حوار مع هبة يزبك: مدن "غائبة" وأخرى "ممحوّة".. روايات مُغيّبة من تاريخ النكبة

حوار مع هبة يزبك: مدن "غائبة" وأخرى "ممحوّة".. روايات مُغيّبة من تاريخ النكبة
عناصر الهاغاناة تستولي على المدرسة الإسلامية إبان تهجير حيفا، 1948 (جون فيليبس، مجلة لايف)

على الرغم من عمليات الطرد والترحيل القسرية التي مارستها العصابات الصهيونية والجيش الإسرائيلي ضد آلاف اللاجئين الذين نزحوا عن قراهم ومدنهم الأصلية إلى قرى ومدن مجاورة لمنع عودتهم إلى مسقط رأسهم، فقد بقي داخل حدود الدولة الناشئة – إسرائيل - نحو 30-40 ألف لاجئ، شكلوا أكثر من ربع البقية الباقية من الفلسطينيين وتركزت أغلبيتهم الساحقة في الجليل.

بعدها عملت "الدولة" بكل طرق للحؤول دون عودتهم إلى قراهم ومدنهم الأصلية، ووضع يدها على أراضيهم وممتلكاتهم، وقد استحدثت لهذا الغرض عددًا من الأوامر والأنظمة والقوانين بهدف إسباغ الشرعية على ممارساتها، أهمها قانون "أملاك الغائبين"، الذي شرعن مصادرة أراضيهم وممتلكاتهم.

ويقول الكاتب الإسرائيلي هليل كوهين، في كتابه "الحاضرون الغائبون"، إن إسرائيل اتخذت جملة من التدابير شملت الوسائل القانونية والعنيفة من أجل اقتلاع "هوية اللجوء الجماعية" للاجئي الداخل، وذلك افتراضًا منها أن هذا الأمر سيقمع مطالب اللاجئين بالعودة إلى قراهم الأصلية واستعادة أراضيهم.

العصابات الصهيونية تغلق أحد الأحياء العربية في حيفا (جون فيليبس، مجلة لايف)

ومن التدابير التي اتخذتها لتحقيق ذلك، إزالة أسماء القرى المهجرة من الخرائط الرسمية؛ استثناء لاجئي الداخل من إحصاء اللاجئين الذي أجرته الأونروا وإدراجهم في إحصاءاتها، بحسب قرى اللجوء؛ عدم الإشارة إلى القرى المهجرة وقضية اللاجئين في المناهج التعليمية، بما فيها تلك الموجهة إلى الطلاب العرب؛ منع زيارة اللاجئين للقرى المهجرة بهدف إحداث قطيعة تامة بينهم وبين قراهم الأصلية؛ وتسليم أراضيهم للمستوطنات اليهودية.

بالمقابل سعت "الدولة" إلى محاولات تعويض اللاجئين عن أراضيهم وأملاكهم التي فقدوها لقاء تعويض زهيد وإسكانهم في أماكن بديلة، وعبر ممارسة ضغوط شديدة لإجبارهم على التوصل إلى تسويات مع الدولة بشأن أراضيهم.

وقامت كذلك بشطب لاجئي الداخل الذين كانوا يسكنون في هذه القرى من قوائم اللاجئين التي أعدّتها الأونروا، وحتى سنة 1952 كانت الأونروا تقدم إلى اللاجئين في إسرائيل الخدمات نفسها التي كانت تقدمها إلى اللاجئين في المخيمات في الدول العربية، بما يشمل توزيع الحصص التموينية، ومساعدته في إيجاد عمل.

(جون فيليبس، مجلة لايف)

وفور اتخاذ الحكومة الإسرائيلية لقرار وقف عمل الأونروا، أعلنت وزارة الخارجية في صيف 1952 أنه "لم يعد هناك أي لاجئين في دولة إسرائيل"، وفي الإحصاءات السكانية التي أجرتها الدولة مّ تسجيلهم بحسب القرى التي لجأوا إليها، لا بحسب قراهم الأصلية.

ومن الواضح أن إسرائيل اختارت بهذا القرار "إخفاء" قضية مهجري الداخل عوضا عن حلها، في حين بقي عشرات ومن ثم مئات الآلاف يعيشون على مرمى حجر من مواقع قراهم المهجرة وهم محرومون من العودة إليها وإلى أراضيهم التي سيطرت عليها المستوطنات الصهيونية.

في بحثها بعنوان "مهجرو 1948 - الذاكرة، الحيز والجندر" والذي نالت عليه شهادة الدكتوراة من جامعة تل أبيب، نقلت هبة يزبك رواية الجيل الأول من المهجرين على تنوعهم الجغرافي، والاجتماعي، سكان مدن وسكان قرى، نساء ورجال، مسلطة الضوء على فئتين ظلمتا، كما تقول، في دراسة أحداث النكبة، هما سكان المدن والنساء.

"عرب 48": كيف ظلم سكان المدن والنساء في "دراسات النكبة"، إن صح التعبير، ولماذا؟

النائبة هبة يزبك

يزبك: لقد تمركزت الأدبيات حول التاريخ الفلسطيني للنكبة، بالمقام الأول، حول هدم وتهجير القرى الفلسطينية، وبدرجة أقل حول فقدان المدن، هدمها وتهجيرها. وقد تم تغييب المدن الفلسطينية من الحيز والحياة الاجتماعية للفلسطينيين في إسرائيل عمليا، ومن الذاكرة الجمعية.

وبالرغم من أن المدن الفلسطينية تمتعت بأهمية ومكانة مركزية في حياة الفلسطينيين ما قبل النكبة، وشكلّت هدفًا مركزيًا للتدمير والتطهير العرقي ضمن الخطة الصهيونية لاستعمار فلسطين، حيث بدأت مهاجمة المدن بشكل منهجي على يد العصابات الصهيونية بدءًا من نيسان عام 1948، إلا أنه كان من اللافت التشديد على ريفية وقروية المجتمع الفلسطيني ما قبل النكبة، الأمر الذي ساهم بتهميش المدن من البحث العلمي على مدار عقود.

هذا علما بأن محاولات تسليط الضوء على تدمير المدن الفلسطينية بمستوى "ألميكرو"، كانت قد بدأت باكرًا، ونشير في السياق إلى دراسة وليد الخالدي "سقوط حيفا" (1959)، إلا أن مثل هذه المحاولات قد بقيت دون تراكمية بحثية.

في السنوات الأخيرة نلاحظ تزايدًا واضحًا بالدراسات التي تُعنى بتاريخ المدن الفلسطينية، تحديدًا تلك المتعلقة بالفترة الواقعة ما بين أواخر الحقبة العثمانية وفترة الانتداب البريطاني، في ما يتعلق بتأثيرات النكبة والاستعمار الصهيوني على مكانة المدن الفلسطينية، إلا أن الدراسات التي تتناول تدمير الحيّز والمجتمع المدنيّ الفلسطينيّ خلال النكبة، لا زالت تتسم بالمحدودية من حيث الكم ومن حيث الموضوعات التي تعالجها، ولا زال واضحًا قصور الدراسات القائمة بتناول تجارب كافة المدن الفلسطينية.

تهجير حيفا، 1948 (جون فيليبس، مجلة لايف)

وبالنسبة للنساء، فإنه بالرغم من أن روايات نساء المدن تبدو أقل "إخراسا" من روايات نساء القرى، إلا أنهن أيضا يبقين أقلية مقابل روايات الرجال، ونادرا ما يطلب منهن رواية تجربتهن من وجهة نظرهن كنساء، وإنما يتم استخدام رواياتهن لاستعراض تجربة المدن قبل أو خلال النكبة.

ولذلك حاولت إبراز روايات نساء المدن والقرى حول التهجير، لأن معظم الأدبيات القائمة حول التهجير تقوم باستثناء النساء والجانب الجندري، علما بأن الدراسات القليلة التي تناولت موضوعة الجندر والتهجير في السياق الفلسطيني، غالبا ما حصرت مفهوم الجندر بدراسة مجموعات النساء، وتمركزت حولها، كمحاولة للتعويض عن التهميش الأكاديمي والبحثي المضاعف الواقع بحقهن.

"عرب 48": تغييب المرأة بصفتها الشريحة الأضعف مفهوم ضمنا، ولكن تغييب المدينة هو الأمر غير المفهوم، وربما يرجع إلى ما يشاع عن مغادرة النخب الفلسطينية وتركها للمدن طوعا، قبل سقوطها الفعلي؟

يزبك: ما يقال عن مغادرة النخب لا يلغي بقاء الآلاف وعشرات الآلاف من الفقراء ومتوسطي الحال من سكان المدن الذين جرى تهجيرهم تحت وابل الرصاص، كما حدث في حيفا ويافا واللد والرملة، حيث بقيت أقلية ضئيلة من سكانها أو جرى "تطهيرها" بالكامل، كما حدث في بيسان وطبريا وصفد وبئر السبع وعسقلان.

وقد ميزت في بحثي بين نوعين من المدن الفلسطينية، الأول هو المدن الساحلية بالأساس، ويمكن أن نسميها "المدن الغائبة"، مثل حيفا ويافا وعكا واللد والرملة، والتي بقي جزء قليل من أهلها ليحافظوا على استمرار الوجود العربي الفلسطيني ويساهموا في حفظها في الذاكرة الجمعية، والثاني هو المدن التي تم محوها بالكامل وإنهاء الوجود السكاني العربي الفلسطيني فيها، مثل بيسان وطبريا وصفد وعسقلان وبئر السبع، وبالتالي جرى محوها من الذاكرة الجمعية أيضا، وبناء رواية صهيونية مهيمنة حولها.

عناصر من عصابة "الهاعاناه" تحاصر يافا، أيار 1948 (أرشيفية - أ ف ب)

والملاحظ في مسألة تهجير المدن عموما، إضافة إلى أنها تمت بشكل منظم، بمعنى أن قوارب و"زحافات" انتظرت أهالي حيفا الفارين تحت وابل النيران ونقلتهم إلى عكا، ومن هناك إلى صور وصيدا في لبنان بحرا، وحافلات انتظرتهم ونقلتهم إلى الناصرة وجنين برا، وذلك بتدبير بريطاني صهيوني مشترك، إضافة لذلك فإن الملاحظ أن سكان المدن جرى نقلهم إلى مدن، فلا نجد بين مهجري الداخل مثلا سكان مدن لجأوا إلى قرى.

مهجرو المدن جرى تهجيرهم إلى مدن أخرى و"تمتعوا" إن صح التعبير، بتهجير منظم بعكس مهجري القرى الذين هجروا بشكل عشوائي، أما البقية القليلة التي بقيت في المدن فقد تم حشرهم في غيتوات.

"عرب 48": في الآونة الأخيرة برز كثيرا الحديث عن غيتوات، خاصة بعد رواية إلياس خوري التي أعادت الموضوع للواجهة؟

يزبك: مصطلح الغيتو ليس شائعا عندنا، ولكن هكذا كان الجنود يسمونه فنقله الفلسطينيون عنهم، هم كانوا يقولون "ابقوا في الغيتو" أو "ممنوع أن تخرجوا من الغيتو"، والفلسطينيون يرددون خلفهم. والغيتو هي المنطقة التي قام الجيش الإسرائيلي بتجميع من بقي من سكان المدن الفلسطينية فيها، حيث جرى إسكانهم في بيوت فلسطينية أخرى تركها سكانها، بعد أن ضربوا حولها أسلاكا شائكة ووضعوا حراسة على مدخلها، وقد أقيمت في أحد الأحياء العربية التي بقيت عامرة مثل العجمي في يافا ووادي النسناس في حيفا.

من أرشيف الأمم المتحدة لمصور غير معروف، بداية النزوح من يافا

وقد لاحظت أن المهجرين لا يحبون الحديث عن تلك التجربة التي ترافقت أيضا مع اعتقال جميع الرجال في "سن العسكرية"، من مهجرين وغير مهجرين وحبسهم في معسكرات عمل أو معسكرات اعتقال، هي الأخرى نمتلك القليل من المعلومات الرسمية عنها، بمعنى أن المهجرين الذين جرى تجميعهم في غيتوات قد تم أيضا انتزاع رجالهم من بينهم في الفترة الأولى التي دامت أشهرا طويلة.

أما بالنسبة لفترة الغيتو فمن غير المعلوم تماما مدتها التي استغرقت من عام وحتى ثلاثة أعوام، تم خلاله الاستيلاء على بيوت وممتلكات المهجرين وسائر اللاجئين الفلسطينيين، قبل البدء بتخفيف القيود على المنطقة بشكل تدريجي، علما بأن المعنى المجازي لتلك المناطق ما زال ساري المفعول.

"عرب 48": هي ضريبة البقاء أو نصيب وجزاء من بقي لأنه ظل، علما بأن من نزح لقي مصيرا أسوأ أيضا؟

يزبك: لقد ظلوا ليشهدوا، ربما، على خراب المدينة، ويدفنوا أو يحرقوا قسرا جثث شهدائها، مثلما حدث في اللد، حيث روى أكثر من شاهد كيف قامت العصابات الصهيونية بإرغام الأهالي على القيام بإحراق جثث شهداء مجزرة مسجد دهمش. أو كما روى غيرهم من أهالي يافا، كيف جرى إجبارهم على دفن الشهداء في المقبرة الجماعية في حي العجمي التابع للمدينة تحت تهديد السلاح.

"عرب 48": هي فترة مظلمة يبدو أن إسرائيل لا ترغب في الإفراج عن ملفاتها لأنها تنطوي على الكثير من الفظائع التي لا تستطيع تحمل عواقبها؟

يزبك: صحيح، نحن نعتمد على الرواية الشفوية بهذا الخصوص، وقضايا مثل معسكرات الاعتقال وحرق الجثث والمقابر الجماعية والغيتوات ومعسكرات الاعتقال، لم تحظ بأي وثائق رسمية تلقي عليها الضوء.

"عرب 48": ولكن يبدو للوهلة الأولى أن من بقي من سكان المدن قد مرت عليهم فترة الحكم العسكري بشكل أسهل نوعا ما من سكان القرى؟

يزبك: التحديات كانت مختلفة، ولكن هذه الشريحة كانت أكثر شريحة "مرئية" بالمعنى السلبي، أي أنها مرصودة ومراقبة وخاضعة بشكل مباشر لأجهزة التعقب والاضطهاد التابعة للحكم العسكري.

وبالعموم، خلال فترة الحكم العسكري كانت دائما محاولات تنظيم واحتجاج على المستوى المحلي، خصوصا أن هناك الكثير من الشهادات والوثائق التي تشير إلى ذلك، ما يعني أن شعبنا كان دائما منتصب القامة ومقاوم وإن كانت الظروف الحالية هي التي تغيرت.

وفيما يتعلق بالمهجرين داخل الوطن، فإن وقف عمل الأونروا عام 1952 والتدابير التي اتخذتها إسرائيل لاحقا، وكل محاولات القمع والاضطهاد، لم تمنع من نقل الرواية وراية العودة من جيل إلى جيل، وهو ما يظهر في تزايد أعداد المشاركين في مسيرة العودة التي تنظمها "لجنة المهجرين" سنة بعد أخرى، تحت شعار "يوم استقلالهم يوم نكبتنا".


*هبة يزبك: حاصلة على الدكتوراة من قسم العلوم الاجتماعية والإنسانية، جامعة تل ابيب، نائبة في الكنيست عن التجمع الوطني الديمقراطي - القائمة المشتركة.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"