حوار | عن عصا السياسة وجزرة الاقتصاد ونزع فلسطينيي الداخل عن سياقهم

حوار | عن عصا السياسة وجزرة الاقتصاد ونزع فلسطينيي الداخل عن سياقهم
من المظاهرات الاحتجاجية على "قانون القومية" (أرشيفية - أ ف ب)

*عازر دكور:

  • انهيار التوليفة التي حكمت السلوك السياسي الداخل الفلسطيني
  • رأس المال الوطني لم يعد هو المؤشر المعنوي الأثمن للمكانة الاجتماعية والنفوذ السياسي
  • يتم خلق نسق يحول أعضاء الكنيست إلى وسطاء بين مطالب الفرد والسلطة
  • المواطنة المفتوحة أمام العرب لا تتعدى رزمة خدمات في دولة اليهود

في مقالة بعنوان "قراءة أولية في تحولات نخب الداخل الفلسطيني" يشير الباحث عازر دكور إلى أن ما تشهده الساحة من تحولات تلامس هذه النخب، منذ أواسط العقد الأول للألفية الثالثة، هو نتاج "تخلخل التوليفة التي حكمت سلوك فلسطينيي الداخل والقائمة على كون رأس المال ‘الوطني‘ هو المؤشر المعنوي الأثمن للاعتبار والمكانة الاجتماعية والنفوذ السياسي - الاجتماعي في مجتمع فلسطينيي الداخل".

وتابع "وهو نسق تداخل مع صعود التيار الوطني في أعقاب بروز العمل المقاوم والثورة الفلسطينية (وفرض تصوراتها ومفرداتها على وعي فلسطينيي الداخل) وتكنيس القوى السياسية الموالية للسلطة من عدد لا يستهان به من المجالس المحلية للبلدات العربية، وفي أعقاب أحداث يوم الأرض التاريخية وتضافر مع تداخل التحولات الاجتماعية - الاقتصادية وأنشأ طبقة وسطى ذات ملامح حياتية مميزة ومصالح ووعي ذاتيين".

ويلفت إلى أن الحراك الوطني في أواسط سبعينيات القرن الماضي، استطاع أن يشمل الطبقة الوسطى وقطاعا من أصحاب رؤوس الأموال المحلية، وتوازنا من التقارب/ التواؤم السياسي -الاقتصادي، وأعاد إنتاج نفسه حتى أواخر العقد المنصرم بشكل حافظ على مبادرة العمل السياسي الوطني وحيويته.

ويعزو دكور التحولات الراهنة في نخب الداخل السياسية، التي تحدث في ضوء اللبرلة القصوى للاقتصاد الإسرائيلي وتوسع حجمه الملحوظ واندفاعه للانخراط الكامل في منظومة ومؤسسات الاقتصاد العالمي، إلى سعي أجهزة الدولة ونخبها الاقتصادية لشق اقتصاد عرب الداخل بشكل يعود عليها بالمنفعة، ليس فقط ماديا بموجب منطق اقتصاد السوق النيوليبرالي، بل سياسيا واجتماعيا.

ويلاحظ أن مساعي أجهزة السلطة الاحتوائية/ الاندماجية، تتلازم مع تحريض سياسي منفلت ومتصاعد يهدف إلى نزع الشرعية الشعبية عن القيادات والهيئات السياسية الوطنية في الداخل، وتطويعها بواسطة تكتيكات متنوعة. وتسعى هذه السياسات والوسائل إجمالا، كما يقول، لخفض السقف المعنوي العربي الفلسطيني للسياسة في الداخل، وترسيم حدود جديدة وفاعلة لقيم ومفهوم العمل "الوطني" بين فلسطينيي الداخل، بحيث يجري سلخ الإطار القومي الوطني عنه، وإعادة تعريف سقفه القيمي – المعياري، بما يتلاءم مع المصلحة الرسمية والنبض الأيديولوجي الصهيوني الراهن.

ويخلص الباحث إلى نتيجة مفادها، أن ما سعى ويسعى له النظام الإسرائيلي يمكن فهمه على أنه عملية مقايضة مباشرة للحريات والحقوق السياسية بامتيازات دخول إلى الاقتصاد الإسرائيلي وحقوق إنمائية فقط، أي على أنه عصا سياسية وجزرة اقتصادية، وهو منطق يشكل مكونا أساسيا في صندوق السيطرة الكولونيالي.

ويشير دكور إلى فعل ناجز يتمثل في نجاح مؤسسات الدولة، كما يبدو، في استحداث نسق سلوكي في مقابل الحكم المحلي العربي، يصفه بأنه مستتب نسبيا ونافع للطرفين، والنظام الحاكم معني، كما يبدو، بأن ينسحب نسق العلاقات المذكور ويعمم على السياسة الوطنية القطرية، بمعنى أن يتم تحويل نواب الكنيست عن القائمة المشتركة إلى وسطاء بين مطالب المواطن الفرد والسلطة.

حول التحولات التي تشهدها نخب الداخل الفلسطيني وتأثيرها على مجمل الفعل الوطني كان هذا الحوار مع الباحث عازر دكور.

"عرب 48": وكأنك تعطي تبريرا نظريا لما آلت إليه أوضاع قيادات الداخل الفلسطيني التي أسميتها بالنخب. تبرير ربما يجعلها أسيرة أو نتاج تحولات سياسية اقتصادية أفرزت هذه الأنماط من القيادات؟

الباحث عازر دكور

دكور: لا شك أن هناك دورًا للعامل الذاتي، رغم أن معادلة البقاء التي أفرزتها النكبة تتجذر أكثر مع الوقت، وهي معادلة صعبة جدا لأنه مع كل هَبّات الصراع الوطني والرياح الخلفية الهائلة في السبعينيات والثمانينيات، لم نستطع كسر الحصار المفروض علينا واستثمارها في عملية تنظيم ذاتي اقتصادي سياسي، وبقينا تابعين بالكامل مع إعادة إنتاج الحياة الاجتماعية ذات الأساس المادي للمنظومة الإسرائيلية، وتلك قضية لا حل لها إلا بثورة كاملة.

الموضوع هو موضوع علائقي مرتبط بعلاقتنا بالدولة وبالمنظومة الإسرائيلية الاستعمارية، التي تربض على صدورنا وتخنق أنفاسنا، فأنت لا تستطيع أن تناضل من أجل شيء قد حسم من قبل المؤسسة.

"عرب 48": لهذا السبب نسمي نضالاتنا الكبيرة "هبات": هبة يوم الأرض وهبة القدس والأقصى وفي كل مرة يعاد احتواؤها/ احتواؤنا من جديد؟

دكور: أوسلو كانت الضربة المؤلمة التي تركتنا في مواجهة إسرائيل بمعزل عن كل السياق الفلسطيني، تلك كانت لحظة مرعبة، وهي لحظة لم يكتب عنها حتى اليوم، لقد أعادتنا إلى إطار خرجنا منه في السبعينيات عندما رفعنا السقف بعد يوم الأرض، والآن نعود إلى تحت السقف الإسرائيلي.

وعندما أقول رفعنا السقف، أقصد الجميع، بما في ذلك الحزب الشيوعي والجبهة، ففي يوم الأرض، حسم الجناح القومي في الحزب قرار الإضراب وذهب إلى رهان كبير ونجح ويجب أن يشهد لهم بذلك، فقد كسروا قيودا سياسية ووسعوا كل هامش النضال وأصبح الالتقاء مع الكفاح الفلسطيني يتجسد ميدانيا وسياسيا من خلال لقاءات مع قادة منظمة التحرير الفلسطينية.

"عرب 48": رفعوا سقف الداخل وخفضوا سقف منظمة التحرير الفلسطينية؟!

دكور: منظمة التحرير هي التي خفضت سقفها وقد بدأ ذلك بالبرنامج المرحلي والاعتراف من قبل الأمم المتحدة عام 1974 وصولا إلى أوسلو، المشكلة أننا عندما رفعنا السقف والتقينا مع الحركة الوطنية الفلسطينية جاء أوسلو ليقول لنا إننا أنهينا دورنا التاريخي بإيصالهم إلى المكان الذي أرادوا الوصول إليه، لنعود لمواجهة مصيرنا وحيدين وهذه لحظة كبيرة.

"عرب 48": في ظروف أوسلو جاء نشوء التجمع وشعار "دولة كل مواطنيها" الذي صاغه عزمي بشارة ليحول النضال ضد الصهيونية من الداخل؟

دكور: التجمع وبشارة دخلا من بطن الحوت، من قلب المواطنة الإسرائيلية، وقالا إننا نريد أن نواجهها بالأدوات التي تدّعي أنها تتبناها وبالمعايير التي تدّعي أنها تراعيها والمتمثلة بمبدأ المساواة، وبعد فترة من الارتباك استعادت الدولة زمام المبادرة وقلبت المعركة علينا في مسألة الواجبات مقابل الحقوق، ولم نمتلك الرد المناسب، ولذلك خسرنا بهذا المفهوم.

"عرب 48": من الطبيعي أنك عندما تهاجم فإن عدوك سيرد، ولن يقف مكتوف الأيدي، وأن تحدث مواجهة وقد كانت مواجهة خاضتها كل جماهيرنا بعد أن تجاوز شعار "دولة كل مواطنيها" الحدود الحزبية وتحول من شعار للتجمع إلى شعار للجميع، ومثلما كانت المواجهة مع حركة الأرض في حينه وخسرنا، ومثلما خسرنا في أوسلو بعد المواجهة التي أعقبت يوم الأرض، ومثلما خسرنا في المواجهة على مصير الحركة الإسلامية الشمالية، خسرنا في هذه المواجهة أيضا لأن عدونا، كما يبدو، كان وما زال هو الأقوى..

دكور: الموضوع متشعب، ولكن النقطة المركزية أنه في كل محطة وعندما تحين اللحظة لإنجاز شيء ما، نجد أنفسنا "وحيدين"، هذه هي المعضلة الهائلة لكل حركتنا السياسية، لأن خطابنا سقفه عال جدا ويفترض أننا "راكبون" على أكتاف حركة وطنية فلسطينية كبيرة.

"عرب 48": إسرائيل معنية دائما بأن تعيدنا إلى المربع الأول..

دكور: صحيح، ولكن مأساتنا الوجودية والتي أمسكها إميل حبيبي بنقطة معينة، والتي تعود على نفسها في كثير من المفاصل، أننا في لحظات الحسم نجد أننا لوحدنا، اللحظة الوحيدة التي كانت لدينا إمكانية والتحمنا بنضال شعبنا في الضفة وغزة كانت في الانتفاضة الثانية وكان حدثا غير مسبوق بتاريخنا، ولكن قياداتنا فهمت أنها أمام مواجهة ربما تكون كاسحة، ولذلك قامت بلجم هذه الموجة وإخراجنا من المعادلة.

"عرب 48": لقد تم إعادتنا مرة أخرى إلى القمقم؟

دكور: لا أريد أن أصدر أحكاما، ولكن كانت لحظة من شأنها أن تغير شيئًا في قواعد العلاقة بشكل جذري وهذا لم يحصل، ومرة أخرى هاجس البقاء يحول دون أن نذهب بالموضوع حتى النهاية.

مرة أخرى نريد أن نحافظ على أنفسنا وبقائنا، ونواصل ترديد مقولات غبية على غرار "باقون ما بقي الزعتر والزيتون".

"عرب 48": بمعنى أنه تحت شعار أو ستار البقاء، يفترض أن نتنازل ونهادن و"نتخاذل" أحيانا؟

دكور: هذه هي "المحنة الوجودية" التي تلم بنا، من جهة نهادن ومن جهة ثانية نتشبث: رِجل هنا ورِجل هناك.

"عرب 48": قد يقول قائل إن تعابير مثل "البقاء" و"الصمود" هي مصطلحات أنتجها الحزب الشيوعي لتبرير برنامجه ونهجه غير الصدامي؟

دكور: أنا لا أدافع عن الحزب الشيوعي، وأنتقد الحزب والتجمع أيضا في إعادة إنتاج النخب، فالتجمع لم يمتلك هو الآخر أي طرح اقتصادي على مدى ما يقارب 30 عاما من عمره أيضا.

"عرب 48": ربما لهذا السبب هو موجود اليوم تحت سقف الجبهة أو سقف أيمن عودة بالأحرى؟

دكور: من الجدير الإشارة إلى أنّ الجبهة أيضا، في مراحل معينة، قد تخطت هذا السقف، في حين أن اليوم يعاني الجميع من مأزق هائل يلم بكل الحركة الوطنية الفلسطينية، فالمنظومة السياسية الفلسطينية فاشلة ومنهارة، فكيف تنجو أنت في هذه المعادلة.

أرشيفية (أ ف ب)

وفي موضوع رأس المال الفلسطيني مع الدولة ومع رؤساء المجالس وتعاظم دورهم ومع الأحزاب من جهة ثانية، والذي تحدثت عنه في المقال، التجمع أيضا كان له دور جدي في إنتاجه لأنه لم يكن لديه أي اجتهاد أو تحليل للاقتصاد السياسي، والجبهة كانت لديها اجتهادات في السابق لم تقم بتجديدها والعمل على إنجاز اجتهادات جديدة.

واليوم مع نشوء طبقة أثرياء عرب يتم دمجهم بالمجتمع الإسرائيلي لأجل أن لا يدخلوا في اتجاهات غير مرغوب فيها من قبل الدولة، وكما هو معروف فإن الدخول للشبكات الاقتصادية والنادي الاقتصادي يتطلب ذلك منك أمورا عينية وإذا لم تفعل ذلك، سينخفض تقييمهم لك وتهبط أسهمك في هذا النادي الذي أتاح لك الدخول للسوق.

نحن لا نتحدث عن السبعينيات التي كان فيها طموح رجال الأعمال تأسيس أنفسهم داخل مجتمعهم، نحن نتحدث اليوم عن رجال أعمال تعاظم دورهم وكبرت مكانتهم المحلية وتم استيعابهم واحتواؤهم في إطار الاقتصاد الإسرائيلي، وتغلغلوا في الحكم المحلي بموازاة تعاظم دور رؤساء السلطات المحلية في السياسة القطرية.

"عرب 48": تريد أن تقول إن الأحزاب بالمجمل لم تلتفت إلى هذه التحولات وتحاول التأثير فيها؟

دكور: الأحزاب غيّبت الاقتصاد السياسي ولم تلحظ التراتبية الجديدة والطبقية الجديدة ولم تجتهد بهذا المفهوم، وغيّبت التحول والانهيار الحادثين في مفهوم رأس المال الوطني الذي كان يضبط حركة المجتمع في السبعينيات والثمانينيات ويشكل بوصلته.

اليوم صار كل موضوع الوطنية عبارة عن تراشق اتهامات ومزايدات، ولم يعد هناك مركز ثقل بعد انهيار كل المعايير التي كانت في خلفية الوعي الجمعي.

"عرب 48": إذا كان البعض يعتقد أنه يمكن مقايضة الوطنية بالمواطنة فإن "قانون القومية" جاء ليضع حدودا فاصلة بين مواطنة اليهود ومواطنة سواهم في دولة اليهود؟

دكور: لقد أشرت في ردي على دعوة أيمن عودة لإقامة معسكر ديمقراطي، إلى ما أسميته بضمور أفق المواطنة الجوهرية المتساوية في إسرائيل، ومحاولات الأخيرة خلق أنماط وإنتاج وصقل مواطنة فلسطينيي الداخل، بحيث تقوم بإسقاط الخط الوطني بالمفهوم السيادي، وإحباط إمكانية صياغة الحقوق الوطنية الفلسطينية، والمطالبة بها من داخل المواطنة الإسرائيلية، إلى جانب إبقاء المواطنين الفلسطينيين داخل قالب المواطنة وليس خارجها، وذلك من خلال مواطنة خدمات في دولة اليهود، تمنح رزمة من الاستحقاقات والخدمات النفعية، تفوق في أفقها ومحتواها، وفق الرواية الإسرائيلية، أيا من تلك الممنوحة في أي من الأقطار أو المعازل المجاورة.


*عازر دكور: باحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية، يعد حاليا رسالة الدكتوراه في الفكر السياسي والاجتماعي بجامعة كنت البريطانية (University of Kent) ويدرس في معهد الدراسات الدولية التابع لها في بروكسل.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ