بولس: لا يمكن تغيير سياسة الشرطة دون تغيير بنيويّة الدولة

بولس: لا يمكن تغيير سياسة الشرطة دون تغيير بنيويّة الدولة
من حشد الشرطة في أم الفحم يوم الجمعة (أ ب)

د. سونيا بولس:

  • وظيفة الشرطة في الدولة المنقسمة قوميا أو دينيا والدول الاستيطانية إدامة هيمنة الأغلبية
  • تخاذل الشرطة عن حماية المواطنين هو انتهاك لحق الإنسان في الحياة
  • 64% من ضحايا القتل في إسرائيل من العرب
  • 80% من النساء العربيات اللاتي قتلن قدمن شكوى في الشرطة

نشرت د. سونيا بولس دراسة في مجلة "دراسات الأرض المقدسة وفلسطين" الصادرة عن جامعة إدنبرة، بعنوان "ضبط الأمن للأقلية الوطنية الفلسطينية في إسرائيل: منظور دولي لحقوق الإنسان"، لفتت فيها إلى أنّ العرب داخل الخطّ الأخضر يشكّلون 64% من ضحايا القتل في إسرائيل، على الرغم من أنهم يشكلون 20% من السكان. وتناول البحث أعمال الشرطة الخاصة بالأقلية الفلسطينية في إسرائيل من منظور حقوق الإنسان، مبينا أن أعمال الشرطة لا تتفق مع المعايير الدولية بهذا الخصوص، وأنّ القضاء على التحيز المؤسسي ضد المواطنين الفلسطينيين داخل جهاز الشرطة يتطلّب تغييرات سياسية ودستورية أوسع نطاقا على مستوى الدولة.

حول البحث وخصوصية الشرطة في الدول المنقسمة عرقيا، دينيا أو قوميا والدول الاستيطانية وقصورها عن ضبط أمن الأقليات من منظور القانون الدولي، كان هذا الحوار مع المحاضرة في قسم العلاقات الدولية والقانون، بجامعة نبريخا في مدريد، د. سونيا بولس.

د. سونيا بولس
د. سونيا بولس

عرب 48: عادة ما تعاني هذه المجتمعات، على غرار المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، من عنف الشرطة وتقف في مواجهة مباشرة معها، ما يجعل من اتهامها للشرطة بالتقصير في ضبط الأمن الداخلي بينها نوعا من المفارقة؟

بولس: تشير العديد من الأبحاث إلى أنّ الشرطة في الدول المنقسمة عرقيا أو دينيا أو قوميا وفي الدول الاستيطانية لها خصوصية. هنالك أبحاث عديدة تفسّر خصوصية عمل أو دور الشرطة في هذه السياقات، ومنها على سبيل المثال أبحاث رونالد وايتر عن الشرطة في الدول آنفة الذكر بهذا الخصوص.

يقول وايتزر إنّ السمة الأساسية التي تميّز هذين المجتمعين هي وجود مجموعة مهيمنة، مسيطرة على الدولة وتهيمن على السياسة والاقتصاد، وإنّ هناك مجموعة الأقلية - ليس شرطًا بالمفهوم العددي بل ربما بمفهوم توازن القوى - وإن أحد أدوار الشرطة المركزية في هذه الدول هو إدامة الهيمنة القائمة، وإحباط أيّة محاولة من قبل المجموعة "الخاضعة" لتهديد الهيمنة القائمة ونظام الدولة القائم عليها.

وهو يرى أنّ في هذه الدول ارتباطًا عميقًا بين الشرطة وبين مصالح المجموعة المهيمنة، ويستخدم مصطلح "شرطة طائفية"، بمعنى أنها جاءت لخدمة مجموعة معينة أو قطاع في الدولة هو المهيمن وهدفها هو الحفاظ على هذه الهيمنة، أنظمة الأمن الطائفية مهيأة هيكليًا لفرض ضوابط قمعية.

ويتحدث وايتزر عن عدة صفات مشتركة لعمل الشرطة في هذه المجتمعات، أولها أنّ مؤسسة الشرطة منحازة ضد الأقلية وتسييس الشرطة، وهو ما ينعكس على تعاملها مع المعارضين السياسيين الذين ينتمون للمجموعة غير المهيمنة؛ التمثيل المفرط للمجموعة المهيمنة في صفوف قوات الشرطة، وخاصّة في الرتب العليا؛ المسؤولية المزدوجة عن مراقبة الجرائم العادية والأمن الداخلي؛ منح صلاحيات قانونية واسعة للشرطة للسيطرة على الأقليات، بما في ذلك ما يتعلق باستخدام القوة؛ غياب آليات فعالة للمساءلة في ما يتعلق بانتهاكات الشرطة ووجود علاقات مجتمعية مستقطبة مع الشرطة. الغالبية المهيمنة تظهر داعما أكبر لقوّة الشرطة في حين أن المجموعة التابعة تكون غير راضية عن أداء الشرطة.

عرب 48: الدولة تمنحها هذه الصلاحيات في التعامل مع الأقليات فقط؟

بولس: الشرطة تتمتّع بمساحة أو بمجال أوسع لاستعمال القوة مقارنة مع دول تركيبتها ليست بهذا الشكل، وبطبيعة الحال فإنّ إساءة استعمال هذه الصلاحيات تكون دائما ضد الأقليات أو المجموعات المقموعة.

هناك باحث يدعى بروير يتحدث، هو الآخرـ عن هذه المجتمعات ويقول إنّ للشرطة دورًا أساسيًا في الحفاظ على التوزيع غير المتكافئ للسلطة، من خلال قمع الاحتجاجات السياسية وتجريم نشاطات يمكن أن تكون في سياقات أخرى شرعيّة من وجهة نظر ديمقراطية، وبالتالي فإنّ الشرطة في هذه الدول تعطي أولوية لمراقبة ما تسمى بـ"الجرائم السياسية"، على حساب ضبط الجريمة العادية في المجتمع.

من مظاهرة أم الفحم يوم الجمعة ضد العنف والجريمة وتواطؤ الشرطة (أ ب)
من مظاهرة أم الفحم يوم الجمعة ضد العنف والجريمة وتواطؤ الشرطة (أ ب)

وما يسهّل هذه العملية أنّه عادة ما يكون في هذه المجتمعات فصل جغرافي بين الأغلبية المهيمنة والأقلية، ما يعني أنّه حتى لو كان العنف مستشريًا داخل مناطق الأقلية الجغرافية، فإنّه لا يؤثّر على مناطق الأغلبية المهيمنة ولا يعكّر صفو حياتها. وبالتالي، تسمح الشرطة لنفسها بعدم إدراج مكافحته في سلم أولوياتها الذي تحتله إدامة الهيمنة وضبط النشاط السياسي. وفي مثل هذه الحالات من الطبيعي أن لا يكون لدى الأقليات أي نوع من أنواع الثقة بجهاز الشرطة، وهم يتعاملون معه بصدق بصفته جزءًا لا يتجزّأ من منظومة القمع.

عرب 48: السؤال المستوجب في ضوء هذا التوصيف هو كيف يمكن تفكيك أو التـأثير على جهاز الشرطة في هذه الدول؟

بولس: مثلا وايتزر يقول إنه لا يمكن التغيير إلا من خلال تغيير أشمل للدولة، أو، بما معناه، أنّه يجب على الدولة ومؤسساتها إجراء تغيير والاستعداد لتبني خطاب حقوق إنسان، في ما يتعلق بالأقليّات من شأنه أن يؤدّي إلى تغيير جذري في تعامل الشرطة.

أي أنّك لا تستطيع تغيير نهج الشرطة بدون تغيير سياسة الدولة، فهذه شرطة قادمة لخدمة النظام، ولذلك يجب أن يطال التغيير هذا النظام لأجل أن ينعكس هذا التغيير على سلوك الشرطة.

عرب 48: وهل تناولت هذه الأبحاث نماذج لدول محددة؟

بولس: وايتزر تحدث عن زيمبابوي وعن شمال إيرلندا وذكر إسرائيل في نقاط معينة، ولكن إذا أخذنا المركبات التي تناولها في تعامل شرطة إسرائيل مع الفلسطينيين في الداخل، نرى أنّ هذا النموذج قائم، ونحن نستطيع أن نرى الفجوة الكبيرة بين كثافة تدخل الشرطة عند وجود مظاهرات سياسية وهدم بيوت وغيرها من الفعاليات، التي تقع تحت يافطة الحراك السياسي، وبين تواجدها في ضبط الأمن الداخلي.

على سبيل المثال، قبل أحداث أكتوبر 2000، كانت عندهم خطة سمّوها "كيسم همنغينا - سحر المعزوفة"، كُشِفَ عن وجودها في سياق تحقيق "لجنة أور"، وكان هدف الخطة مساعدة الشرطة في التعامل مع مظاهرات تشمل الفلسطينيين في الداخل أيضًا، وتسمح للشرطة باستخدام القنّاصة للتعامل مع هذه المظاهرات.

في شهادة أمام "لجنة أور"، تحدّث أحد أفراد الشرطة بشكل واضح أنّ الخطة المذكورة استخدمت في التعامل مع المظاهرات التي وقعت في أكتوبر 2000، وقبل وقوع الأحداث أجرت الشرطة تمرينًا في منطقة شفاعمرو للتدرب على الخطة، تم افتتاحه بالآتي: "أهلًا بكم في لعبة الحرب ’رياح عاصفة’، نحن معكم اليوم في مركز تعليم الشرطة، قبل 52 عاما جئنا إلى هنا وأفراد الوحدة السابعة ووحدة غولاني احتلوا المنطقة في 14.7.48، وبعد 52 عامًا لا زلنا نتعامل مع نفس المواضيع، الفرق أنّنا في الـ48 احتللنا المنطقة، وفي الـ2000 نسعى للحفاظ عليها".

عرب 48: واضح أنّهم يتعاملون معنا كعدو؟

بولس: هذه مواد قدمت لـ"لجنة أور" تكشف المنظور الأمني الذي تتعامل به الشرطة مع الفلسطينيين في الداخل، لا كمواطنين متساوي الحقوق، كانت نتيجتها سقوط 13 شهيدا منهم، ووقوع مئات الإصابات في صفوف المتظاهرين. حتى "لجنة أور" اعترفت بأن على الشرطة أن تدرك أن الأقليّة العربية في إسرائيل ليست العدو، ولا يجب معاملتها على هذا النحو.

ومنذ أحداث أكتوبر 2000، هناك حالات قتل متكرّرة لفلسطينيين من قبل الشرطة - ولا أتحدث عن أحداث ذات طابع أمني - إذ تشير الأبحاث إلى سقوط 56 مواطنًا برصاص الشرطة الإسرائيلية حتى عام 2019، هذا في حين قُتل في الفترة الواقعة من 2000 إلى 2015 ثلاثة مواطنين يهود فقط برصاص الشرطة.

في المقابل، ليس هناك محاسبة أو مساءلة جديّة للشرطة عندما يتعلق الأمر بحالات استعمال القوة ضد الفلسطينيين، إذ تشير الإحصائيّات إلى أنّ 93% من الملفات التي تتحدث عن الاستعمال المفرط للقوة ضد الفلسطينيين يجري إغلاقها.

عرب 48: من الواضح أنّه عندما تحقق الشرطة مع ذاتها سيتم إغلاق الملفات؟

بولس: هذا دليل على أنّ المشكلة بنيويّة وليست مشكلة أفراد شرطة، ففي الصيف الفائت قامت 40 منظمة حقوقية في إسرائيل بإرسال مذكرة إلى وزارة الداخلية، قالت فيها إنّ هناك مشكلة بنيوية في تعامل الشرطة مع مجموعات معينة داخل إسرائيل، وبالأساس الفلسطينيين، ولكن ليس هم فقط، بل تحدثوا عن الأثيوبيين أيضا.

وإذا أخذنا تعامل الشرطة مع التظاهرات ذات الطابع السياسي - وهنا استند إلى معطيات من "عدالة" - فخلال وبعد الحرب على غزة عام 2008 اعتقل 832 شخصا في مظاهرات الاحتجاج على الحرب، 43% منهم دون سن الـ18، وحُبِسَ 80% منهم حتى انتهاء الإجراءات القانونية، كل المعتقلين من منطقة الشمال تقريبا كانوا فلسطينيين. في المقابل، وقعت مظاهرات في تل أبيب ضد الحرب، لكن لم يتم اعتقال أي متظاهر، فيما كانت السمة الأساسية للمتظاهرين في تل أبيب أن غالبيّتهم من اليهود.

في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنّ إحدى الأمور التي تحدّث عنها وايتزر عن الدول التي تسود فيها هذه الهيمنة، هي أنّها تحاول كل الوقت إيجاد الصمغ الذي يجمع أفراد الفئة المهيمنة، بمعنى أنّ ترابط هذه الفئة المهيمنة مهم للدولة، ولذلك هي تُصوِّر الطرف الآخر على أنّه لا يمكن الوثوق به، وأنّه محرّض وهمجي وعنيف ومخرّب.

وإذا ما تابعنا تصريحات سياسيين إسرائيليين وقيادات في الشرطة، سنجدها تزخر بمثل هذه الأفكار المسبقة، على غرار أنّ المشكلة ليست مشكلة الشرطة بل هي ترتبط بثقافة العرب العنيفة، أو كما قال وزير الشرطة السابق، غلعاد إردان، إنّ المشكلة التي تنتهي عند اليهود بالتوجه للقضاء، تنتهي عند العرب بضرب سكاكين.

وبالتالي، يتم تكرار أنّ العرب شعب عنيف ولا يتعاون مع الشرطة، لتبرير قصور الشرطة وتقصيرها في معالجة قضية العنف.

عرب 48: إذا سلّمنا بأن التغيير يجب أن يطال جهاز أو نظام الدولة بالكامل ليصل التغيير إلى الشرطة، فماذا يجب أن نفعل حتى ذلك الحين؟

بولس: طبعا نحن لن ننتظر حتى حصول هذا التغيير الشامل، فإلى جانب مواصلة العمل السياسي من أجل تغيير موازين القوى ومن أجل ضمان مواطنة متساوية، وهو الأساس. واحدة من الأشياء التي يمكن القيام بها هي إبراز الإشكاليات في جهاز الشرطة والتعامل مع الموضوع من منظور حقوق إنسان.

نحن، عندما نتحدث عن الموضوع، نتناوله من جوانبه السياسية والعلاقة التاريخية بيننا وبين إسرائيل ونحكي عن الإفقار وما إلى ذلك، وقد حان الوقت لكي نقول إنّ تقصير الشرطة بحدّ ذاته هو انتهاك لحقوق الضحايا، انتهاك للحق في الحياة للضحايا ذاتهم، ولأن نستعين بخطاب حقوق الإنسان لمعرفة أين يفشل جهاز الشرطة في الدول المبني فيها على تصوّر أنه يدافع عن الأغلبية ويحافظ على هيمنتها، ولا يدافع عن المواطنين بشكل متساو.

في محاكم حقوق إنسان دولية مثل المحكمة الأوروبية أو المحكمة الأميركيّة التي تستمع لقضايا من دول أميركا اللاتينية بالأساس، في ما يتعلق بحقوق الإنسان منذ عقدين من الزمن أصبح حديث أن الدولة تنتهك الحق في الحياة ليس عندما يقتل الشرطي مواطنًا فقط، فهذه واضحة، ولكن ما بدأوا يتحدثون عنه هو مسؤولية الدولة عن انتهاك الحق في الحياة أيضًا، عندما ترتكب جريمة من قبل أفراد عاديين ولكن توجد شروط لذلك.

ويجب أن نفصل، في هذا السياق، بين مستويين، هناك مستوى سمّته المحاكم الدولية واجب منع انتهاكات مرتكبة من قبل مواطنين عن طريق اتخاذ تدابير وقائية عملية، فمثلا في قضية عثمان ضد المملكة المتحدة من عام 1998، التي عُرضت على المحكمة الأوروبية، قضت المحكمة أنّ الدولة مجبرة على اتخاذ تدابير وقائية عملية لحماية أيّ فرد قد تتعرض حياته للخطر من الأعمال الإجرامية لمواطن عادي، إذا كانت الدولة على علم بهذا الخطر أو كان عليها أن تعلم بوجود هذا الخطر.

من قمع الهبّة في الناصرة (أرشيف "عدالة")
من قمع الهبّة في الناصرة (أرشيف "عدالة")

وفي حال فشلت أجهزة الدولة في إتخاذ التدابير الوقائية العملية المطلوبة منها في إطار اختصاصها لمنع الجريمة، نستطيع أن نقول إن الدولة انتهكت الحق في الحياة للضحية، ليس لأنها قُتِلَت، بل لأنّها لم تفعل ما تستطيع فعله لمنع القتل.

عرب 48: بمعنى أنّ المحكمة تحمّل الشرط/الدولة المسؤولية في حالة لم تمنع جريمة علمت بها أو كان بمقدورها أن تعلم عنها وأهملت في الحصول على المعلومات؟

بولس: القرارات واضحة حتى لو سحبت الضحية الشكوى، فالدولة مجبرة بأن تستمر في حمايتها ويبدو ذلك في الشكوى التي قُدّمت ضد تركيا في المحكمة الأوروبية، امرأة كانت معنّفة من قبل طليقها، وبسبب الخوف منه ذهبت وقالت أنا أريد أن أسحب الشكوى، وفي النهاية حاول قتلها هي وأمّها فقتلت الأم وتعرّضت هي للإصابة. ومع ذلك، قالت المحكمة إنّه حتى لو كانت الضحية غير معنية بالتحقيق، فالدولة مجبرة على حمايتها لأنّها كانت تعرف.

وعلى سبيل المثال، فإنّ لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة تحكي أنّه في حالات الخطر هناك الكثير ممّا تستطيع الدولة فعله، ومن ذلك تعيين حراسة مستمرة لحماية مواطن حياته في خطر. في هذا السياق، يشير التقرير الذي نشرته النائبة السابقة حنين زعبي حول تعامل الشرطة مع الجريمة إلى أنّ 80% من النساء الفلسطينيات اللواتي قتلن قدمن في السابق شكوى إلى الشرطة، لكنّ الشرطة فشلت في منع الجريمة.

عرب 48: في حالتنا هل هناك من محكمة دولية نستطيع التوجه إليها؟

بولس: نحن لا نستطيع، لأنّ إسرائيل ليست جزءًا من منظومة حقوق إنسان إقليمية، ولكن قرارات ومواثيق حقوق الإنسان تنطبق عليها. إسرائيل عضو في الاتفاقية السياسية والمدنية، وهذه الاتفاقية تتحدّث عن الحق في الحياة وتحكي عن الحق في السلامة الجسديّة، وعندما قامت اللجنة الدولية لحقوق الإنسان بتفسير ما معنى الحق في الحياة، وما هي الواجبات التي تفرض على الدول تبنت نفس الخطاب الذي تبنته المحكمة الأوروبية والمحكمة الأميركية في ما يتعلّق بالحقّ في الحياة.

مؤسسات حقوق الإنسان الدولية تشدّد، أيضًا، على واجب الدولة في أنّ تحقّق في الجرائم، وبالذات التي تنتهي بخسائر في الأرواح، والتحقيق يجب أن يكون بمبادرة الدولة دون انتظار شكوى من أهل الضحية، لأن هذا واجبها وعليها، أيضًا، تأمين شهادة الشهود وسلامة الشهود وجمع كل الأدلة بشكل مهني. تقصير الدولة في جمع أدلّة بمقدورها أن تكشف على هوية القاتل، يعني أنّ الدولة انتهكت الحق في الحياة للضحية، بسبب فشلها في الرد على الجريمة.

ويجب أن نشير، في هذا السياق، إلى أنّ معدل جرائم القتل التي تم حلّها في المدن العربية منخفض جدا، فقط ثلث قضايا القتل بين عامي 2014 و2017 التي تشمل ضحية يهودية لم تحلّ بعد. في المقابل، نصف حالات القتل التي تشمل ضحية فلسطينية لا يزال دون حل. هذه الفجوة ازدادت في عام 2018.

هناك نقطة مهمة أيضا كانت في قضية ضد المكسيك في المحكمة الأميركيّة، حيث قالت إنّه عندما تتحول الصورة النمطية ضد الضحية لجزء من الخطاب الذي تستعمله الشرطة عندما تتعامل مع الشكاوى، وبمجرد أن تعيد الشرطة إنتاج الصورة النمطية ضد الضحية، يتحوّل خطاب الشرطة إلى أحد الأسباب الجذرية للعنف.

إذا ما طبّقنا ذلك في السياق الإسرائيلي، نجد أنّ تصريحات من نوع "العرب عنيفون" والمشكلة في ثقافتهم وغيرها من الأفكار النمطية التي تتعامل بموجبها الشرطة، فإنّ هذه التصريحات يجب أن تُدرج كأسباب للعنف.

في النهاية، أريد أن أشدّد على أن استعمال خطاب حقوق الإنسان مهم للتعامل مع جرائم عينيّة، ومهم أيضًا لكشف الانحياز البنيوي في جهاز الشرطة، لكن ليس بمقدوره إحراز تغيير بنيوي شامل يتعدّى جهاز الشرطة. النضال السياسي، بما في ذلك الاحتجاج الشعبي السلمي هما الأساس، والحق في التظاهر والاحتجاج السلميين هما حق ديموقراطي بديهي تكفله المواثيق الدولية. وتجدر الإشارة إلى أنّه في الولايات المتحدة لم تُقدَّم لوائح اتّهام ضد أفراد الشرطة بتهمة قتل مواطنين ينتمون لأقليات عرقية، إلّا بعد ضغط شعبي يشبه المتمثل في حركة "حياة السود مهمّة"، التي تلت مقتل جورج فلويد خنقًا من الشرطة الأميركيّة، في العام الماضي.


د. سونيا بولس: محاضرة في قسم العلاقات الدولية والقانون، جامعة نبريخا – مدريد.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص