختلفة، وأن نعرف ما نريد وكيف نؤثر بشكل جدي في المركز التاريخي الحيفاوي وفي المشاريع الكبيرة الجارية على الأرض في هذا المركز، ففتح مقهى هنا أو حانة هناك لن يقف أمام هذه المشاريع، يجب أن نفكر في كيفية التدخل والتأثير في سياسات التخطيط والفعل، وأنواع السكن والمباني وفرص العمل المستقبلية، وإذا لم نستطع التأثير في المركز التاريخي الحيفاي سيستمر تشتتنا وتبعثرنا وبترنا لأحياز منفصلة وغير مترابطة.


*عروة سويطات: صاحب لقب أول في الفلسفة والعلوم السياسية من جامعة حيفا والاستشارة التنظيمية والإستراتيجية من جامعة تل أبيب، ولقب ثان في تخطيط المدن في معهد العلوم التطبيقية − التخنيون، ويدرس اللقب الثالث في تخطيط المدن والمناطق في التخنيون.

يبحث سويطات العلاقة بين الدول والأقليات في العالم من خلال بحث التخطيط وسياسات الإسكان وإستراتيجيات المجتمع المدني لدى الأقليات في مواجهة هذه السياسات، في مدينة لندن − بريطانيا.

يشغل مؤخرا عضوية اللجنة البلدية للمحافظة على المباني والمواقع التاريخية في حيفا، كخبير تخطيطي خارجي. ويعمل كمستشار للتخطيط الاجتماعي في طاقم تخطيط البلدة القديمة في مدينة الناصرة.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ