حوار | بريك: أحزاب الوسط ظاهرة عابرة تختفي بمجرد انكشاف يمينيّتها

حوار | بريك: أحزاب الوسط ظاهرة عابرة تختفي بمجرد انكشاف يمينيّتها
نتنياهو وغانتس (أ ب)

د. سليم بريك:

  • الانتخابات الرابعة حقيقة واقعة واليمين بزعامة نتنياهو سيشكل الحكومة القادمة
  • حزب العمل أنهى دوره التاريخي واليسار الصهيوني في النزع الأخير
  • لا يوجد أفق سياسي أمام الأحزاب العربية والقائمة المشتركة وصلت لطريق مسدود

بات واضحا أنّ إسرائيل تتجه إلى انتخابات رابعة خلال سنتين، بينما يدور النقاش حول موعد هذه الانتخابات، إن كان في آذار/مارس القادم كما ينص عليه القانون في حال لم تصادق الحكومة على الميزانية حتى 23 كانون أوّل/ديسمبر، أو بعد استكمال عمليّات التطعيم ضد فيروس كورونا، في أيّار/مايو المقبل، وهو الموعد الذي يفضله نتنياهو لتحسين موقعه أمام "خصمه" الجديد نفتالي بينيت الذي يبني شعبيته على فشل نتنياهو في معالجة هذه الأزمة.

ذهب الكثير من المحللين إلى القول إنّ "كاحول لافان" التي أرادت من تصويتها على مقترح قانون حل الكنيست الذي قدمته "يش عتيد" تحسين موقعها التفاوضي أمام نتنياهو والضغط عليه لتمرير الميزانية كضمانة لتنفيذ التناوب، قدّمت للأخير خدمة كبيرة، بإنقاذه من موعد انتخابات غير جاهز له في 23 آذار/مارس القادم، لأن أي موعد آخر يتطلب أن يتم التوافق عليه من قبل الأحزاب الكبيرة.

وبينما يواجه معسكر اليمين انتخابات مريحة أمام معسكر الوسط - يسار المنقسم والمتآكل تجعله قادرا لأول مرة بعد أربع جولات انتخابية على تشكيل حكومة يمين صافية بدون رئيس قائمة "يسرائيل بيتينو"، أفيغدور ليبرمان، فإن "حربًا" صعبة تنتظر نتنياهو داخل المعسكر لإعادة حزب "يمينا" بزعامة نفتالي بينيت إلى حجمه الطبيعي بعد ان بات تمدده يهدد وحدانية زعامة الليكود ونتنياهو.

حول متغيرات الساحة السياسية الإسرائيلية عشية الانتخابات الرابعة وتأثير الصوت العربي فيها، كان هذا الحوار مع الباحث في السياسة البرلمانية والحزبيّة، د. سليم بريك:

بريك
بريك

عرب ٤٨: هل الانتخابات الرابعة أصبحت حقيقة واقعة؟

بريك: بالتأكيد، السؤال هو حول الموعد فقط، إذا كانت ستجري في آذار/مارس أم في أيّار/مايو أو حزيران/يونيو، وهو الأمر المرتبط بالتوافق على تاريخ معين أم تحكيم القانون.

وأغلب الظن أنه سيجري التوافق بين الليكود و"كاحول لافان" على تاريخ معيّن، ولذلك ستكون الانتخابات الرابعة في شهر أيار أو حزيران المقبلين، بعد تمرير قانون حل الكنيست عن طريق لجنة الكنيست التي تسيطر عليها "كاحول لافان" والمصادقة عليه بالقراءات الثلاث.

عرب ٤٨: بغض النظر عمّا يعكسه إجراء انتخابات رابعة في إسرائيل خلال سنتين من خلل في النظام الانتخابي، فإنّ المؤشرات السياسية التي تحملها الانتخابات القادمة هي أخطر من سابقاتها، من حيث تآكل اليسار بشكل نهائي (عدم تجاوز حزب العمل لنسبة الحسم وتأرجح "ميرتس") إلى جانب حصول اليمين على أغلبية 64- 66 بدون ليبرمان وتعاظم قوة اليمين الديني الاستيطاني بزعامة نفتالي بينيت؟

بريك: أعتقد أن حزب "يمينا" بزعامة نفتالي بينيت سيعود لحجمه الطبيعي أو أكثر قليلا، ولكن لن يحصل بأيّ حال على ما تعطيه له استطلاعات الرأي، فقد تغذى هذا الحزب على فشل حكومة نتنياهو في معالجة أزمة كورونا من جهة، وعلى غضب المستوطنين عليه بسبب تخلّيه عن مخطط الضم وتنفيذ خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بعد أن أعطى الأولوية للتطبيع مع الدول الخليجية وعربية أخرى، من جهة أخرى.

من جهته، يسعى نتنياهو إلى إحضار لقاح كورونا قبل الانتخابات للظهور بأنه من انتصر على هذا الوباء، كما يسعى إلى استرضاء المستوطنين عبر إغداق مخططات بناء استيطاني جديدة في القدس والضفة الغربية تعويضا عن الضم.

ولا ننسى أن نتنياهو تربطه علاقة وثيقة بالحاخامات الذين يشكلون القيادة الدينية للمستوطنين، وهؤلاء يدركون، في اللحظة الحقيقية، أنّ نتنياهو يخدمهم في الولايات المتحدة وفي الكونغرس بسبب علاقاته وقدرته على التأثير هناك.

عرب ٤٨: إذا صدقت استطلاعات الرأي بالنسبة لبينيت، فنحن أمام تغيير حقيقي في المعسكرات، وأمام سيناريو تشكيل حكومة تتألف من "يمينا" و"يش عتيد"- "كاحول لافان" وليبرمان؟

بريك:هذا سيناريو غير واقعي، أولا لأن حزب بينيت عادة ما يهبط بنصف أو ثلث المقاعد عما هو في استطلاعات الرأي، ما يعني حصوله على 10- 15 مقعدًا فقط، وثانيا لأن بينيت ورغم شعوره بالإهانة بسبب استثنائه من تشكيل الحكومة الحالية، إلا أنّه لا يستطيع أن يخرج من اليمين المتطرف الذي يضمّ بتسلئيل سموتريتش وجماعته ويذهب باتجاه يائير لابيد ("يش عتيد") لتشكيل حكومة بديلة.

هذا ناهيك عن وجود قاعدة في إسرائيل بأن رئيس الحكومة يكون إمّا من الليكود أو حزب العمل، ولا يمكن أن يكون من حزب يميني متطرف أو حزب يساري مثل "ميرتس".

عرب ٤٨: وماذا مع مثال "كاديما"؟

بريك: "كاديما" هو الليكود، أرئيل شارون فكّك الليكود عام 2005 بعد أن صوّتوا ضده وشكّل "كاديما" وطعّمها ببعض رموز حزب العمل مثل شمعون بيرس وداليا إيتسيك وحاييم رامون، وبعد تنفيذ الانسحاب من غزة كلهم عادوا إلى مواقعهم في الليكود، في حين ذهب رجال المركز (الوسط) إلى حزب يائير لبيد، حتى أن "كاديما" تجاوزت نسبة الحسم عام 2013 بأصوات صالح ذباح وأكرم حسون.

أحزاب المركز (الوسط) هذه ظاهرة في إسرائيل، حيث يقوم حزب يدّعي أنه مركز وفي الحقيقة هو يمين تتكشّف حقيقته عندما يحين موعد اتخاذ القرارات، وهذا ما حصل مع "كاحول لافان" أيضا، انظر إلى تصريحات عضوة الكنيست عومر ينكلوفيتش، والمتعلقة بشرعنة البؤر الاستيطانية، هي لا تدرك شيئا ولكن رئيس "كاحول لافان"، بيني غانتس أرسلها لمخاطبة الأصوات التي هربت من "كاحول لافان" إلى اليمين المتطرف بزعامة نفتالي بينيت.

عرب ٤٨: إذا كانت هذه الأصوات قد هربت إلى بينيت فهذا دليل على حقيقتها اليمينية؟

بريك: نحن نعرف أنّ العدو الأكبر لغانتس ووزير الخارجيّة، غابي أشكنازي هو وزير التعليم، يوآف غالانت، وهو الذي كان يحول دون انضمامهما إلى الليكود، ونحن نرى في ذات الوقت كيف أن نتنياهو يلعب بغالانت ورئيس "الشاباك" الأسبق، آفي ديختر.

يائير لابيد (إعلام الكنيست)

كل هذه الجنرالات لا تحظى باحترام لدى نتنياهو فهو يعرف حقيقتها ويتعامل معها كما يجب، نتنياهو تعلم من شارون أنّ لكل واحد يوجد ثمن، انظر كيف تعامل مع موشيه يعالون ومع شاؤول موفاز وأخيرا مع غانتس.

عرب ٤٨: يبدو أن الجميع في السياسة الإسرائيلية يشترى ويباع؟

بريك: الأحزاب الأيديولوجية مثل "ميرتس" في طريقها إلى الاختفاء (قد لا تعبر نسبة الحسم).

عرب ٤٨: حزب العمل لن يعبر نسبة الحسم؟

بريك: حزب العمل أنهى وظيفته التاريخية بعد مقتل يتسحاق رابين، الذي اعتقد أن مصلحة إسرائيل هي في قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، ولذلك قتلوه. في حين أن شمعون بيرس دائما "لعب اللعبة" مع الأردن حتى أنّه في 2001 اقترح إقامة كونفدرالية وانضم لشارون.

كان من الواضح وجود قيادتين في حزب العمل، قيادة تؤمن بالسلام الحقيقي مع الفلسطينيين وقيادة لا تؤمن بذلك، وقد شكّل مقتل رابين انقلابًا دفع اليساريين داخل حزب العمل إلى ترك الحزب.

كما أنّ اليمين الإسرائيلي قرّر أنه يجب أن نحكم الفلسطينيين دون أن تقام دولة فلسطينية وأن أكثر شيء يمكن أن يحصل عليه الفلسطينيون هو حكم ذاتي، واليوم تقول الدول العربية إن سلامنا مع إسرائيل غير مرتبط بالفلسطينيين.

أيمن عودة (إعلام الكنيست)
أيمن عودة (إعلام الكنيست)

ولذلك، فإنّ نتنياهو بالنسبة للإسرائيليين هو رئيس حكومة ناجح جدا ويجب المحافظة عليه، وهو ما تنبأت بوقوعه استطلاعات الرأي، حيث سيتمكن في الانتخابات المقبلة من تشكيل حكومة يمين بدون ليبرمان.

عرب ٤٨: استطلاعات الرأي تنبئ بحدوث ذلك بفرضية أن حزب نفتالي بينيت سيحصل على أكثر من 20 مقعدا ولكن في حال تقلصت هذه المقاعد قد يتضاءل هذا الاحتمال؟

بريك: أصوات بينيت ستعود بجزء كبير منها إلى الليكود، وبعضها فقط إلى "يش عتيد" ومع ذلك من المرجّح أن يتمكّن نتنياهو من تشكيل حكومة يمين، لأنه نجح في تفكيك معسكر الوسط – يسار الذي لن يسعفه البحث عن جنرال آخر في كل مرة.

عرب ٤٨: هذا يعني أنّ الأحزاب العربية لن تكون لديها إشكالية التوصية أو عدم التوصية على مرشح الوسط- يسار؟

بريك: لا، لن تكون مثل هذه المشكلة والعرب لن يكونوا لاعبا بشكل نهائي في هذه الانتخابات، والليكود واليمين سيتمكنون من إقامة الحكومة القادمة، فيما سيقتصر دور أعضاء الكنيست العرب على لجان الكنيست.

منصور عباس يحاول أن يناور مع الليكود للحصول على إنجاز هامشي هنا وإنجاز هامشي هناك، بينما في الحقيقة لا يوجد أفق سياسي جدي والقائمة المشتركة وصلت إلى طريق مسدود.


د. سليم بريك: محاضر في العلوم السياسية وباحث في السياسة البرلمانية والحزبيّة.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص