القدس من "بوابات الأقصى" إلى "هبة باب العامود" والدفاع عن القلاع الأخيرة

القدس من "بوابات الأقصى" إلى "هبة باب العامود" والدفاع عن القلاع الأخيرة
باب العامود (أ ب)

هبة باب العامود البطولية ليست مقطوعة السياق بل هي استمرار لهبة البوابات الإلكترونية المجيدة و"انتفاضة القدس 2015" التي يسميها الاحتلال بانتفاضة السكاكين، وغيرها من ردات الفعل الشعبية التي تعبر عن الغضب المتراكم نتيجة حالة الحصار والعزل والإفقار التي استهدفت المدينة المقدسة، بشكل خاص، على مدى نصف قرن من الاحتلال وتفاقمت في العقدين الأخيرين، من خلال إقامة الجدران وتعزيز الحواجز العسكرية حول المدينة وتعميق الاستيطان في محيطها وبين وداخل أحيائها بهدف تفتيتها وخلق واقع ديموغرافي ينسجم مع مخططات الاحتلال.

د. نظمي الجعبة

حول المعاناة والقهر اليومي الذي يتعرض له أهالي القدس وصمودهم في وجه المخططات التي تستهدف وجودهم وهوية مدينتهم كان هذا الحوار مع المقدسي وأستاذ التاريخ والآثار في جامعة بيرزيت د. نظمي الجعبة.

"عرب 48": يبدو أن القدس تركت وحيدة أو أن الاحتلال استفرد بها بعد أن عزلها عن جغرافيتها السياسية، الضفة الغربية وقطاع غزة، ثم عزل غزة عن الضفة، فنراها تنتفض في كل مرة لوحدها وتنتصر لوحدها؟

الجعبة: من المبكر الحكم بأن شرارات هبة باب العامود لا تنسحب على المناطق الأخرى المحتلة منذ عام 1967 وحتى على الـ48، فشرارات الانتفاضات الفلسطينية، باستثناء الأولى، انطلقت من القدس لما لها من حساسية تمتد إلى خارجها وقد تصل إلى أبعد من نطاق فلسطين أيضا، ولكن دعنا نحدد النقاش بما يدور الآن وفهم خلفياته وأبعاده.

الحقيقة أن القصة لها أبعاد مختلفة أقلها درج باب العامود، علمًا أنه دائما هناك شرارة تفجر الأوضاع، فالقدس اليوم - ما يسمى بالقدس الموحدة العاصمة الأبدية لإسرائيل -، كما تزعم الأخيرة، أكثر من 40% من سكانها عرب فلسطينيين وهذا بحد ذاته عنصر مفجر، لأن 40% من سكان المدينة مسلوبي الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية، حيث تشير معطيات مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية إلى أن 80% من هؤلاء السكان يعيشون تحت خط الفقر.

فرحة المقدسيين بإزالة سواتر الاحتلال الحديدية من باب العامود (أ ب)

بعد 54 عاما من الاحتلال الإسرائيلي للشطر الشرقي من المدينة تحولت كل أحياء المدينة إلى أحياء صفيح، فغالبية أحياء القدس الشرقية ما عدا قسم بسيط يمتد من باب العامود إلى بيت حنينا، تعاني من اكتظاظ سكني شديد وفقر مدقع وتخلو من الخدمات الأساسية.

بعد 54 عاما من الاحتلال جرى تدمير الاقتصاد المقدسي وتهميشه إلى حد كبير، بعد أن كانت المدينة تعيش كطبقة وسطى بشكل عام، أصبحت مدينة فقراء تعشش فيها كل أمراض الفقر التي يتحدث عنها علم الاجتماع، والتي لا نرى داع للدخول في تفاصيلها.

فقد فقدت المدينة نسيجها العمراني ونسيجها الحضري عبر تفتيتها بالمستوطنات، التي بداخلها بين الأحياء والجيوب الاستيطانية التي في قلب الأحياء والبؤر الاستيطانية التي في داخل البيوت الفلسطينية، وجرى عزل المدينة عن امتدادها الحضري والاجتماعي في الضفة الغربية، عبر الجدار وعبر نقاط التفتيش، وبالتالي جرى تقطيع أوصال هذه المدينة بحيث أصبحت أجزاء متناثرة وكأنها ليست مرتبطة ببعضها البعض.

"عرب 48": الاستيطان يخترق الأحياء المقدسية ذاتها في الشيخ جراح وسلوان حيث يجري إخلاء عائلات فلسطينية وإحلال مستوطنين مكانها؟

الجعبة: نعم، يجرى اقتلاع الفلسطينيين من بيوتهم في الشيخ جراح وسلوان بحجة أنها كانت مملوكة لليهود قبل الـ48 وكأن الفلسطينيين ليس لهم أملاك داخل الأرض الـ48، علمًا أن ابن القدس الذي يقتلع الآن من الشيخ جراح هو يملك بيتًا في القدس الغربية، بمعنى أن حراك الشباب المقدسي يعبر عن كل هذا القمع المتواصل والذي يشمل ملاحقة المؤسسات المقدسية، فاليوم أصبح من شبه المستحيل عقد اجتماع لمناقشة كتاب حول قضية اجتماعية في القدس وليس كتابا يتحدث عن الاحتلال، كتاب تاريخ أصبح ممنوع المناقشة في القدس.

وبالتالي فإن درجة القمع الإسرائيلية أصبحت لا تصدق، و"هبة باب العامود" كغيرها من الهبات السابقة تقول إن الوعي بالهوية الوطنية لم يذب، وإن كل محاولات الأسرلة والتهويد وغيرها ومنح الجنسية الإسرائيلية لعشرة آلاف أو عشرين ألفًا من المقدسيين، لم يؤثر أبدا على الهوية الوطنية للقاطنين في القدس.

(أ ب)

يكفي أن نستحضر المشهد الذي يدور اليوم في باحة المسجد الأقصى، حيث يقوم مجموعة من الزعران يسمون أنفسهم "متدينون قوميون"، باجتياح هذه الساحة بهدف الاستفزاز وليس لهدف العبادة كما يدعون، أنه مظهر مسرحي رخيص جدًا، عشرات الشبان بعمر 14-15 سنة أكثر من نصفهم تتكرر وجوههم يوميًا، وكأنهم متخصصون ومتفرغون لاستفزاز الناس داخل المسجد الأقصى، وطبعا المشاعر تتأجج في شهر رمضان المبارك.

مثل هذه الحركات البذيئة تضاف إلى التأثيرات العميقة التي تركتها جائحة كورونا على الناس وتصب الزيت على سياسة القهر والحصار والإفقار المتواصل، فيأتي عود الكبريت الذي يشعل الغضب المقدسي من خلال إغلاق "درج باب العامود" الذي يشكل مساحة لقاء المقدسيين في الشهر الفضيل.

"عرب 48": محاصرة المدينة وعزلها عن محيطها وتضييق الخناق على سكانها أراد تحقيق أهداف سياسية، هي تيئيس السكان الفلسطينيين ودفعهم إلى النزوح لتحقيق أغلبية ديموغرافية مطلقة في "المدينة الموحدة"، تنسجم مع الرؤية الإسرائيلية لها كعاصمة موحدة أبدية، كما يزعمون؟

الجعبة: الاحتلال يخير المقدسيين بين أن يذوبوا كعمال نظافة في القدس الغربية وبين الرحيل عن القدس، واليوم الكم الأكبر من أبناء القدس الشباب يشتغلون عمال نظافة، بمعنى أننا نحن المقدسيين من ينظف القدس الغربية بفنادقها ومطاعمها ومستشفياتها وشوارعها، نحن الذين نقود الباصات والشاحنات والتركات في القدس الغربية، أصبحنا في أسفل السلم، سلم الرواتب ونحن نعيش في أغلى المُدن، فالقدس مدينة غالية جدا ودخل المقادسة هو أدنى دخل ممكن أن يتصوره إنسان.

تخيل العامل الذي يراوح راتبه 5 - 6 آلاف شيكل يدفع أجرة الشقة 5 آلاف شيكل والحال كذلك، لا غرابة بأن 60% من سكان مخيم شعفاط، وهو مخيم اللاجئين الوحيد في القدس، هم من غير اللاجئين، فبينما يخرج السكان من كل مخيمات الضفة إلى المدن والقرى المجاورة بحثًا عن مستوى حياة أفضل، يستقطب مخيم القدس سكان من غير اللاجئين ليحظوا بإعفاء من الأرنونا والمياه والكهرباء وغيرها من الخدمات التي لا تستطيع رواتبهم المتواضعة تحمل أعبائها.

تخيل أن المقدسي عندما يريد أن يرفه عن نفسه يذهب للسهر في رام الله، إلى هذا الحد لم يعد في المدينة مكان للتنفس.

"عرب 48": بمعنى أن الضم والهوية الزرقاء التي حصل عليها المقدسيون لم تجلب لهم أي امتياز حتى في المستوى المدني المعيشي، مثلما هو حالنا نحن فلسطينيي 48، بل العكس؟

الجعبة: الهوية الزرقاء كانت نقمة وليست نعمة، فهي لم تمنحنا أية امتيازات، فالامتياز الوحيد الذي منحتنا إياه هو حرية الحركة وسلبتنا بالمقابل كل الحقوق، فعلى سبيل المثال لم يزدد عدد الغرف الفندقية في القدس بغرفة واحدة منذ عام 1967، رغم أنها مدينة سياحية، مدينة حجاج، بالمقابل ازداد عدد الغرف في رام الله على سبيل المثال بـ4000% وفي بيت لحم 6000%.

(أ ب)

هذا مؤشر واضح على ما يتعرض له الاقتصاد المقدسي من تدمير وتحويل الناس إلى مجرد عمال يشتغلوا بالمؤسسات والمشاريع الإسرائيلية، ولم يبق سوى بضع دكاكين في البلدة القديمة يكون أحيانًا نصفها أو ربعها مغلقا، وهي المكان الوحيد المستفيد من السياحة، علما أن عوائد السياحة الأساسية تذهب في كل الأحوال للجانب الإسرائيلي بصفته المزود الأساسي لكل السياحة.

"عرب 48": عودة إلى الهبة فإن ما مثل تلك الهبات العفوية رغم البطولة التي تميّزها والانتصار العيني الذي تجلبه، فإن افتقارها إلى التخطيط والتنظيم والقيادة يجعلها تدوم بضعة أيام أو أسابيع ثم تخبو بانتظار الهبة القادمة؟

الجعبة: أولا الهبة هي فقط الشرارة التي تعبر عن كل هذا القمع المتراكم والإحباط المتراكم، وهي وإن تمت بشكل عفوي، ردة فعل واعية من قبل هؤلاء الشباب الذين يتحدوا الاحتلال وهم على استعداد للموت والاستشهاد في سبيل قضية مثل الأقصى أو باب العامود، أنها تعبير عن هوية المدينة وهذه، دعني اسميها، القلاع الأخيرة التي يدافعوا عن وجودهم من خلالها.

"عرب 48": يبدو وكأن الاحتلال الذي يسعى إلى تهجير المقدسيين لتغيير التوازن الديموغرافي في المدينة، لا يترك لهم "مهربا" إلى الضفة الغربية؟

الجعبة: الضفة الغربية لم تعد خيارًا بالنسبة لأهل القدس، المقادسة لن يغادروا مدينتهم والإسرائيليين أدركوا ذلك، فهم أقاموا الجدار في البداية واعتقدوا أن من يقع خلف الجدار يفقد هويته، إلا أن الناس تدبرت أمورها وانتقلت بشكل كبير إلى داخل الجدار وحاولت أن تفرض أمر واقع جديد بدون تنظيم وبدون دعم.

وبالتالي فإن الإسرائيليين أدركوا أن ما يفعلوه لن يخدم سياستهم ولذلك خففوا من هذه الوطأة، التي كانت تتم من خلال التأمين الوطني وصندوق المرضى، وغيرها بعد أن أدركوا أن الذين سيعودون إلى المدينة سيشكلون عبئا كبيرًا عليها ولذلك من الأفضل أن يظلوا في أماكنهم.

(أ ب)

"عرب 48": هم جمدوا أو خففوا من سياسة سحب الهويات وعززوا من سياسة التضييق والإفقار والحصار التي تؤدي إلى نفس الهدف؟

الجعبة: سياسة تغيير التوازن الديموغرافي في القدس فشلت فشلا ذريعا، والفلسطينيون العرب يشكلون اليوم في "القدس الموحدة" 40% من السكان وداخل البلدة القدية يوجد 3500 مستوطن يهودي من مجموع 40 ألف إنسان.

كل مخططاتهم التي تحدثت عن تقليل نسبة العرب الفلسطينيين إلى أقل من 20% ذهبت أدراج الرياح، عندما ضموا القدس الشرقية كان في "القدس الموحدة" 17% فلسطينيين واليوم هناك 40%، هذا ناهيك عن الإشكالية في التركيبة السكانية اليهودية نفسها، حيث يشكل العرب والحريديين 60% من سكان "القدس الموحدة"، وبالتالي ما هي هوية العاصمة التي يدعوها، قبل بضعة أيام قام "نتوري كارتا" بإحراق العلم الإسرائيلي ورفع العلم الفلسطيني في يوم استقلال إسرائيل واليوم في باب العامود يرفعون العلم الفلسطيني.

إسرائيل تتعامل معنا كمشكلة أمنية ولذلك توكل المهمة لقوى الأمن الإسرائيلية وتنصب مئات الكاميرات في شوارع القدس، والعسكر يثبت أنه غير قادر على التعامل مع قضية القدس لأنها قضية سياسية وطنية، والقدس التي يدّعوا أنها موحدة لم تكن يوما مقسمة كما هي مقسمة اليوم، بغض النظر عن الجيوب الاستيطانية التي زرعوها داخلها، فتلك أشبه بالمعسكرات.

ولكي يسيطروا على غرفة في البلدة القديمة يجب أن يحولوها إلى معسكر يجب حراسته بالجنود على مدار 24 ساعة، إضافة إلى إضاءته بالكشافات وإحاطته بالكاميرات، وبالتالي يصبح من يعيشون فيه بالنسبة لسائر السكان كالقرود داخل أقفاص، أنه لشيء مضحك مبكي في ذات الوقت لأن السكان الفلسطينيين يدفعون الثمن.

"عرب 48": ولكن يبدو مع ذلك أن القدس تركت وحيدة، بعد انسحاب السلطة التدريجي منها بالمعنى المجازي وتركت وحيدة؟

الجعبة: السلطة أيديها مقيدة وإمكانياتها متواضعة، ورغم أن هناك شيئا أفهمه وآخر لا أفهمه وشيئا أعرفه وآخر لا أعرفه إلا أننا نحن من يدعم السلطة وليست هي من يدعمنا.

(أ ب)

كما أننا لا نشعر أننا وحيدون فالأرض المحتلة منذ عام 1948 معنا في كل الوقفات، حيث أصبحنا جزء متواصل، بينهم عدد كبير يسكنون في القدس وصاروا جزءا منا وضمن نسيجنا الاجتماعي، وفي كل الهبات تأتينا فزعات من الداخل وبالتالي لا نشعر أن أحدًا يستفرد بنا.

"عرب 48": المقصود هو السلطة الفلسطينية ونحن رأينا كيف جرى استغلال الهبة الأخيرة وتوظيفها لهدف تأجيل الانتخابات لأنها لا تخدم قيادتها؟

الجعبة: السلطة مقيدة اليدين وإمكانياتها أضعف من أن تستطيع أن تقدم أي مساهمة للقدس، وبالنسبة للانتخابات فالمسألة أنهم "ظبوا الطابق" بعد أن قرأوا أوراقهم بشكل صحيح، بغض النظر إذا كان على رؤوسهم حطة أو على رؤوسهم هلال ولا علاقة للقدس بالموضوع.

أما بالنسبة لسؤالك المتعلق بغياب إستراتيجية وقيادة، فأنا أعتقد أن إستراتيجة أهالي القدس كانت هي البقاء في المدينة، بغياب أي وسيلة أخرى سوى البقاء والحفاظ على الحد الأدنى من الحقوق، وهي إستراتيجية ما زالت خيار المقدسيين الوحيد لأن ما تبقى سيحله الزمن والزمن ليس ضدنا.


د. نظمي الجعبة: من مواليد القدس (1955) وسكانها، يحمل درجة الدكتوراه بالدراسات الشرقية والآثار من جامعة توبنغن في ألمانيا (1991).

أستاذ في دائرة التاريخ والآثار في جامعة بيرزيت (منذ 1991) ومدير متحفها (منذ 2019)، مدير مشارك سابق، رواق – مركز المعمار الشعبي (1994-2010)، مدير سابق – المتحف الإسلامي الحرم الشريف – القدس (1980-1984).

خبير في شؤون القدس والمقدسات، خبير بالتراث الثقافي الفلسطيني. عضو اللجنة الرئاسية لترميم كنيسة المهد (منذ 2012)، عضو هيئة إدارية في مجموعة من مؤسسات المجتمع المدني الثقافية والفكرية والمتحفية.

له مجموعة من الكتب والمقالات في حقول التاريخ والآثار والتراث الثقافي بشكل عام وتاريخ القدس والخليل بشكل خاص.

آخر منشوراته: "حارة اليهود وحارة المغاربة في القدس القديمة: التاريخ والمصير ما بين التدمير والتهويد" (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2019)؛ "القدس في الكتابات التاريخية الإسرائيلية (الرباط: منشورات بيت مال القدس الشريف، 2019)؛ "لفتا: سجل شعب: التاريخ والتراث الثقافي والنضال" (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية).

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص