البزور: ممارسات التطبيع ظهرت في الخطاب الرسمي العربي حتى قبل ظهور الكلمة

البزور: ممارسات التطبيع ظهرت في الخطاب الرسمي العربي حتى قبل ظهور الكلمة
من مراسم توقيع اتفاقيات التطبيع العربي الإسرائيلي 2020 (تصوير: البيت الأبيض)

د. مي البزور:

* "التطبيع" حصر المسألة في شرعية إقامة علاقات مع إسرائيل وأسقط السؤال حول وجودها

* سؤال التطبيع يختلف فلسطينيا لوجود علاقة إجبارية وسياسات فصل ودمج متفاوتة

* التجارب الإيجابية مع الإسرائيليين تزيد من تأييد التطبيع وتقلل من الدعم للمقاومة


في بحثها تحت عنوان "تفكيك خطاب التطبيع ضمن بينية الاستعمار الاستيطاني في فلسطين- ثنائية الرفض والقبول"، ترى الباحثة، مي البزور، من جامعة بير زيت أن انتقال مصطلح التطبيع من الاستخدام الرسمي ضمن نصوص اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 إلى حيز الممارسة السياسية الشعبية، من خلال تبني القوى السياسية المعارضة للمصطلح ضمن خطابها السياسي المناهض، هو انزلاق في مطب استدخال المجموعات المقهورة للمصطلحات الكولونيالية والوقوع في فخ إرادة القوة.

وتعتقد أن استخدام لفظ التطبيع ضمن الخطاب المناهض للمشروع الاستعماري الاستيطاني، قد ساهم في إحداث إزاحة معيارية في القيم والمعايير ضمن الخطاب السياسي المقاوم لدى الحركات العربية المناهضة للصهيونية، وأن استخدام تلك الحركات لمصطلح "التطبيع" المستقى من لغة القانون الدولي والذي يفيد بإقامة علاقات طبيعية بين دولتين (كرد فعل على اتفاقية التسوية السلمية) كامب ديفيد، يعتبر وقوعًا في فخ منظومة اللغة التفاوضية ومصطلحاتها.

(أ ب)

وتدّعي أن لفظ التطبيع يحمل، بحد ذاته، نزعة وروح الاعتراف بالكيان الاستعماري الاستيطاني، ويحصر الإشكالية والاشتباك مع الكيان الاستيطاني في إقامة العلاقات الطبيعية معه، وبذلك فهو يشكل رد فعل بالتعبير القانوني إن صح التعبير، وليس استجابة، حيث يفترض بالخطاب التحرري أن يستخدم منظومته اللغوية التحررية الانعتاقية.

وفي هذا السياق فإن الخطاب العربي المناهض للتسوية السلمية، بانتقائه لكلمة التطبيع ومصطلحات مناهضة للتطبيع وضع حدا فاصلا لاستخدام وبروز المنظومة اللغوية التحررية السابقة، التي استخدمت وارتكزت على ألفاظ "الخيانة" و"التواطؤ" و"التطويع" و"التغلغل"، بدلًا من "التطبيع"، الذي في حد ذاته، يستحضر آليات وأفعالا وردود أفعال تخفف من وقع الخيانة أو التواطؤ مع البنية الاستعمارية.

وهي تقول إن استخدام لفظ "الخيانة"، السابق في هيمنته على وصف "التواطؤ" أو ما صار يسمى "التطبيع"، يستحضر أفعالًا وردود أفعال معينة، تحمل في طياتها معايير اجتماعية وعقوبات اجتماعية وسياسية وأعباء نفسية، تترتب على معنى الخروج عن الجماعة وعن المكوّن النضالي التحرري لهوية الجماعة الجمعية الثقافية أو القومية.

وتشير البزور إلى أن الأمر يعبر عن انتقال لغوي ودلالي في لغة خطاب المقاومة، حتى وإن كانت جملة مناهضة التطبيع في بدايتها تتوازى في ثقلها ومعناها مع معنى الخيانة، الا أنها عملت عبر فترة من الزمن على إزاحة معرفية ومعيارية، أدت فيها دلالات مفهوم التطبيع إلى حصر إشكالية التواطؤ مع المستعمر بعقد العلاقات معه، لا بالاعتراف به والقبول ببنيته الاستعمارية الاستيطانية.

د. مي البزور

حول التطبيع في البحث والخطاب والواقع السياسي في ضوء تفاقم الظاهرة، كان هذا الحوار مع د. مي البزور المحاضرة في دائرة العلوم الاجتماعية والسلوكية في جامعة بير زيت.

"عرب 48": في بحثك الذي نلت عليه شهادة الدكتوراة من جامعة لوزان السويسرية أثبتِّ أن التطبيع، إصطلاحا ولفظًا، هو كلمة دخيلة على لغة الفعل السياسي التحرري، بغض النظر عن ممارسته أو رفضه؟

البزور: صحيح، موضوع الأطروحة تناول التطبيع من منطلق علم النفس السياسي والاجتماعي وعلم الاجتماع واعتمد على منهج البحث المختلط، بمعنى استخدام أدوات كمية وكيفية للتحقق من هذه الظاهرة، وفي البحث الأول عن الخطاب العربي تناولت ظاهرة التطبيع ومنشأها وكلمة التطبيع ومتى جاءت ومتى وردت في السياق العربي، قمت بتحليل الخطاب السياسي القومي العربي الناصري وجميع قرارات القمم العربية التي عقدت بخصوص كامب ديفيد وردود أفعال جميع الدول العربية على كامب ديفيد.

وخرج البحث بنتيجة أن كلمة التطبيع قبل توقيع اتفاقيات كامب ديفيد في عام 1978 لم تكن مستخدمة، إنما هي فرضت فرضًا كولونياليًا استعماريًا في هذه المعاهدات، أي أن كلمة التطبيع تم تطبيعها.

كذلك أظهر البحث أن قبول العرب باستخدام لفظ التطبيع في الخطاب المناهض لكامب ديفيد، وهذا إستنتاجي بناء على تنظير فانون في العلاقة ما بين المستعمِر والمستعمَر حول اللغة والأدوات وكيف نرى حريتنا، تبني الكلمة هو بحد ذاته قبول بتطبيع الكلمة.

تتبعت، مثلا وفق منهجية " الجنيولوجيا" (الأصول الاجتماعية للكلمات ومعانيها ومتى ظهرت ومتى ظهر معناها المستخدم اليوم في الوطن العربي)، فتبين أن كلمة تطبيع ظهرت في نصوص اتفاقيات كامب ديفيد وأنه في ردود فعل الدول العربية جميعها على هذه الاتفاقيات لم يرد لفظ التطبيع.

عرفات وكلينتون وباراك في كامب ديفيد (أ.ب.)

وعندما تعمقت في البحث اكتشفت أن رفض الدول العربية لكامب ديفيد لم يكن رفضًا تحرريًا بل إن غالبيتها رفضته لأن شروط التسوية السلمية لم ترق لها وهي تريد عقد اتفاقيات سلام مع إسرائيل وفق قرارات قمة الرباط.

"عرب 48": أنت تتحدثين عن فترة السبعينيات والثمانينيات، أي بعد هزيمة الخطاب الناصري ورحيل صاحبه وبعد حلول قرارات قمة الجزائر عام 1973 وقمة الرباط عام 1974 حول شروط التسوية، محل لاءات قمة الخرطوم الشهيرة، لا صلح لا اعتراف لا مفاوضات؟

البزور: نعم، ولكن الغريب أن معظم الدول العربية وحتى الدول المشاركة في قمة جبهة الصمود والتصدي في دمشق والقمة العربية في بغداد التي أعلنت مقاطعة مصر، من يقرأ النصوص يطلع على خلاف عميق بين العراق وبين سائر الدول العربية في هذه القمة والتي كانت معترضة على شروط التسوية السلمية وليس على الوجود الإسرائيلي الصهيوني والمشروع الاستعماري الاستيطاني.

أعتقد أن العراق وليبيا تفوقتا في خطابهما المناهض للمشروع برمته، وقد أشار الرئيس العراقي في حينه، أحمد حسن البكر، إلى أن مرحلة تطويع العقل العربي بدأت في قمتي الجزائر والرباط 73-74 عندما بدأ التراجع عن لاءات قمة الخرطوم.

وأظهر البحث فعلًا أن ممارسات التطبيع الرسمي للدول العربية ظهرت حتى ضمن الخطاب السياسي قبل ظهور الكلمة، ولا نقصد الممارسات السرية فقط.

"عرب 48": تقصدين أن التطبيع كفعل سياسي ظهر مع ظهور خطاب التسوية العربي الذي توجته قمة الرباط عام 1974، بالإعراب عن استعداد العالم العربي للتعايش مع إسرائيل شريطة انسحابها من الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967 والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني؟

البزور: المفارقة أنه بالرغم من ذلك فإن كلمة تطبيع لم ترد في ردود أفعال الدول العربية بل وردت، كما أظهر البحث، في خطاب الجهات السياسية المعارضة للمشروع الاستعماري في فلسطين، خاصة الأحزاب المصرية المعارضة لاتفاقية كامب ديفيد التي بدأت بخطاب "لا للتطبيع" ولجان الثقافة التي ترفض التطبيع، وهذا ما أسميه الوقوع في فخ المصطلحات الكولونيالية، لأن كلمة تطبيع في السياسة العالمية هي تعبير عن عودة العلاقات الطبيعية بين دولتين أو أكثر بعد الانتهاء من مرحلة صراع أو نزاع.

وفي سياقنا، قامت أميركا وإسرائيل بتطويع الكلمة ليسبق التطبيع مرحلة إنهاء الصراع، ولذلك فإن استخدام الكلمة يحمل اعترافًا بحد ذاته، فعندما اعتبر مشكلتي مع إسرائيل في التطبيع معها وكأني اختزل الصراع في سؤال هل أقيم علاقة مع إسرائيل أم لا؟ وأسقط السؤال الأساسي الذي يتعلق بوجودها.

ولكن من المهم الإشارة الى أن الأبحاث في الوطن العربي ما زالت تظهر فرقًا بين التطبيع الرسمي على مستوى الحكومات والتطبيع الشعبي، حيث لا زال الرفض هو سيد الموقف على مستوى القاعدة الشعبية إذ أظهر المؤشر العربي العام 18-2017 أن 87% من جماهير العالم العربي يرفضون التطبيع.

اتجاهات الرأي العامّ العربي نحو اعتراف بلدانهم بإسرائيل في استطلاعات المؤشر عبر السنوات

"عرب 48": الشق الثاني من بحثك تناول قضية التطبيع مع إسرائيل في صفوف الفلسطينيين على اختلاف مواقعهم والتقسيمات السياسية المفروطة عليهم، حيث واجهت إشكالية في تطبيق ثنائية الرفض والقبول وربما المصطلح ذاته عليهم؟

البزور: العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر داخل فلسطين، سؤال التطبيع أو التعامل مع مسألة التطبيع يصطدم مع مشكلة كبيرة جدا، تتعلق بوجود علاقة إجبارية ما يجعل تصنيف ممارسات التطبيع غاية في الصعوبة لأسباب عدة في مقدمتها، وجود سياقات مختلفة، سياق قطاع غزة، سياق القدس، سياق الضفة الغربية وسياق فلسطينيي 48.

هذه السياقات تختلف تماما لأن السياسات الاستعمارية طبقت سياسات فصل ودمج مختلفة، فمثلا القدس تختلف عن الداخل، هناك علاقات عمل وبذات الوقت هناك مشاكل في التعليم وهناك رفض للاندماج في قضية التعليم، بينما يتمحور في الداخل الفلسطيني السؤال حول الانتخابات والمشاركة في الكنيست، وفي الضفة الغربية يتمحور حول المشاركة في حركات السلام وشراء البضائع الإسرائيلية وفي غزة الحديث عن مقاطعة تامة.

فلسطينيًا، سؤال التطبيع صعب وأنا أعتقد أننا بحاجة للتفكير في كلمة أخرى غير التطبيع، أولا لأنه من الصعب التصنيف بسبب اختلاف السياقات والتقسيمات التي فرضها علينا الاستعمار والتي تفرض سياسات دمج وفصل مختلفة، ثانيا لأن المسافة النفس- اجتماعية بين المستعمر والمستعمر متفاوتة.

أثبت علم النفس الاجتماعي أنه عندما يكون سياق يسمح ببعض العلاقات "الإيجابية" بين المستعمَر والمستعمِر، من الممكن أن تحسن المواقف وحتى من الممكن أن تزيف الوعي للمستعمَر، فإذا كنت تعمل مع إسرائيلي كطبيب داخل مستشفى وأنت تحمل هوية إسرائيلية من الممكن أن تحصل على فرصة لتواصل ما إيجابي وبالتالي هذا يؤثر على رؤيتك للمستعمِر، وعلى رؤية جانبه الإنساني.

أي أنه كلما ازداد قرب الشخص من المستعمِر ازدادت الإشكالية، وأعتقد أن أصعب شيء هو مناقشة العلاقات بين المستعمِر والمستعمَر لدى فلسطينيي الداخل، لأنهم موجودون في المواجهة المباشرة.

أم الفحم (عرب 48)

"عرب 48": أنت تغفلين ربما أن الاقتراب من العدو يُمكِّن الإنسان من رؤيته على حقيقته، وبهذا المعنى فإن العلاقة لا تقتصر على التواصل الإيجابي فقط، بل تسمح بمزيد من التواصل السلبي أيضا؟

البزور: الصحيح أن عيّنة البحث العشوائية التي اخذتها اقتصرت على القدس والضفة الغربية ولم تشمل فلسطينيي الداخل، وقد وجدت أن المسافة تختلف، المقدسيون لديهم فرصة للتواصل "الإيجابي"، بمعنى، أن احتمالية التواصل مع المستعمِر اثناء العمل والعلاج، ولكن في ذات الوقت أثبت البحث أن المقدسيين هم الأكثر تعرضًا لتجارب سلبية على الحواجز العسكرية. فأنت تتصل مع المستعمِر في العمل وفي ذات الوقت تتصل معه على الحاجز كأداة استعمارية قمعية عسكرية فهذا كله يخلق إشكالية في السؤال.

وتظهر الدراسة كيف تؤثر التجارب السلبية السابقة والتجارب الإيجابية السابقة في سياق القدس والضفة الغربية، على الموقف من التطبيع، فعندما تذهب للعلاج في المستشفيات الإسرائيلية وتجد طبيبة مهتمة بك أو ممرضة تتعامل معك بشكل إنساني، فلا بد لهذه التجربة أن تؤثر على مواقفك، وقد أظهرت الأبحاث أنه كلما ازدادت التجارب "الإيجابية" يزداد القبول.

وأظهرت الدراسة أيضًا أن التطبيع بالنسبة للفلسطينيين ليس واحدا، فقد تبين أن تطبيع السلطة الفلسطينية يحظى بقبول في جوانب معينة أكثر من الأخرى، فالناس تؤيد العلاقات العملية مثل التنسيق من أجل الهويات والدراسة والسفر والتصاريح والعمل أكثر من التنسيق الأمني.

وعلى المستوى الفردي والعلاقات الطوعية أظهرت الدراسة أن الناس مثلا لا تؤيد الصداقة مع الإسرائيليين، مع المستعمِر لكونه مستعمِر، وأنها لا تؤيد العلاقات الاجتماعية ولا تؤيد المشاريع السلمية واللقاءات المشتركة.

"عرب 48": في الواقع الفلسطيني هناك حالة اشتباك وتداخل تتفاوت من تجمع فلسطيني لآخر، تفرضها حالة الاستعمار الاستيطاني التي تعم كافة مساحة الوطن والتي أزاحت الحدود بين المستعمِر والمستعمَر، وفق تعبيرك، وجعلت مما قد نسميه "تطبيع" عندما يتعلق الأمر بالعالم العربي حاجة حياتية بالنسبة للفلسطينيي؟

البزور: صحيح، في الوطن العربي هناك مساحة نفسية وهناك مسافة سياسية، هناك حدود سياسية ومن السهل اعتماد ثنائية الرفض والقبول، بينما لدى الفلسطينيين من الصعب أن ترسم الخطّ الفاصل ما بين الرفض والقبول للأسباب التي ذكرت، وهي السياقات واختلاف المسافة النفس- الاجتماعية وانعدام المسافة السياسية والحدود السياسية.

(وفا)

الدراسة أظهرت أن الفلسطينيين الذين لديهم تجارب "إيجابية" مع الإسرائيليين في العمل والعلاج يزداد دعمهم للتطبيع، وكلما ازدادت النظرة الإيجابية ينخفض الدعم للمقاومة، علمًا أن العلاقة ليست سببية بل تقتصر على الارتباط أو العلاقة غير المباشرة، فالتجارب الإيجابية النفسية السابقة مع الإسرائيليين ترتبط بتقليل الدعم للمقاومة من خلال زيادة التأييد للتطبيع.

"عرب 48": وهل هناك نماذج عالمية تؤيد هذا الاستنتاج؟

البزور: نعم هناك نظريات في علم النفس الاجتماعي في جنوب أفريقيا وإيرلندا، أظهرت أن الاتصال الإيجابي للبيض في جنوب أفريقيا، مثلا، مع السود في بيئة عمل فيها استغلال هائل كان يؤدي إلى تقليل دعمهم للتغيير الاجتماعي واتجاه العدالة لهم، ويجعل المستغَل ينظر إلى المستغِل بنظرة إيجابية، بمعنى إحداث تزييف للوعي حول الواقع الذي يعيشه.


د. مي البزور: محاضرة في دائرة العلوم الاجتماعية والسلوكية في جامعة بيرزيت. حصلت على درجة الدكتوراه في العلوم الاجتماعية من جامعة لوزان - سويسرا، لها عدة أبحاث منشورة في مجالات علم الاجتماع وعلم النفس السياسي.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص