خالد بركات: آن الأوان لأن تتحمل تجمعات فلسطينية أخرى مسؤولية وطنية

خالد بركات: آن الأوان لأن تتحمل تجمعات فلسطينية أخرى مسؤولية وطنية
من مؤتمر مدريد (أ ب)

خالد بركات:

  • نحو مسار فلسطيني بديل لمسار التسوية الذي وصل لطريق مسدود
  • بعد 30 عاما على مسيرة مدريد أوسلو لم نحصد سوى الخيبة
  • الحراكات الفلسطينية روافد تصب في مصب إعادة ترميم المشروع الوطني الفلسطيني

في بيان صدر، مؤخّرًا، باسم اللجنة التحضيرية لـ"مؤتمر المسار الفلسطيني البديل"، دعيت "جماهير شعبنا الفلسطينيّ والمنظّمات والحركات الطُلّابيّة والشبابيّة والنسائيّة والمُؤسّسّات الأهلية والشعبيّة" إلى المشاركة الفاعلة في إطلاق ما وصف بأنه "أوسع حراك شعبيّ فلسطينيّ وعربيّ وأمميّ، يقطع مع قيود المرحلة السابقة ونهج مدريد - أوسلو، ويؤسِّس لمرحلة جديدة، من خلال المشاركة الجماهيرية الواسعة في مؤتمر البَديل الوطنيّ الشعبيّ والديمقراطي".

واستعرض البيان مسار التسوية الذي بدأ بالبرنامج المرحلي والنقاط العشر عام 1974 وتُوّج بمسيرة مدريد – أوسلو، التي وصلت إلى طريق مسدود، بعد أن تركت تداعيات خطيرة على القضية الفلسطينية، داعيا إلى مسار بديل سيتوج بمؤتمر وطني يعقد في مدريد في الذكرى الـ30 لانطلاق مسيرة مدريد- أوسلو التي تصادف في الأول من تشرين الثاني 2021.

ودعا البيان إلى تحويل المؤتمر لـ"محطة تاريخيّة لانطلاقةٍ تُجدِّد دماءَ الحركة الوطنيّة في الشتات، وإلى علامةٍ فارقةٍ في تاريخ شعبنا، على طريق تحقيق كامل أهدافنا وحقوقنا في التحرير والعودة"، خاتما بالقول، "لا بديل عن فلسطين إلا فلسطين المحرّرة من البحر إلى النهر".

خالد بركات
خالد بركات

ويعد هذا الحراك الذي تُشكِّل أوروبا ساحته الرئيسة واحدًا من العديد من الحراكات الداعية إلى ترميم المشروع الوطني الفلسطيني، بعد وصول مسار أوسلو إلى طريق مسدود، هي كما يقول محاورنا خالد بركات، روافد تصب نهايةً في نفس المصب وستسفر حتما عن تجديد المشروع الوطني الفلسطيني.

حول البيان والحراك والمؤتمر كان هذا الحوار مع عضو اللجنة التحضيرية الكاتب والناشط خالد بركات.

عرب 48: الدعوة لمؤتمر بعد سنة من تاريخها تأتي للتحشيد حول نقاط معينة وأهداف محددة، وفي حالتكم فإن المكان (مدريد) والزمان (الذكرى الـ30 لانعقاد المؤتمر) الذي أطلق مسيرة مدريد - أوسلو وما وصلت وأوصلت إليه القضية الفلسطينية هي إشارات واضحة المعاني، لما تدعو إليه من مسار وطني بديل؟

بركات: بالفعل، كنّا معنيّين أن نعطي لأنفسنا سنة على الأقل يجري خلالها فتح هذا النقاش مع كل الناس في الداخل والخارج، نحاور ونتحاور ونسمع رأي الناس وماذا تريد، خصوصا أنّنا أمام أسئلة صعبة لا يستطيع أحد الادّعاء أنه يمتك إجابات جاهزة عنها، لا كشخص ولا كحزب ولا كتجمّع.

المطروح اليوم هو أسئلة قاسية وجماعية تحتاج إلى ورشة عمل وطني وجواب جماعي. وبرأينا المتواضع، علينا في هذه اللحظة أن ننطلق من حقائق الواقع نفسه، الواقع الذي نريد تغييره أو ندّعي ذلك، ومن نتائج التجربة الفلسطينية خلال العقود الماضية للوصول إلى رؤية حول واقعنا كفلسطينيين، وأول حقيقة يجب أن نتعامل معها اليوم هي وجود شبه إجماع شعبي فلسطيني في الوطن والشتات حول وصول مسار ونهج التسوية، الذي بدأ علنا في مدريد تحت الرعاية الأميركية وبحضور النظام العربي الرسمي بجميع أطرافه، إلى طريق مسدود.

عرب 48: يلاحظ أنّك تبدأ من مدريد وليس من أوسلو، مع العلم أنّ هناك من يرى أن الخلّل بدأ في أوسلو الذي اعتبره البعض خروجا عن صيغة مدريد وقواعدها؟

بركات: الخلل بدأ عمليا قبل مدريد أيضا، فهو بدأ بالبرنامج المرحلي والنقاط العشر عام 1974، علما أنّ مؤتمر مدريد انعقد في ظروف تفكّك الاتحاد السوفييتي وغداة العدوان الأميركي على العراق في حرب الخليج الأولى، وحاجة أميركا إلى ترتيب أمورها في الشرق الأوسط من جديد ضمن الإستراتيجية الأميركية الكونية الجديدة.

توقيع اتفاق أوسلو (أ ب)

ومن يراجع خطاب جورج بوش الأب في مؤتمر مدريد يكتشف أنّه قال حرفيا ما ورد في اتفاقيات أوسلو لاحقا في ما يتعلق بالموضوع الفلسطيني، حكم ذاتي وفترة انتقالية لمدة 5 سنوات، بعدها يجري البحث في ملفات الوضع النهائي، علما أنّ الأميركيين حتى مدريد وبعد مدريد كانوا ضد شيء يسمى دولة فلسطينية، ويبدو أنّ المواقف والخطاب الأميركي لاقت ترجماته في اتفاق أوسلو.

عرب 48: تقول إنّ "الانحراف" بدأ في منظمة التحرير مبكرا منذ طرح النقاط العشر وتبني البرنامج المرحلي الذي عرف في حينه ببرنامج النقاط العشر عام 1974 وهو ما قاد نهاية إلى مسيرة مدريد ومسار أوسلو؟

بركات: نعم، هناك تراكم للـ"خراب" الذي حصل في المؤسسة الفلسطينية نفسها والحقيقة أنّه بدأ منذ أن تحول موضوع الدولة لدى قيادة منظمة التحرير إلى هاجس. مع إقرار برنامج النقاط العشر عام 1974، بدأ التخلي عمليا عن جوهر المشروع الثوري الوطني الفلسطيني، وكان ذلك استحقاقا مطلوب من منظمة التحرير تقديمه لدخول الأمم المتحدة والحصول على الاعتراف العربي والدولي.

عرب 48: المتتبّع للجدل الفلسطيني حول الموضوع يمكنه أن يشير إلى مرحلتين، الأولى تمحور النقاش خلالها حول التسوية من عدمها والمرحلة الثانية حول التسوية الوطنية الملتزمة بثوابت البرنامج المرحلي والدولة والعودة وبين التسوية الأميركية التي تحيد عن تلك الثوابت؟

بركات: أنا لا أخوّن الناس الذين توهّموا، وبينهم بعض المناضلين الفلسطينيين التاريخيين تبنّوا البرنامج المرحلي والدولة والعودة وعلى رأسهم أحد القادة التاريخيين الذين نحترمهم ونجلهم وهو الدكتور جورج حبش، ولكن هذا لا يعني أنّ هذا النهج لم يكن خاطئا.

هذه هي الحقيقة الأولى، وهي أنّ هذا النهج وصل إلى نهاياته وفشل فشلا ذريعا، بينما حقق مكاسب كبيرة بالنسبة للطرف الثاني الذي وظف موضوع التسوية لصالح اكتساب الشرعية لكيانه وتطبيع علاقاته مع المنطقة العربية.

عرب 48: ولكن هناك من لا يعترف أنّ هذا النهج فشل ووصل إلى نهاياته، وهي لا زالت متمسّكة به وتشكل عائقا أمام المسار البديل الذي تتحدّث عنه؟

بركات: المسار البديل يجب أن ينطلق من فكرة أنّ الشعب الفلسطيني اليوم تحول إلى تجمّعات شعبية تعيش في جزر محاصرة ومعزولة ولا يمكن لها أن تشكّل شعب واحد إلّا من خلال مشروع سياسي وطني بديل.

الشهيد غسان كنفاني وآخرون غيره كتبوا عن فترة صعبة تشبه المرحلة التي نعيشها من ناحية عزل الفلسطينيين عن قضيتهم وخلعهم عن أرضهم، وهناك اليوم حالة من الغربة الداخلية والاغتراب بين الإنسان الفلسطيني وقضيته وهناك شعور عارم من الإحباط والغضب.

وعلينا أن نذكر أنّ 30 سنة مرت منذ مؤتمر مدريد 91 نشأ خلالها جيل فلسطيني جديد بالكامل، ويجب أن يطرح سؤال كيف يشارك هذا الجيل في رسم السياسات وصنع القرار السياسي، ومن حق هذا الجيل أن يشارك ويحمل الراية مثلما فعلت الأجيال السابقة.

نتحدّث عن فترة ازداد فيها الشعب الفلسطيني من ستة ملايين إلى 13 مليونًا وصودر خلالها صوت الشعب الفلسطيني في الشتات وفي داخل الأرض المحتلة عام 48 بالكامل.

عرب 48: في الضفة والقطاع المشاركة الشعبية محدودة أيضا وتدار السياسة والمفاوضات من قبل نخب غير منتخبة؟

بركات: صحيح، شعبنا في الـ48 هو أكثر من يعرف هذا الشعور لأنه أوّل تجمع فلسطيني تم التخلي عنه في أوسلو وجرى عزله عن قضيته الوطنية، رغم أنّه أكثر تجمع يدرك الواقع السياسي لعدوّنا، ويعرف لغته ومكامن ضعفه ومواضع قوته.

وتجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد من يستطيع الادّعاء، وهو مطمئنّ تماما، أنّه يمثل الشعب الفلسطيني، في ظل غياب مشروع وطني شامل يمثل طموحات كافة تجمعاته.

عرب 48: مشكلة هذه الحراكات أنّها تدور في الهوامش وليس في المركز الفلسطيني؟ والمقصود في منطقة 48 أو أوروبا وليس في الضفة والقطاع أو الشتات، بمعنى المخيّمات؟

بركات: مهم أن ننتبه إلى أنّ هذه التجمعات هي التي تمتلك اليوم القدرة على الحركة، نحن نرى اليوم وضع شعبنا في غزة وحالة الحصار التي يعيشها، وكذلك الواقع السياسي في الضفة والانقسام وواقع السلطتين الرابضتين على أنفاس كل تجمع، وحتى شعبنا في الأردن والذي يمثل الكتلة الشعبية الأكبر يعيش حالة من حالات الحصار النفسي، فهو لا يستطيع أن يعبّر عن هويته الوطنية، لأنه يمكن أن يُتّهم في أيّة لحظة بأنه يسعى لضرب الوحدة الوطنية هناك.

من مؤتمر المصالحة الوطنية الفلسطينية (وفا)

والحقيقة هي عندما ننظر إلى الجغرافيا، نرى حصول تحوّلات هائلة على صعيد الشعب الفلسطيني يجب أن نراها، وأول هذه التحولات هو أنّ شعبنا في أوروبا لم يعد مجموعة طلاب يأتون للدراسة ويعودون بعد انتهاء دراستهم، فنحن نتحدث اليوم عن تجمّع يقارب المليون فلسطيني، وعن مدن أوروبية فيها تجمع فلسطيني واضح المعالم.

كما نتحدث عن ما يقارب المليون فلسطيني في أميركا اللاتينية وعن أكثر من نصف مليون فلسطيني في أميركا الشمالية، والتجمّع الرابع موجود في الأرض المحتلة عام 48، وبالتالي هذه مسألة يجب أن ننتبه إليها ونلتقطها، أنّه حيثما يوجد تجمع فلسطيني قادر على الحركة وقادر على التنقل وبناء جسور علينا أن لا نبدّد هذا الهامش ولو كان بسيطا.

وأنا لا أقول إنّ الأمور جيّدة بالنسبة لهذه التجمعات، ولكن آن الأوان أن تتحمّل هذه التجمّعات مسؤوليّة أمام حالة الحصار التي يعيشها شعبنا في القطاع وفي لبنان وفي الضفة، وأن تأخذ دورها في ضوء شل حركة هذه القطاعات.

عرب 48: أنا لم أقصد بالهوامش الجغرافيا فقط، بل ما يتعلق بالمركز السياسي المتمثل بالفصائل الفلسطينية التي ما زالت بعيدة عن هذه الحراكات؟

بركات: لا نهين أحدًا عندما نعترف أن من بين الـ14 فصيلًا فلسطينيًا التي اجتمعت في رام الله وبيروت، هناك عشرة فصائل على الأقل لا تمتلك أي قوة على الأرض، بل أنّ منظمة شعبية في الخارج تمتلك من القوة أكثر من غالبيتها، وهي عبارة عن مكاتب خاوية وفصائل ديكورية يستجلبوها لاجتماعات ما تسمى المصالحة الفلسطينية كشهّاد الزور.

وقد آن الأوان لأن يستعيد الشتات دوره وأن يأخذ تجمع الـ48 دوره والخارج كذلك، وهذا يتسنى فقط من خلال مشروع وطني فلسطيني شامل وناظم، تصبح معه القضية العامة هي قضية كل تجمع فلسطيني والقضايا الخاصة بكل تجمع هي قضايا عامة للشعب الفلسطيني كله، بمعنى أن تصبح قضية حصار غزة قضية كل الشعب الفلسطيني وقضية سياسات الأسرلة والقوانين العنصرية التي يتعرض لها أهلنا في الـ48 قضيّة كلّ الشعب الفلسطيني وقضية مخيمات لبنان قضية كل الشعب الفلسطيني، بهذا الشكل فقط نكون شعبا واحدا نسعى إلى هدف واحد ووطن واحد ودولة واحدة.


خالد بركات:
عضو اللجنة التحضيرية لمؤتمر المسار الفلسطيني وهو كاتب وناشط فلسطيني مقدسي. ولد في ضاحية البريد قضاء القدس المحتلة 1971 وأقام في عدة دول عربية وغربية.. ناشط في عدد من المؤسسات الأهلية الفلسطينية في الخارج. جرى إبعاده من الولايات المتحدة في 28 أيلول/سبتمبر 2003 وصودرت إقامته الدائمة، كما أبعد من ألمانيا قبل نحو عام وحُظر نشاطه السياسي قبل أن يصدر قرار بمنعه من دخول ألمانيا لمدة 4 سنوات بسبب مواقفه المؤيدة لحركة المقاطعة والمقاومة الفلسطينية.