حوار | لماذا بات كورونا أسرع انتشارا في المجتمع العربي؟

حوار | لماذا بات كورونا أسرع انتشارا في المجتمع العربي؟
محطة فحص كورونا في طمرة، للتوضيح (أ ف ب - أرشيفية)

*د. نهاية داوود:

  • من المقلق في زمن الوباء أن تتبع لجهاز صحي في دولة لا تعاملك كمواطن درجة أولى
  • نسبة المصابين العرب في الموجة الثانية 140% أي أكثر بمرة ونصف تقريبا
  • قدرة مجتمعنا على الاحتمال أقل بسبب وضعه الاقتصادي المتدني
  • عندما تتحكم الحكومة بمصير الناس بواسطة أنظمة طوارئ يجب أن نخاف على صحتنا وأمننا الغذائي

أعربت الهيئة العربية للطوارئ عن قلقها من مستوى تفشي جائحة كورونا خلال الموجة الثانية، بعدما بلغ عدد الإصابات في المجتمع العربي نحو 1700، بزيادة ضعف ونصف الضعف عن عدد الإصابات التي سجلت خلال "الموجة الأولى".

وكانت الهيئة قد أعلنت يوم الخميس الماضي، أن عدد المصابين العرب بالفيروس بلغ في البلدات العربية، 2,760، لا يشمل المدن المختلطة، وأنه تم تسجيل 297 إصابة جديدة منذ مطلع الأسبوع الحالي، كما ارتفع عدد الحالات النشطة إلى أكثر من 1,400 حالة.

وبلغت عدد الإصابات في إسرائيل 37,464 إصابة مع تسجيل 7,506 إصابة جديدة منذ بداية الأسبوع الحالي، وبزيادة بلغت 13.3%، بينما بلغت نسبة الارتفاع في المجتمع العربي منذ مطلع الأسبوع الحالي 12.1%، هذا في حين بلغ عدد الفحوصات في المجتمع العربي 119,046 فحصا، بزيادة 8,564 منذ مطلع الأسبوع، وتعادل نحو 10.2% من مجمل عدد الفحوصات في إسرائيل، والتي بلغت 1,162,749 فحصا.

وأوضحت الهيئة أنه من حيث عدد الحالات النشطة، تحتل رهط المكان الأول مع تسجيل 221 حالة نشطة من مجمل 354 إصابة، بينما سجلت عرعرة النقب 194 حالة نشطة من أصل 288 إصابة، ثم باقة الغربية مع 133 حالة نشطة من أصل 168 إصابة، وكفر قاسم مع 122 حالة نشطة من أصل 141 إصابة، وتعتبر هذه الأرقام مرتفعة نسبة إلى أعداد الإصابات التي سُجلت في المجتمع العربي في "الموجة الأولى".

حول "الموجة الثانية" وجاهزية المجتمع العربي لمواجهة فيروس كورونا، أجرينا هذا الحوار مع المحاضرة والباحثة في مجال صحة الجمهور بجامعة النقب، د. نهاية داوود.

"عرب 48": كانت توقعات لموجة ثانية ولكن ليس بهذا الحجم وهذا الانتشار؟

د. نهاية داوود

داوود: الموضوع يرتبط بسياسة العودة إلى الحياة الطبيعية بعد الإغلاق، حيث تم فتح المدارس والأسواق بشكل كامل ومفاجئ وسريع، وجعلوا الجمهور يفهم أن الأمور باتت عادية، كما استأنفت الأعراس والحفلات والجنازات دون الحفاظ على وسائل الأمان والتباعد الاجتماعي واستخدام الكمامات.

وظهرت البؤر الأولى في المدارس، هنا معلمة وهناك طالب، حتى بلغ عدد المدارس التي اكتشفت فيها إصابات 130 مدرسة جرى إغلاقها، ثم انتقل الأمر للأعراس التي شكلت بؤر عدوى كبيرة، إلى أن وصلنا إلى هذا الكم من المصابين وهذا الحجم من الانتشار الذي لا يمكن احتوائه بمعالجات بؤرية.

إجراء فحص الحرارة قبل الدخول لمدرسة في طمرة (أرشيفية)

الحل الوحيد، حسب رأيي، هو العودة إلى إغلاق شامل مرة أخرى، ثم العودة تدريجيا إلى الحياة الطبيعية، مع مراعاة التعليمات والاحتياطات، خاصة أن هناك أبحاث جديدة تتحدث عن احتمال انتقال الفيروس بواسطة الهواء، ما يجعل العدوى أكثر انتشارا والوقاية من المرض أكثر صعوبة، هذا إلى جانب حالة التخبط وعدم اليقين التي ما زالت هي سيدة الموقف عالميا بكل ما يتعلق بخصائص الفيروس والتعامل معه.

"عرب 48": في ما تعتبره السلطات "موجة أولى" كانت نسبة الإصابات في المجتمع العربي منخفضة نسبيا، ولكن يبدو أن نصيبنا من هذه الموجة أكثر بكثير، خاصة في النقب وبعض بلدات المثلث...

داوود: صحيح، نسبتنا من المرضى في هذه الموجة تبلغ 140%، أي أكثر بـ 40% مما يجب أن تكون عليه، أو أكثر مرة ونصف تقريبا، وأعتقد أن هذه الزيادة لها عدة أسباب، بينها ردة الفعل على الإغلاق غير المبرر بعض الشيء الذي فرض على المجتمع العربي في رمضان وأثار استياء الناس، وعزز من عدم ثقتهم بقرارات الحكومة والتعليمات الصادرة عنها.

نحن في وضع معقد بعض الشيء حيث يجب أن ننصاع لتعليمات حكومة لا نثق بها ولا برئيسها الذي يستغل الجائحة لأغراضه السياسية، إضافة إلى أن قدرتنا على الاحتمال أقل كمجتمع بسبب الوضع الاقتصادي المتدني، ولذلك عودتنا إلى سوق العمل كانت أسرع.

"عرب 48": ولكن لوحظ في هذه الموجة نسبة إصابات عالية أيضا في الضفة الغربية والقدس...

داوود: أعتقد أن الأمر مرتبط بعودة العمال الفلسطينيين الذين يعملون في إسرائيل إلى ممارسة عملهم وتنقلهم، الأمر الذي يحمل العدوى إلى بلداتهم، فكل مجموعة سكانية يجب أن يتم فحص السياق الاجتماعي لانتقال المرض عندها، فمثلا العمال الأجانب الموجودين في إسرائيل الذين لا يمتلكون تأشيرة بقاء في البلاد ويعملون دون في ظروف سكن مزرية وبدون تأمين صحي، كان من الطبيعي أن يكونوا عرضة لانتشار العدوى أكثر من غيرهم.

في الموجة الأولى كانت توقعاتنا أن تكون نسبة الإصابات أعلى، وكانت هناك فرضيات متباينة للنسبة المنخفضة منها عدم وجود فحوصات كافية، وكما هو معروف فقد بدأت الفحوصات في المجتمع العربي بعد شهر تقريبا من بداية المرض وبعد نداءات ومطالبات من قبل لجنة الصحة ولجنة الطوارئ العربية النواب العرب وبقيت هذه الفحوصات أقل من المعدل العام، ونحن نعرف أن هناك من يصابون بالعدوى ويشفون من المرض دون أن تظهر عليهم أعراض ودون أن يمرضون.

خلال فترة الإغلاق في دير الأسد (أرشيفية - أ ف ب)

اليوم، الفحوصات أصبحت أقرب على الناس بعد أن صار من الممكن إجراؤها عن طريق صناديق المرضى، وهو ما يؤشر على أهمية منالية الخدمات الطبية وإتاحتها أمام المواطنين، كما أن الدمغة التي لاحقت مريض الكورونا في مجتمعنا أصبحت أقل وطأة، وبات الناس يتوجهون للفحص بأعداد أكبر.

"عرب 48": في مسألة العادات والسلوك الاجتماعي نلاحظ أننا كعرب أقل التزاما بالتعليمات الصحية، وهو ما يؤدي إلى نسب إصابة أكبر...

داوود: هناك مسألة عدم الثقة بالجهات المسؤولة، كما ذكرت، وفي هذه الحالة الحكومة ورئيسها، وهناك كل مسألة تقدير الخطر عندنا، وهو أمر يظهر في حوادث العمل وغيرها، وسلم أولويات مختلف، تتصدره ربما مسألة لقمة العيش وإعالة العائلة التي تطغى حتى على مسألة الصحة والسلامة.

صحيح أننا مجتمع أكثر شبابا من المجتمع الآخر ولذلك يفترض أن نتعرض بنسب أقل للإصابة بالمرض، ولكننا نعاني من وضع اقتصادي صعب، غالبية القوى العاملة عندنا من العمال الذين يفكرون كيف يمضون ما تبقى من الشهر، وجزء منهم يعمل بشكل مؤقت وغير منظم وربما تشغله المصروفات التي يدفعها ثمنا للكمامة له ولأفراد عائلته، هو ليس الموظف الذي يجلس في مكتب تحت المكيف في شركات الهايتك.

نحن نتحدث عن مجتمع يعمل بيديه، ويريد غالبية أفراده ان يخرجوا لجلب لقمة العيش لعائلاتهم، هذا ناهيك عن أن المقاييس التي وضعتها الحكومة لتعويض الأجيرين من خلال ما سمي بالإجازة بدون راتب أو أشكال تعويض المستقلين، لا تنطبق على نسبة كبيرة من عمالنا وحتى مستقلينا.

"عرب 48": لقد أظهر استطلاع للرأي أن العرب يخافون أكثر من عدوى الكورونا لأن ثقتهم بالجهاز الصحي أقل...

داوود: صحيح، هذه النتيجة كانت لدينا في لجنة الصحة القطرية، فرغم أننا مجتمع شاب يفترض أننا قادرون على مواجهة المرض أكثر من غيرنا، كما أسلفت، ولكن عندنا نسبة مدخنين عالية ونسبة الذين يعانون من أمراض مزمنة مرتفعة نسبة إلى المجتمع الآخر، والأهم أننا مجتمع لا يسيطر على نفسه، لا يوجد لدينا جهاز صحي خاص، ونتبع لجهاز صحي في دولة لا تتعامل معنا كمواطنين من الدرجة الأولى، ولكن بالمقابل عندنا نسبة عالية من الأطباء والممرضات والصيادلة يعملون في هذا الجهاز وهذا يشكل مصدر قوة.

محطة فحص كورونا في المجتمع العربي (وزارة الصحة)

الموضوع هو ليس تردي الخدمات الصحية فقط، بل يعود إلى عدم الثقة بسياسات الحكومة والجهاز أو الأجهزة الأمنية التي كانت وما زالت تدير ما يسمونه بمعركة الكورونا التي يسبغونها بالطابع الأمني السياسي، وهو ما يجعل العرب يتخوفون من نتائج هكذا معارك.

عندما تتسلم الحكومة مصير الناس وتدار الأمور بواسطة أنظمة طوارئ من حق العرب أن يخافوا على صحتهم وعلى أمنهم الغذائي، وهذا ما حصل، من جهة ثانية، فإن غياب خطة حكومية واضحة لمواجهة المرض والحرب التي تدور بين وزارة الصحة والجيش والأجهزة الأمنية الأخرى على قيادة المعركة، فإن من يتضرر أكثر هي الفئات الأكثر ضعفا ونحن منها، وقد ظهر ذلك في بداية الجائحة عندما تم تغييب المجتمع العربي عن الحملة الإعلامية والفحوصات بشكل كامل تقريبا.

"عرب 48": تحرككم السريع في لجنة الصحة العربية وضع مطالب واحتياجات المجتمع العربي على الطاولة...

داوود: صحيح، ولكن الفحوصات بدأت بعد شهر من تفشي كورونا وبعد مطالبات متكررة من قبل النواب العرب في الكنيست، والحملة الإعلامية باللغة العربية بقيت رديئة وتستهتر بذكاء المواطن العربي، وتدريب فرق الإسعاف العربية جرى بشكل متأخر وكذلك تجهيز قسم كورونا في مستشفى الناصرة الذي كان يستقبل مرضى ويقوم بتحويلهم لمستشفى "رمبام".

"عرب 48": لقد رأينا التمييز حتى في الفنادق التي نقلوا إليها المرضى العرب، وليس في كمية الفحوصات فقط، ولكن الأهم أن الجائحة كشفتنا كمجتمع يفتقر إلى أبسط المقومات الذاتية...

داوود: الكورونا همشت المهمشين أكثر وعمقت الفجوات القائمة وأظهرت الحاجة إلى بناء وتطوير مقومات ذاتية وتعزيز آليات قائمة، نحن نعرف أن إسرائيل تسعى لردم الفجوات القائمة في الصحة والعمل والتعليم تجاوبا مع معايير منظمة التعاون الأوروبي "أو إيي سي دي" وليس حبا بنا، ولكن علينا استغلال ذلك لتوجيه الميزانيات إلى الوجهة الصحيحة.

خلال حملة توزيع كمامات على الأهالي في الرينة

لقد شكلت لجنة الصحة العربية ولجنة الطوارئ الموسعة مرجعا مهنيا وطنيا موثوقا بالنسبة لجماهيرنا، وفرضت نفسها كمرجع خاص بالنسبة للمجتمع العربي لدى المؤسسة ووزارة الصحة الإسرائيلية، وسنواصل هذا الدور ونحاول تعزيزه في الموجة الثانية والمستقبل أيضا.


*د. نهاية داوود: محاضرة وباحثة بموضوع الصحة العامة في جامعة النقب وعضو مؤسس في لجنة متابعة القضايا الصحية بالمجتمع العربي ومؤسسة منظمة الصحة العامة بالمجتمع العربي.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ