خلايلة: السلطة أفرغت السلطات المحلية من دورها السياسي وفكّكت الخطاب الوطني

خلايلة: السلطة أفرغت السلطات المحلية من دورها السياسي وفكّكت الخطاب الوطني
رؤساء السلطات المحلية، معظمهم من خارج الأحزاب (عرب ٤٨)

محمد خلايلة:

  • الأحزاب حصلت في انتخابات 2018 على 13% من مقاعد السلطات المحلية و10 رؤساء فقط
  • فشل الأحزاب في إنتاج مشروع محلي أبرز أسباب تراجعها محليا
  • التموضع في المحلي وعدم قدرتها على تسييس الخدمات أفقد الأحزاب الكثير من شرعيتها

تكشف الورقة التي قدمها الباحث محمد خلايلة في مؤتمر "مدى الكرمل"، اليوم السبت، عن تراجع دور الأحزاب في الحكم المحلي وأنّ الأحزاب العربية مجتمعة حصلت في انتخابات السلطات المحلية الأخيرة التي جرت عام 2018 على 110 مقاعد من أصل 840 مقعدًا، لتنخفض نسبتها إلى 13% فقط من مجموع أعضاء السلطات المحلية العربية، فيما فازت بعشرة رؤساء مجالس فقط من مجموع 76 رئيس مجلس محلي وبلدي أي ما نسبته 14% فقط.

خلايلة
خلايلة

ويقول خلايلة إنّ تراجع الأحزاب يؤدي بالجماهير إلى البحث عن مسارات وأطر بديلة، "تعوضهم" عن الشعور بالفقدان ويجدون ضالتهم في الأطر السياسية والاجتماعية التقليدية كالحمولة أو الطائفة، أو يبحثون عن خلاصهم عبر "القائد المخلص" الذي يستنهض مشاعرهم وغرائزهم، وهي ظواهر تفاقمت في الآونة الأخيرة.

وحول أسباب تراجع الأحزاب وتداعياتها الاجتماعية والسياسية كان هذا الحوار مع محمد خلايلة، الذي يبحث في رسالة الدكتوراه التي يعمل عليها في جامعة حيفا، مسألة "صمود" المباني الاجتماعية التقليدية "الحمولة" و"الطائفة" أمام رياح الحداثة والعولمة.

عرب 48: أشرت إلى تراجع كبير في قوة الأحزاب وعودة إلى الـ"الحمولة" و"الطائفة" و"المخترة الحديثة"، ما هي أسباب هذا التراجع؟

خلايلة: أولا دعنا نوضح أنّ التراجع في قوة الأحزاب غير مقصور على المجتمع الفلسطيني فقط، بل هي ظاهرة عالمية بدأت في ما تسمى "الديمقراطية الغربية" وانعكست في الحضور الميداني للأحزاب وضمور أدوارها التقليدية، وذلك يرتبط بعدة عوامل منها، ظهور النيوليبرالية كمشروع اقتصادي اجتماعي وأثر ذلك على المبني القيمي والأخلاقي، وعلى الدور الذي كانت تقوم به الأحزاب في السابق من حيث التنظيم والتنشئة السياسية والنهوض بوسائل الإعلام.

تراجع في دور الأحزاب السياسية (أ ف ب)
تراجع في دور الأحزاب السياسية (أ ف ب)

فيما يخص المجتمع الفلسطيني، هناك جملة عوامل أدت إلى هذا التراجع، علما أنّ حالة الاحتكاك اليومي مع الاحتلال وسياسات الحكومة تجعل الأحزاب والفصائل حاضرة في وعي الناس في الحالة الفلسطينية عموما، وعلى المستوى المحلي والقطري في مجتمعنا الفلسطيني داخل إسرائيل، رغم حالة التراجع.

وكما هو معروف، فإنّ الأحزاب تمكنت في السبعينيّات والثمانينيّات من اختراق المبنى الحمائلي، وفرض حضورها وشرعيتها على مستوى الانتخابات المحلية والحصول على نتائج مرضية، حيث بلغت نحو 40% من رؤساء السلطات المحلية.

تمكّنت الأحزاب في تلك الفترة من فرض أجندتها على طاولة الحكم المحلي وتسييس كل المرافق الخدماتية. فمثلا قضية الأرض، التي هي على ما يبدو جوهر الصراع مع الحركة الصهيونية، لم يتم التعاطي معها على أنّها قضية مسطحات هيكلية وتخطيط، بل جرى التعامل معها كقضية سياسية من الدرجة الأولى، قضية تقع في صلب العلاقة بين المواطنين العرب الفلسطينيين كمجموعة أصلانية وما بين لجان التخطيط التي تمثل السياسات القطرية المتعلقة بموضوع الأراضي.

فلم تتعاطَ الأحزاب السياسية مع هذا الموضوع من باب الاحتياجات التخطيطية والتوسيعية وغيرها من مصطلحات اللغة المستخدمة من قبل التكنوقراط، بل وضعتها في سياق سياسي كقضية نهب وسلب وسطو على الأرض وتضييق الخناق على الأقلية الفلسطينية، ومنعها من التوسع والتواصل الجغرافي الذي يشكّل أحد مواطن قوة الأقليات في العالم.

عرب 48: الخطاب كان يختلف؟

خلايلة: صحيح، الخطاب تّوج في يوم الأرض، حيث خرج الناس في هبّة شاملة لأول مرة وكسروا حاجز الخوف وفرضوا حضورهم الوطني.

ومن يتتبّع بروتوكولات الجلسات الاعتيادية للمجالس المحلية والبلدية في تلك الفترة، يلحظ مدى حضور القضايا السياسية الوطنية على جدول أعمالها، بمعنى أنه بدلًا من التعامل مع تعبيد شارع وإنارة شارع فقط، السلطة المحلية الفلانية كانت تتضامن مع اعتقال كذا وتستنكر اجتياح كذا وغيرها من القضايا الوطنية التي تجد أنّها كانت حاضرة بقوة على جدول الأعمال.

عرب 48: للمفارقة، اليوم، هناك محاولة لتحييد القضايا السياسية الوطنية، حتى عن جدول أعمال العمل البرلماني للأحزاب وأعضاء الكنيست العرب، حيث يحاولون إقناعهم، وبعضهم قد اقتنع فعلا، بعدم الانشغال بقضية فلسطين والاهتمام بالقضايا المطلبية؟

خلايلة: صحيح، وأنا في هذه النقطة أشير إلى أنّ واحدًا من أسباب التراجع برز في أعقاب اتفاق أوسلو، وهو ما يسمى بالانكفاء المحلي والتموضع في الذات، وكأننا نحن الفلسطينيين في إسرائيل منزوعو السياق الوطني، وأنّنا بعد أن توصلت منظمة التحرير إلى إبرام اتفاقية مع إسرائيل أخرجتنا منها، أصبحنا مهمّشين إسرائيليا وفلسطينيا، ولذلك خرج هناك من خرج ودعا إلى الاهتمام بشؤوننا الداخلية، بصرف النظر عمّا يحدث في المنطقة وما يحدث في مستوى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

هذا الأمر انعكس، كما قلت، في إفراغ السلطات المحلية من دورها السياسي، وكأن السلطة المحلية وظيفتها أن تعالج قضايا ومرافق خدماتية ليس إلا. فقد جرى تفكيك هذا الارتباط السياسي الوطني وجعل القضايا الأساسية التي تعالجها السلطة المحلية قضايا خدماتية بالدرجة الأولى.

من تظاهرات يوم الأرض الخالد
من تظاهرات يوم الأرض الخالد

لقد جرى تحييد الخطاب السياسي الذي كان يربط ما بين التمييز القومي وما بين وضع السلطات المحلية، أو ما بين الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والضخ في المستوطنات وجهاز العسكرة الإسرائيلي، بدلا من الضخ في السلطات المحلية وسد الفوارق في ما بينها.

هذا الخطاب تحوّل إلى خطاب لا يتعدى إقامة مركز ثقافي هنا وإقامة مدرسة هناك، على أهمية هذه القضايا، ولكنّها تخص كل بلدة وأخرى وليس هناك سياسة رسمية في ما يتعلق بالتعامل مع السلطات المحلية العربية.

وبدون شك، هذا الانكفاء وهذا التموضع أفقدا الأحزاب من قدرتها على تسييس ما يحدث في الحكم المحلي وبالتالي، أفقداها نوعا من شرعيتها.

عرب 48: تقصد أنه أفقدها مبرر وجودها في الحكم المحلي؟

خلايلة: هذا على مستوى الخطاب وأهم تعبيراته كان الانسحاب التدريجي للأحزاب السياسية من المنافسة المحلية، بمعنى أنّ التراجع هو ليس على مستوى القوة الانتخابية للأحزاب، وإنّما على مستوى قدرة الأحزاب على الترشح للانتخابات المحلية.

وإذا كنّا في السبعينيّات والثمانينيّات نرى القوائم الحزبية في كل بلدة وأخرى تنافس وتحاول أن تحصل على تمثيل سياسي، نشهد في السنوات الأخيرة غياب الأحزاب عن المنافسة السياسية في الحكم المحلي.

عرب 48: تعني أنّ الرغبة لم تعد موجودة أيضا وليس القدرة فقط؟

خلايلة: نعم، الأحزاب انسحبت مع سبق الإصرار والترصد، هناك بعض الأحزاب أجرت مراجعات، وأهم هذه الأحزاب هي التي نشأت في صلب الحكم المحلي، بمعنى أن هناك أحزابًا قطرية مشروعها هو مشروع سياسي قطري يتعلق بتفسير وإعطاء أجوبة على جميع القضايا الإقليمية والمحلية في العالم، ولكن ترى أهمية بمكان الدخول في الانتخابات المحلية.

وهناك أحزاب أخرى نشأت في صلب العمل السياسي المحلي، على سبيل المثال الحركة الإسلامية التي بدأت مسيرتها السياسية، عدا العمل الدعوي الأخلاقي، الوعظي، القيمي وكل هذا المشروع الديني، فإن حضورها السياسي بدأ في الحكم المحلي في العام 1988، هذا لا خلاف عليه.

هكذا بدأت "شاس" في المجتمع الإسرائيلي، لم تبدأ كحركة سياسية، وأولت أهمية خاصة للساحة المحلية، وبسبب أهمية هذه الساحة عند الناس وتفاعل المواطنين مع القضايا المحلية رأت أنّ التركيز يجب أن يكون هناك، فتنفيذ هذا المشروع ومحاولة السيطرة على أكبر عدد من السلطات المحلية يكفل للحركة وللمشروع الإسلامي توسيع قاعدته الشعبية والتفاف أكبر عدد من الناس.

الحركة الإسلامية أجرت مراجعة لموقفها وانسحبت رسميا من الانتخابات المحلية، بعد أن كانت تسيطر على بلدية أم الفحم لأكثر من فترة انتخابية دون منازع، وأصدرت بيانا واضحا لا يقبل التأويل قالت فيه إنّها تخالف مسار هذه اللعبة المحلية.

وهناك قوى سياسية دخلت من بوابة أخرى فلم تخض الانتخابات ضمن إشارتها الحزبية المتعارف عليها، وإنّما ضمن قوائم مستقلة أو قوائم محلية وحتى تحالفات مع مجموعة من الحمائل الصغيرة أو القوى المحلية الفاعلة.

عرب 48: تقصد التجمع الوطني الديمقراطي؟

خلايلة: صحيح، التجمع أصلا حضوره المحلي ليس بزخم حضور الحركة الإسلامية والجبهة، لكنه رأى من الأهمية بمكان أن يتنافس محليا وخاض الانتخابات ليس ضمن شارته الحزبية، فعلى سبيل المثال مازن غنايم، الذي كان مرشحا ثالثا في قائمة التجمع للكنيست وانسحب لاحقا، تنافس وكان رئيس بلدية سخنين لفترتين متتاليتين، لم يخض الانتخابات المحلية تحت راية التجمع بل تحت راية قائمة التحالف البلدي، وكذلك واصل طه وهو عضو كنيست سابق من التجمع خاض الانتخابات في الدورتين الأخيرتين، ولم يحالفه الحظ، بعيدا عن شارة التجمع الحزبية، الأمر ذاته مع حنين زعبي التي ترشحت لانتخابات بلدية الناصرة في الـ2013 تحت مسمى القائمة الأهلية.

عرب 48: إذا كنت تريد القول إن الجبهة هي الحزب الوحيد الذي يخوض الانتخابات بشارته الحزبية، فإنها تبدو كذلك شكلا فقط وفي المضمون هي تحالف عائلي "تركبه" الحمولة الأكبر؟

خلايلة: لن أستثني الجبهة من النقد، رغم أنّها الحزب الوحيد الذي يخوض الانتخابات بشارته الحزبية منذ السبعينيات، ولكن ضمن إستراتيجية عمل أخرى هي عبارة عن تحالف مع قوى محلية وعائلية، وإقامة الجبهة كمشروع سياسي جاء أصلا ليفتح الباب أمام القوى والعناصر المحلية، في مرحلة معينة للانضمام لإطار وطني ويجمع القيادات التقليدية وغير الشيوعية التي لا تريد أن تكون تحت راية الحزب الشيوعي.

خلايلة: الانشاقات في الجبهة كانت دائما في الانتخابات المحلية، علي سلام كان قياديا لسنوات في الجبهة قبل انشقاقه (عرب ٤٨)
خلايلة: الانشاقات في الجبهة كانت دائما في الانتخابات المحلية، علي سلام كان قياديا لسنوات في الجبهة قبل انشقاقه (عرب ٤٨)

باب الانفتاح هذا جاء بعد النجاح الكبير الذي حققته جبهة الناصرة بقيادة توفيق زياد عام 1975 ، فتشكلت الجبهة القطرية والجبهات المحلية لاستيعاب هذه القوى وحتى القوى التي كانت معدودة على السلطة.

عرب 48: أمثال طارق عبد الحي في حينه؟

خلايلة: وغيره الكثير أيضا، لكن في حينه كانت ترجح كفة الجبهة على العائلات داخليا للأسباب التي ذكرتها، قوة العامل السياسي وثقله وتطعيم كل شيء بالسياسة حتى داخل هذه التشكيلات.

أنا أدّعي اليوم، بعد أن قطعت مرحلة لا بأس بها في بحث الدكتوراه الذي يتناول الموضوع، أنّ هناك عداء غير مبرر للمبنى الحمائلي، وأنا أفصل بين الحمولة كإطار اجتماعي وبين العائلية وبين العائلة والعائلية والطائفة والطائفية.

عرب 48: أنا أقصد العائلية السياسية؟

خلايلة: الجبهة والحركة الإسلامية أيضا حاولتا تخفيف العائلات وضمها إلى إطار سياسي أوسع، إلا أنّ هذا المشروع فشل والعائلات انقلبت على الأحزاب التي لم تستطع تذويب هذه الروابط. في النهاية، هذه المجموعات جاءت بشكل جماعي للأحزاب، كما نراها في الجبهة في مراحل معينة عندما كانت الجبهة متحالفة مع فلان وعلان وجلبتهم لميدان السياسة، لكنهم كانوا ينشقون عندما يخسر مرشحهم. ومن الجدير الملاحظة أنّ غالبية الانقسامات داخل فروع الحزب والجبهة كانت تتم على خلفية انتخابات محلية.

عرب 48: في الخلاصة، لماذا فشلت الأحزاب في الحكم المحلي؟

خلايلة: هناك جملة أسباب بينها التموضع المحلي وتراجع الخطاب السياسي وسوء الإدارة أحيانا، والتحريض السلطوي الذي تصاعد مع استتباب حكم اليمين ومحاولات نزع الشرعية عن الأحزاب، إضافة إلى الفشل في إنتاج مشروع محلي ناجح، كلها عوامل مكّنت القوى المحلية والعائلية من تعزيز مواقعها قبالة الأحزاب وفرض معادلات جديدة، أقلّها المحاصصة على المستوى المحلي، ندعمكم في الرئاسة وتدعمونا في العضوية أو العكس، ومقايضة المحلي بالقطري، بمعنى ندعمكم في الكنيست وتتنازلون لنا عن السلطات المحلية.


محمد خلايلة: باحث وطالب دكتوراه في قسم العلوم السياسية بجامعة حيفا.