حوار | إلى ماذا تشير نتائج الانتخابات؟

حوار | إلى ماذا تشير نتائج الانتخابات؟
لافتة تُظهر نتنياهو يعتليها متظاهران ضدّ الجريمة (أ ب)

تحتاج انتخابات الكنيست الأخيرة إلى المزيد من القراءة والتقييم والمراجعة لفهم أسباب وتداعيات النتائج التي أفرزتها، ولإعادة بناء معادلاتنا السياسية الداخلية والخارجية المرتبطة بعلاقتنا مع الدولة من جهة، ومع شعبنا الفلسطيني ومحيطنا العربيّ والإسلاميّ من جهة ثانية.

د. رلى هردل

وللمساهمة في قراءة النتائج وتداعياتها حاور "عرب 48" الباحثة والمحاضرة في العلوم السياسية في جامعة القدس الفلسطينية، د. رلى هردل.

"عرب 48": كيف تقرأين نتائج الانتخابات الأخيرة؟

هردل: أعتقد أنه يجب أن نقرأ النتائج أولًا بالتراجع الكبير في تمثيل القائمة المشتركة، ماذا يعني بالدرجة الأولى؟ وأين يكمن الخلل الذي أدى إلى هذا الفشل؟ ثانيًا في ما يخصّ موضوع الخلافات التي كانت قائمةً داخل المشتركة ودورها في عزوف الناس عن التصويت وإدارة الظهر للكنيست، وثالثًا في سؤال؛ كيف نحاسب أنفسنا كأحزاب على هذا الفشل؟ وهل هناك محاسبة شفافة وصادقة جارية فعلا؟ وهل لنا دور كمواطنين وناخبين في مثل هذه المحاسبة؟

وفي نظرة سريعة على النتائج نلحظ أن الفشل كان من نصيب القائمة المشتركة فقط، بينما حافظت القائمة الموحدة (الإسلامية الجنوبية)، المنشقّة عن المُشتركة والتي خاضت الانتخابات بقائمة مستقلة، على قوتها وعلى التمثيل الذي كانت تتمتع به في الدورة السابقة، وذلك مقابل الانهيار الذي حصل بالمشتركة.

وعليه فإن المشتركة بمركّباتها المختلفة هي التي يجب أن تسأل الأسئلة الصعبة؛ أين أخطأنا وأين أخفقنا؟ بالخطاب، بالأداء، بالتواصل مع الناس؟ بالحملة الانتخابية المترددة والضعيفة وغير المهنية والمتأخرة؟ على المشتركة أن تسأل كل هذه الأسئلة وتحاول أن تجد الإجابات الشافية عليها، لكن المؤسف، أنه حتى اليوم، وقد يكون من المبكّر الحكم، لم يتم طرح هذه الأسئلة من قِبل مركبات المشتركة، لا على المستوى الجماهيريّ العامّ ولا على المستوى الداخليّ، على حدّ علمي على الأقل، ولا أعتقد أن هناك تحركات جدية لمناقشة ما حصل، كما لا أنني لا ألحظ استخلاصًا للنتائج.

"عرب 48": أتعتقدين أنه يجري "لملمة" الموضوع داخليًّا، جريًا على ’العادات السياسيّة’ العربيّة؟

هردل: تماما، والاكتفاء باتهام الآخر واتهام من لم يصوت، عوضًا عن الوقوف مع الذات بشجاعة وتحمّل المسؤولية، كما أن هناك سؤال يجب أن يشغلنا في موضوع الموحدة، من هم الـ160 ألف صوت الذين انتخبوها؟ ولماذا صوّتوا للموحدة ومن أيّة منطلَقات؟ هل من منطلق تعاطفهم مع "الخطاب المحافظ" الذي استعملته أم من منطلق تعاطفهم مع الخطاب السياسيّ الذي أراد أن يأخذ خطاب التأثير خطوة متقدمة أخرى إلى الأمام أكثر مما أخذته القائمة المشتركة في الانتخابات الحالية والسابقة؟

لقد جرى الكثير من الحديث عن خطاب التأثير، وشخصيًا لا يوجد لدي مشكلة مع التأثير لأنه في السياسة والعمل البرلماني أنت تدخل هذا المعترك أصلا لتؤثّر، ولكن السؤال هو كيف وبأية أدوات وخطاب وعلى أي أسس وثوابت وعلى أي قواعد تفاوضية مع أطراف أخرى موجودة في الساحة السياسية؟

في المحصّلة، يبدو أننا في مرحلة حرجة، وأمام أزمة سياسية عميقة، وأزمة هوية، وأزمة مواطنة، وأزمة خطاب سياسيّ، وأزمة قيادة، وأزمة مشروع وطنيّ، والأسوأ من ذلك أو الأصعب من ذلك، أنّ لا أحد لديه إجابات حول كيفية التعامل مع هذا المأزق، أو كيف نشرح ونقرأ ونحلّل هذه الأزمة ونخرج منها إلى خارطة طريق جديدة من خلال طرح خيارات أو بدائل. وبدون شك فإن وصولنا إلى هذا المأزق السياسيّ الوطنيّ الهوياتيّ هو نتيجة عوامل عديدة متقاطعة ومتداخلة، منها ما هو مرتبط بالساحة الحزبية ومنها شخصية وداخلية ومنها عامة متعلقة بما يحصل في إسرائيل، إضافة إلى عوامل وطنية مرتبطة بما يحدث على المستوى الفلسطينيّ العام وفي المحيط العربيّ الأوسع.

"عرب 48": يبدو أننا غير محصّنين أمام ما يحدث في المستوييْن الفلسطينيّ والعربيّ من انهيار وانقسام وتشرذم؟

هردل: نظريا صحيح، ولكن هناك دور مباشر أيضا، إذ أن جزءًا من قياداتنا متجانسة مع ما يحدث هناك ومنسجمة معه، وأنا باختصار أعتبر ما حدث ويحدث بمثابة انتصار لإسرائيل أو الصهيونية علينا، فحتى في الانتخابات هناك انتصار للنهج الإسرائيليّ، بمعنى أننا في حملاتنا الانتخابية بتنا نقلّد النهج الإسرائيليّ، في تغييب أي مضمون سياسيّ عميق ووطني اجتماعيّ اقتصاديّ عن برامج الأحزاب الانتخابية، بالضبط كما هو حال الأحزاب الإسرائيليّة.

"عرب 48": أتقصدين غياب نهج وطنيّ مستقلّ لأحزابنا عن الأحزاب الإسرائيلية؟

هردل: صحيح، وهذا بمثابة انتصار للنهج الإسرائيليّ علينا بعد كل هذه السنوات، إضافة إلى أن الشخصنة الموجودة في أحزابنا هي ظاهرة شبيهة بالظاهرة الإسرائيلية، انظر مثلا كيف تحوَّل مشروع القائمة المشتركة، الذي كان يفترض به أن يخرج بقائمة موحدة ذات خطاب وطني موحّد، يذيب النجومية الشخصية إلى رافعة لتعزيز النجوميّة، في ضوء غياب بناء داخلي حقيقيّ للقائمة.

انتصار الصهيونية علينا عميق ومركّب، ويرتبط بما يتعلّق بالانتخابات بالرغبة في الذهاب إلى البرلمان، وصولا إلى عدم الخجل أو التردد لدى الكثيرين بالانخراط بأحزاب صهيونية من جهة، واستعداد أحزابنا للانخراط بالمؤسسة السياسيّة الإسرائيليّة الصهيونيّة من جهة ثانية.

الشيء الآخر الملفت في هذه الانتخابات هو عدم وجود خطاب مختلف بين المشتركة والموحدة رغم إصرار الطرفين على وجود اختلافات، وما تمّ عرضه هو اختلافات لها علاقة بالخطاب الداخليّ الاجتماعي فقط.

"عرب 48": بمعنى أن المشتركة انساقت وراء الموحدة التي حاولت مَحْوَرة النقاش حول الخطاب الاجتماعيّ؟

هردل: المشتركة بدأت منذ الانتخابات السابقة، بل منذ تأسيسها بخطاب التأثير، وكلّ ما فعله رئيس القائمة الموحّدة، منصور عباس هو أنه أخذ الموضوع من رئيس القائمة المشتركة، أيمن عودة، ومشى به خطوة إلى الأمام، ولكن، بطريقة غير واضحة وفيها تذبذُب سياسيّ، فإذا كان خطاب التأثير عند أيمن عودة من خلال إسقاط رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو بواسطة بقايا معسكر اليسار ومناوئي نتنياهو، أو الاعتقاد بأن نكون شركاء في بناء معسكر يسار ديمقراطيّ إسرائيليّ، فإن خطاب عباس المتعلّق بالتأثير، لم يفرّق بين يسار ويمين إسرائيليّ.

(أ ب)

"عرب 48": علما أنه لم يبق شيء اسمه معسكر يسار إسرائيلي؟

هردل: خطاب التأثير بصيغة عباس، جاء بدون مضمون، وبدون معنى، وبدون ثوابت وأسس يمكن التفاوض عليها، وذلك من أجل أن يحفظ مساحة واسعة من المناورة مع الأحزاب الإسرائيلية، وهذا ما يمكن استشفافه من خطابه الذي نُقِل بالبثّ المباشر في وسائل الإعلام الإسرائيلية، وهو أمر يقول الكثير أيضا. هو خطاب يقول نحن لا يمين ولا يسار ونريد شراكة ومساواة بناء على مبدأ الاحترام المتبادل، دون أن يتطرق إلى قانون القوميّة وإلى قانون "كامنيتس" وإلى الاحتلال وإلى القدس والأقصى الذي طالما كان بارزًا في الخطاب الإسلاميّ.

ولكن مع ذلك ولأجل أن نكون منصفين فإن هذا الخطاب لا يختلف كثيرًا عن خطاب المشتركة، مثلما تدّعي الأخيرة وكأن منصور عباس ذهب إلى نهج جديد. هذا غير صحيح، هو لم يأت بجديد بل أكمل نهجًا موجودًا بلورته وقادته المشتركة.

ورغم أن التحول على صعيد علاقتنا مع الدولة بدأ مع "أوسلو" بعد انفراط الحلّ الجامع، إلا أنه في حينه كان ما زال لدينا مقوّمات لخطاب وطنيّ جمعيّ، وكنا واضحين أكثر ومبدأيين أكثر ووطنيين أكثر.

صحيح أن المجتمع الإسرائيليّ كان أقلّ يمينيّة وتطرّفا، ولكن نحن أيضا كانت لدينا مواقفنا وخطابنا السياسيّ، وكنا نتحدث عن الاحتلال وعن الدولتين وعن حق تقرير المصير وحتى عن حكم ذاتيّ في الداخل وعن دولة المواطنين.

المشكلة أن إسرائيل منذ عام 2000 وصاعدًا ذهبت أكثر باتجاه اليمين الدينيّ والاستيطانيّ والعنصريّة، ونحن بتنا أكثر ابتعادا عن خطابنا الوطنيّ وحتى المواطناتيّ. خطابنا الجمعيّ مفكّك ومبعثر ولا نعرف من نحن وماذا نريد من الدولة، نحن في أزمة على المستوى السياسيّ والمستوى الحزبيّ.

وإذا كنا في فترة التسعينيات التي كانت فيها إسرائيل أقل يمينية، مصرين على خطابنا الوطنيّ، وربطنا التأثير بمقابل سياسيّ وليس بمقابلٍ خدماتيّ بسيط؛ فلماذا في العام 2021 في وقت تذهب فيه لمكان أسوأ نذهب نحن لمكان أكثر انبطاحا في خطابنا؟ هنا توجد معادلة غير واضحة وغير مفهومة وهذا ما يجب أن نفحصه مع أنفسنا، لكي نعرف ماذا يحصل لدينا داخليًّا.

يجب أن نطرح على أنفسنا الأسئلة الصعبة لنجد الإجابة عنها؛ هل نريد أن نذهب بمواطنتنا إلى النهاية وننخرط في اللعبة السياسية الإسرائيلية بالكامل كمواطنين إسرائيليين، بعيدًا عن القضية الوطنية؟

"عرب 48": ربما من يطرح ذلك لا يدرك أن هذا الخيار غير مطروح أمامنا، طالما بقيت إسرائيل دولة يهودية، لأن خيار المواطنة المتساوية غير متوفر لمن هم غير يهود في الدولة اليهودية، أليس كذلك؟

هردل: ولكن سؤال المشاركة السياسيّة في المؤسسة يطرح نفسه بإلحاح علينا ويجب إيجاد الإجابة عليه، والمدخل هو الحسم بين كوننا فلسطينيين نريد تفكيك المشروع الصهيونيّ، وبين المواطنة الإسرائيليّة والانخراط في المشاركة في المؤسسة الإسرائيليّة.

"عرب 48": أتقصدين الاختيار بين مواطنة جزئيّة واندماجٍ مشوّه على هامش المجتمع الإسرائيليّ، أو "انتظار الفرج"؟

هردل: أقصد أن شعار دولة المواطنين لم يعُد يشكّل عائقًا، وأنّ مسألة التأثير والمشاركة السياسية في طريقها إلى التحوّل ربما إلى صيرورة "عربيّة فلسطينيّة" وإسرائيلية، أيضا، بغضّ النظر عن مضمونها، وستُطرح علينا هذه الأسئلة بشكل مُلحّ، ويجب أن نزوّد أنفسنا بأجوبة مقنعة لنا ولجماهيرنا، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الرفض الإسرائيليّ ليس حالة جامدة وربما يكون خاضعًا للكثير من الاعتبارات التكتيكيّة، وليس الإستراتيجيّة فقط.


د. رلى هردل: أستاذ مساعد في العلوم السياسية في جامعة القدس، أبو ديس، ورئيسة قسم الخدمة الاجتماعية في نفس الجامعة. حاصلة على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هانوفر في ألمانيا عام 2013، ومحاضرة زائرة في جامعات عديدة في ألمانيا، واليابان والبرتغال، كما أنها عضو مجلس البحث العلمي في جامعة القدس، ومحررة مشاركة في مجلة الجامعة للبحوث الأكاديميّة.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص