حوار | سقوط حيفا: الواقع الديموغرافي خدم العصابات الصهيونية

حوار | سقوط حيفا: الواقع الديموغرافي خدم العصابات الصهيونية
قبة عباس والبلدة التحتى وميناء حيفا

د. جوني منصور

> الاحتلال والتطهير العرقي من 75 ألف فلسطيني بقي 3 ألف فقط

> خطة "بيعور حميتس"- "الخبز المختمر" تطبيق حي للاقتلاع والإحلال

> بعد دحرجة البراميل المتفجرة على أحياء قصفوا موقع تجمع الناس لدفعهم إلى السفن

> النهوض من تحت الركام ومحاولات استعادة الحيز المديني العربي


صباح الأربعاء 21 نيسان/ أبريل، عام 1948، كانت حيفا مدينة لا تتوقع شيئًا، رغم أنها كانت محكومة بتوتر غامض وفجأة جاء القصف من الشرق، ومضت قذائف المورتر تطير من تلال الكرمل العالية عبر وسط المدينة، حين بدأت أصوات الرصاص والمتفجرات تملأ سماء حيفا لتصب في الأحياء العربية...

هكذا وصف غسان كنفاني، في روايته "عائد إلى حيفا"، حال المدينة عشية سقوطها، إلا أن بطل "عائد إلى حيفا" لم يكن يعرف أن الإنجليز قد قرروا تبكير انسحابهم من حيفا، ولا عرف سر تزامن الهجوم الصهيوني مع الانسحاب البريطاني المفاجئ... ولم يدر كم من الساعات أمضى وهو يركض في شوارعها، مرتدا عن شارع إلى شارع، والسماء تمطر نارا تتدفق بأصوات رصاص وقنابل وقصف بعيد وقريب، وكيف بدأ الزحام يتكاثف مع كل خطوة، والناس يتدفقون من الشوارع الفرعية نحو ذلك الشارع الرئيسي المتجه إلى الميناء...

لكن الحلقة الأخيرة، والتي بدت مفقودة لدى كنفاني، في مسلسل تهجير أهل حيفا، يكملها المؤرخ الإسرائيلي تسادوك إيشل والذي كان عضوا في "الهاجاناه" في كتابه "معارك الهاجاناه في حيفا"، أنه في ساعات الصباح المبكرة من يوم 22 نيسان/ أبريل صدر أمرًا لقائد كتيبة السلاح المساعد إيهود ألموج بتشغيل مدافع الهاون 3 إنش، التي كانت منصوبة بجانب مستشفى روتشيلد، وقصف ساحة السوق (المحاذية للميناء) التي غصت بالناس.

حيفا قبل النكبة

ويقول إيشل، إنه عندما بدأ القصف وسقطت القذائف دب هلع كبير بين الناس، واندفعوا إلى داخل الميناء، واخترقوا رجال الشرطة، وبدأوا يصعدون إلى المراكب، والهرب من المدينة تحت وابل النيران...

بعد أيام سيكتب دافيد بن غوريون، الذي قام بجولة في أحياء حيفا العربية المتروكة، "المشهد كئيب ورائع، حيفا مدينة ميتة جثة بدون روح، خلا القطط والكلاب الضالة"، عشرات الجثث لمواطنين عرب بقيت أيضا في الشوارع المهجورة...

أما غولدا مئير التي زارت حيفا غداة سقوطها، فقالت كان من الصعب علي أن أكبت إحساسًا بالرعب، عندما دخلت البيوت حيث كان الطعام المطبوخ ما زال على الطاولات والألعاب والكتب التي تركها الأطفال على الأرض، حيث بدا الأمر كأن الحياة تجمدت في لحظة واحدة.

عشية الذكرى الـ72 لسقوط حيفا التقينا د. جوني منصور في حوار حول ماضي ومستقبل المدينة التي ما زالت تشكل قبلة الفلسطينيين.

عرب 48: ما ميز حيفا ربما عن غيرها من المدن الفلسطينية أن الاستيطان الصهيوني اقتحم قلبها قبل الـ48 حتى إنها كانت عشية النكبة مدينة عربية يهودية من ناحية ديموغرافية، وتهجير سكانها العرب هو نموذج ساطع للتطهير العرقي؟

منصور: الواقع الديموغرافي المذكور سهل على العصابات الصهيونية احتلال المدينة وتطهيرها من سكانها العرب، حيث انطلقت الهجمات من الأحياء اليهودية الواقعة في قلب المدينة وتتمتع بأفضلية طوبوغرافية مثل الكرمل وغيره نحو الأحياء العربية المنخفضة تخللها دحرجة براميل متفجرات باتجاه تلك الأحياء.

وقد بدأت الأعمال العدائية ضد العرب سكان المدينة مباشرة بعد صدور قرار تقسيم فلسطين في 29.11.1947 الذي وقعت وفقه المدينة ضمن الدولة اليهودية المفترضة، حيث تحركت العصابات الصهيونية والهاغاناة بشكل خاص من مواقعها الواقعة في جبل الكرمل وأخذت تمارس عمليات قصف للأحياء العربية المكتظة بالسكان مثل وادي النسناس ووادي الصليب والبلدة التحتى وبوابات الميناء.

د. جوني منصور
​​​​​

وبدأت هذه العصابات بوضع مواد ناسفة ومتفجرات في بعض المواقع، مثل السوق القديم والكراجات ومؤسسات مكتظة بالمراجعين من العرب الفلسطينيين، لدب الخوف والرعب والترويع في نفوس الأهالي إضافة إلى أعمال القنص التي كانت تقوم بها في الأحياء العربية، الأمر الذي أدى إلى استشهاد أعداد كبيرة من المارة والمواطنين المدنيين، خاصة على خطوط التماس بين الأحياء اليهودية والعربية مثل وادي النسناس ووادي الصليب المحاذيان لحي الهدار اليهودي.

عرب 48: نحن نتحدث عن تداخل سكاني كان قائما وعن أحياء متلاصقة تقريبا تنقسم بين عرب ويهود؟

منصور: صحيح، حي الهدار هو حي يهودي وهو على خط التماس بين وادي الصليب ووادي النسناس، ولكن كانت على أطرافه مربعات سكنية عربية ما زالت قائمة إلى اليوم، فمثلا بين شارع الأنبياء وشارع هرتسل وحلوتس هناك مربع سكني عربي كامل ولا تزال أملاك العرب موجودة في هذا المربع.

عرب 48: دعنا نعود قليلًا إلى الوراء لنقرأ دالة التغيير الديموغرافي في المدينة، وارتباط ذلك بالإستراتيجية الصهيونية في السيطرة على المراكز المدنية الفلسطينية؟

منصور: التحول في الميزان الديموغرافي في حيفا بدأ مع انتهاء الحرب العالمية الأولى وفرض الانتداب البريطاني على فلسطين، حيث شكل اليهود 14% من سكان المدينة بينما أخذت الزيادة نفسا أقوى في الثلاثينات وتحديدًا بعد وصول هتلر إلى الحكم في ألمانيا.

وبدأت تزداد وتيرة الهجرة اليهودية من ألمانيا بشكل شرعي وغير شرعي، وكانت تصل السفن إلى شواطئ عتليت وهناك ينزل المهاجرون في مستوطنتي عتليت وزخرون يعقوب ويرتبوا الأوراق ويصبحوا بالتالي مواطنين فلسطينيين، وكانوا يسمون كذلك لأن حكومة الانتداب كانت تسمى حكومة فلسطين.

شارع الملوك عام 1938 من مدينة حيفا

المهاجرون الألمان ذهب معظمهم إلى تل أبيب لأن غالبيتهم لهم أقارب سبقوهم في الهجرة إلى البلاد، إلا أن قسم لا بأس به أيضا استقر في حيفا خاصة وأنها توفر أماكن عمل، بسبب وجود مناطق صناعية ووجود التخنيون كمعهد للعلوم التطبيقية استقطب عدد كبير من المحاضرين والباحثين من اليهود الألمان.

إلا أن نسبة العرب في المدينة ظلت اكثر من اليهود حتى سنة 1945، عندما بدأت هجرة اليهود الناجين من النازية بأعداد كبيرة لتقلب التوازن القائم، حيث كان التناسب عشية النكبة 52% من اليهود و48% من العرب.

عرب 48: نحن نتحدث عن تحول اليهود من أقلية ضئيلة في المدينة إلى أغلبية خلال أقل من 30 عامًا، وهو تطور غير طبيعي يعكس محاولة تغلغل واحتلال للمدينة قبل احتلالها الفعلي عام 1948؟

منصور: استهداف حيفا كمركز مديني فلسطيني إسوة بالقدس ويافا (تل أبيب) يعود إلى وجود ثلاثة مرافق اقتصادية هامة في المدينة، الأول هو خط سكة الحديد والذي يمتد عبر الساحل ويربط المدينة بتل أبيب وغيرها من مدن الساحل الفلسطيني.

والثاني هو الميناء، فالإنجليز بنوا ميناء حديثا وفّر كل الإمكانيات وفرص العمل وربط حيفا بالخارج ولا شك أن المشروع الصهيوني أراد السيطرة على هذا الميناء والاستحواذ عليه، أما المرفق الاقتصادي الثالث فهو معامل تكرير البترول "الرفينري"، التي ينتهي إليها خط تكرير البترول الواصل من كركوك في العراق، والمنطقة الصناعية المحيطة بها، وقد استثمرت رؤوس الأموال اليهودية القادمة من أوروبا وأقامت مشاريع في هذه المنطقة، جزء منها لا زال قائما إلى اليوم.

مطل على حيفا عام 1930

أما بخصوص السيطرة على المدينة قبل احتلالها الرسمي وتفريغها من أهلها الفلسطينيين فقد تمكن المشروع الصهيوني من السيطرة على ثلاثة مفاصل، الأول هو البلدية حيث توفي عام 1940 رئيسها حسن شكري، التركي الأصل والمحسوب أصلا على صفوف الصهيونية وبسبب الحرب وحالة الطوارئ لم تجر انتخابات وعين نائبه شبتاي ليفي خليفة له.

المفصل الثاني، هو المرافق الاقتصادية التي تحدثنا عنها والمتمثلة بالميناء وسكة الحديد ومعامل تكرير البترول والمنطقة الصناعية، والمفصل الثالث هو التعليم والبحث، حيث أقاموا معهد التخنيون الذي بدأ عام 1911 كمعهد بحثي ثم تطور إلى البحث والإنتاج العلمي والأمني، ونجح في استقطاب قطاع واسع من العلماء والباحثين والطلاب.

عرب 48: ولكن ربما بعكس تل أبيب التي أقيمت بمحاذاة يافا والقدس غربية وشرقية، فإن أحياء حيفا كانت متداخلة؟

منصور: في القدس أيضا كان نوع من التداخل قبل أن يتم الفصل التام عام 1948 ويعود مع احتلال 1967، ولكن التداخل ليس على مستوى الأحياء فقد بقيت أحياء عربية وأحياء يهودية لا تربطها أي حياة اجتماعية وثقافية وسياسية مشتركة ولا يجمعها سوى التعامل الاقتصادي.

عدا عن أن الأحياء اليهودية؛ هدار، عليون، الكرمل، أحوزاة رومما ونفي شانان، تقع في اتجاه أعلى الجبل بينما تقع الأحياء العربية في المنحدرات السفلى وعلى طول الساحل باستثناء بات غليم المفصولة ديموغرافيا عن محيطها اليهودي وبينما نشاهد فصل بشري إنساني وعمراني نرى مصالح تجارية متجاورة في شارع الملوك في البلدة التحتى.

عرب 48: قلت أن الأعمال العدائية ضد السكان العرب بدأت نهاية 1947 ومطلع عام 1948 وطبعا أدى ذلك إلى نزوح سكان عرب عن المدينة؟

منصور: صحيح، لكن الحدث الأبرز والذي دب الرعب وشكل بداية للنزوح عن المدينة وقع في 31.12.1947 عندما وقع اشتباك بين العمال اليهود والعرب في معامل تكرير البترول وعلى إثره قامت عصابة الهاجاناة بالهجوم على مساكن العمال العرب في بلد الشيخ- تل حنان ونفذوا مجزرة أوقعت عشرات القتلى وكان نتيجتها بداية نزوح العمال عن المدينة وعودتهم إلى قراهم.

حيفا من جبل الكرمل

الفئة الثانية من النازحين تشكلت من الأغنياء الذين خافوا على مصالحهم الاقتصادية وكانوا يملكون مصالح تجارية وبيوت في لبنان فغادروا إلى هناك أما الموجة الثالثة فوقعت في شهر آذار بعد أن قام قائد حامية حيفا احمد الحنيطي وهو ضابط سابق في الجيش الأردني من بلدة أبو علندة في محيط عمان بتفجير نفسه بشاحنة ذخيرة كان قد احضرها من لبنان بعد أن وقعت في كمين نصبته الهاغاناة.

جدير بالذكر أن السفن في الميناء كانت جاهزة لنقل النازحين بحرا إلى عكا ومن هناك إلى صور وصيدا في لبنان، كما أن الحافلات كانت تقف في الجهة الشرقية خلف جامع الاستقلال وجاهزة لنقلهم برا إلى جنين والناصرة.

عرب 48: وطبعا كان يوم 22 تتويج لعملية النزوح والتهجير والتطهير العرقي التي بدأت قل ذلك بكثير؟

منصور: نعم لقد طبقت خطة "المقص" لاحتلال حيفا، ضمن الخطة "د" وبعدها قاموا بعملية تطهير عرقي شاملة للمدينة أسموها "بيعور حميتس" التي تعني "الخبز المختمر" تيمنا بطقوس الفصح اليهودي الذي يقومون خلاله بإخراج الأواني القديمة وإدخال الجديدة مكانها.

وجرى تجميع من بقي من أهالي حيفا العرب وهم ثلاثة آلاف نسمة من اصل 75 ألف، في حي وادي النسناس وفرضوا حولهم طوقًا من الأسلاك الشائكة لمدة ثلاثة اشهر، قاموا خلالها بالسيطرة على المدينة ومرافقها الاقتصادية والثقافية والعمرانية والبدء بالسيطرة على البيوت العربية وإعدادها لاستيعاب المهاجرين اليهود.

حيفا ليلًا 1940

عرب 48: لذلك نرى أن غالبية سكان حي وادي النساس هم ليسوا من سكان الحي الأصليين، من الذين وبعد أن استولت الدولة على بيوتهم الأصلية أجرتهم بيوتا أخرى استولت عليها؟

منصور: صحيح، ولكن التجمع العربي الذي شل وادي النسناس عاموده الفقري عاد وتطور وامتد إلى الأحياء العربية الباقية، الحليصة والبلد التحتى وألمانية وعباس وغيرها، والتي شكلت معا مصدر جذب لمهاجرين عرب من العمال الذين قدموا في الستينيات والسبعينيات للعمل في حيفا في ظروف الحكم العسكري ولهجرات لاحقة، سببها أزمة السكن في قرانا ومدننا العربية والبحث عن جودة حياة وحيز مديني مفقود ومصادر تعليم وعمل.

ترافق ذلك في السنوات الأخيرة مع هجرة يهودية سلبية من المدينة بالعموم ومن الأحياء التحتى داخلها إلى الأحياء الجديدة العليا الأمر الذي ساهم في استعادة هذه الأحياء لهويتها العربية.

حيفا 1948

إلى جانب ذلك هناك غزو للأحياء الجديدة، فمثلا يشكل العرب 30% من حي "هنسيه" الحديث الواقع جنوبي المدينة، واليوم يبلغ عدد سكان حيفا العرب 52 ألف نسمة يشكلون حوالي 15% من سكانها، هذا في وقت تتعاظم هجرة الشباب اليهود إلى المركز- تل أبيب وتتعاظم هجرة الشباب العرب إلى حيفا ليعيدوا إليها بعض الألق والحيوية وبعض من هويتها المفقودة.


* د. جوني منصور: مؤرخ فلسطيني. له اهتمام بدراسة تاريخ المدينة الفلسطينية، وخصوصا في فترة الاحتلال (الانتداب) البريطاني. صدر له عديد من الكتب والدراسات، من أبرزها: "شوارع حيفا العربية"و "يوم الأرض" و"حيفا الكلمة التي صارت مدينة" و"المؤسسة العسكرية في إسرائيل" و"عقيلة آغا الحاسي" و"معجم الإعلام والمصطلحات الصهيونية والإسرائيلية" و"الاستيطان الإسرائيلي" و"مئوية تصريح بلفور".