أبو شحادة: "هناك فرصة لتوحيد وإعادة بناء الحركة الوطنية يجب عدم إهدارها"

أبو شحادة: "هناك فرصة لتوحيد وإعادة بناء الحركة الوطنية يجب عدم إهدارها"
من جنازة الشهيد محمد كيوان في أم الفحم (عرب 48)

قبل أن تنبت تل أبيب من زبد وسحاب وبنايات بيضاء، هبطت من أوروبا، مثل فتافيت الثلج في الصحراء - كانت يافا، الساحة الخلفية، المتروكة... الخطيئة الأولى كالنمر النائم الذي جلسوا على ذنبه.

تستطيع تل أبيب أن تنظر وتتطور شمالا.. وإدارة الظهر ليافا لكنها لن تستطيع الفرار منها... سنوات من النكران والتدجين، بيوت الأغنياء التي بنيت بجوار شريط الشاطئ والميناء، أدارت وجهها عن يافا إلى البحر صوب أوروبا.

سنوات طويلة تواصل تل أبيب، بصفتها مشروعا صهيونيا، احتلال يافا بأدوات ثقافية واقتصادية لا تقل قسوة عن الفولاذ والبارود، أرادت تطبيعها وجعلها أكثر يهودية وصهيونية.. بل تحويلها إلى زاوية دعاية "إكزوتية" في مدينة غربية، لكن اللاوعي ظل يتدفق وحقيقة أن النمر نائم لا تعني أنه شبع، في الأسبوع الأخير استفاق وطالب بحصته.

هكذا وصف تقرير "هآرتس" عن الأحداث الأخيرة حال يافا، التي تصدرت هي وأخواتها من مدن الساحل الفلسطيني ما سمي بـ"جبهة الداخل" في المواجهة الشاملة التي امتدت على مساحة فلسطين التاريخية.

الصحيفة لفتت إلى أنه لم يبق الكثير من الآثار المادية من أحداث الأيام الأخيرة في يافا، سوى سيارة متفحمة واحدة تقف خارج مطعم حمص أبو حسن في شارع "الدولفين"، مشيرة إلى أنه حتى لو عاد الهدوء إلى الشارع فهذا لا يعني أنه قد عادت إليه سكينته لأن لا شيء قد وجد حله.

النائب سامي أبو شحادة (فيسبوك)

حول أحداث يافا والمدن الساحلية التي تصدرت هبة الداخل الفلسطيني في المواجهة الأخيرة، وعن الهبة والمواجهة عموما كان هذا الحوار مع ابن يافا النائب عن التجمع الوطني الديمقراطي في القائمة المشتركة، سامي أبو شحادة.

"عرب 48": الشرارات الأولى بدأت في يافا، حتى قبل الشيخ جراح في القدس، والجامع هو الاستيطان والإحلال الذي يتواصل في القدس ويافا وغيرها من المدن والتجمعات الفلسطينية متجاوزا التقسيمات والخطوط الخضراء والحمراء؟

أبو شحادة: القضية أن هناك حالة من التمييز والعنصرية تجاه كل ما هو فلسطيني على امتداد فلسطين التاريخية، وهي حالة تعاني منها كل التجمعات الفلسطينية بطرق مختلفة وبتفاوتات معينة وترتبط بطبيعة الاستعمار الاستيطاني الجاثم عليها.

وفيما يتعلق بالاستيطان في المدن "المختلطة" فإن الموضوع يدور عن مشروع طالما تحدثنا عنه في السابق ولم يتم أخذه بجدية، وجرى الاستهتار بفاعليته وحجمه وأثره على مدننا، وهو مشروع بدأ منذ فك الارتباط مع غزة عام 2006، وهنا يجب التمييز بين الصهيونية كحركة استعمارية استيطانية تاريخيا، وبين المشروع الجديد للاستيطان بعقلية الاستيطان ولغة الاستيطان وخطاب الاستيطان الحديث، المدعوم بفكر ديني وفاشي يجري التربية عليه وترجمته في الضفة الغربية، ويمتد إلى الداخل ومدن الساحل الفلسطيني بشكل خاص.

جانب من مشاركين في وقفة احتجاجية ضد إخلاء بيوت عربية بيافا ("عرب 48")

لقد بادرت الحركات الاستيطانية الأكثر تطرفا بعد خطة فك الارتباط إلى مشروع إستراتيجي أسمته "الاستيطان في القلوب"، والذي جاءت فكرته بعد الإجابة على سؤال، ما هو المشترك بينهم وبين يهود الخط الأخضر وتوصلوا إلى إجابة بأن هناك إجماعا صهيونيا على أن العرب قنبلة ديموغرافية.

وبما أن 90% من السكان في إسرائيل يسكنون في حالة فصل عنصري بين العرب واليهود، (تجمعات يهودية وتجمعات عربية) فقد استنتجوا أن القضية الديموغرافية تبرز في المدن "المختلطة" ولذلك جاءوا واستوطنوا في قلب هذه المدن وزرعوا ما يسمي "الأنوية التوراتية" في قلب الأحياء العربية، تحت شعار تعزيز اليهود في هذه المدن، والمقصود تعزيزهم بالفكر الديني الاستيطاني.

"عرب 48": هم "تبشيريون" بهذا المعنى؟

أبو شحادة: طبعا، هناك بعد تبشيري واضح يصرحون به، ولكن هناك أبعاد أخرى في مشروعهم أهمها إقامة مدارس دينية وفق اتفاق بينهم وبين الدولة لإعداد شبابهم للوحدات القتالية في الجيش الإسرائيلي، وتشمل عملية الإعداد تلقينهم الفكر الصهيوني الديني الاستعلائي الذي يؤمن بطهارة العرق اليهودي وأنّ اليهود هم أسياد هذه البلاد.

هؤلاء موجودون بيننا في حي العجمي في يافا وفي سائر المدن "المختلطة"، ولك أن تتخيل أن هؤلاء يؤمنون بهذا الفكر يتم زرعهم في قلب الأحياء العربية الباقية في المدن "المختلطة"، إنها سياسة مكشوفة لاقتلاع العرب بالطرق الأكثر فظاظة.

هم يأتون من مستوطنات الضفة الغربية يرممون المدرسة الدينية المهملة ويحولوها إلى نواة لنشاطهم ثم يبدأوا بشراء بيوت حولها، في يافا مثلا، الراف إلياهو مالي والراف ألبيرت جاءا من الجمعية الاستيطانية "عطيرت كوهنيم" وهي أكثر الجمعيات الاستيطانية تطرفا وتنشط في قلب البلدة القديمة في القدس.

"عرب 48": لديهم مشاريع إسكان خاصة بهم أيضا؟

أبو شحادة: هم يبدأون ببناء مجموعات صغيرة منفصلة عما هو حولها، بادعاء ديني وبذريعة أنهم يريدون الحفاظ على "كشروت"، ولكن هناك ادعاءات عنصرية أيضا مثل الحفاظ على طهارة العرق اليهودي من الاختلاط بالدم العربي من خلال التزاوج معهم، فهم يرون بذلك خطرًا إستراتيجيا يجب منعه.

"الأنوية التوراتية" موجودة وفاعلة اليوم في يافا وحيفا واللد والرملة بتفاوتات معينة، ترتبط أساسا بالتوازن الديموغرافي في كل مدينة وأخرى، وليس من الغريب أن يتفجر الوضع في اللد أساسا، حيث يشكل العرب قرابة ثلث السكان، ولذلك عندما كان شارون رئيسا للحكومة قام بنقل ملف اللد وعكا إلى مكتب رئيس الحكومة وأصبحت الدولة بمؤسساتها تعمل على تهويد مكثف في هاتين المدينتين.

صورة من الاعتداء على بيت عربي بيافا

الآن هؤلاء جيدون لعملية التهويد، أولا لأنهم يوازنون الأرقام بسبب التكاثر الطبيعي لديهم، ولذلك يتم دعمهم بشكل كبير من قبل مؤسسات الدولة، وإلى جانب الدعم العام الهادف إلى تشجيع بقاء اليهود عموما، في اللد مثلا، جرى إقامة محكمة كبيرة جدًا وتطوير المنطقة الصناعية وتخفيض في الضرائب لكل إنسان يمارس نشاط في المدينة وبناء أحياء جديدة لليهود الذين ينتقلون للسكن في اللد، إلى جانب ذلك يتم دعم "الأنوية التوراتية" الاستيطانية ومدارسها الدينية ونشاطاتها الأخرى.

"عرب 48": هم ضالعون في مفاصل حساسة في الدولة؟

أبو شحادة: هناك المشروع القديم الخاص بـ"جوش إيمونيم" منذ الثمانينيات والذي يستهدف السيطرة على مفاصل الدولة في إسرائيل، وقد بدأوا في الميادين والمؤسسات التي لا يسعى وراءها سائر اليهود، مثلا، لا تستهويكم الشرطة نحن نأخذها، فهم يسيطرون على وزارة الزراعة منذ سنوات وكل ما يتعلق بالأرض وما يسمى بدائرة أراضي إسرائيل وبالاستيطان وتوزيع الموارد.

ثم انتقلوا إلى كل الوزارات التي تهمهم واليوم غالبية أدرات الوزارات بأيديهم، وهم يفوزون بكل مناقصات الإسكان التي تجري في المدن "المختلطة بسبب العلاقة بينهم وبين "المنهال"، ففي يافا على سبيل المثال، دخلنا مناقصة كان سعر الحد الأدنى فيها 4 ملايين شيكل، فوضعنا نحن 4.600 وفازوا بها بـ4.625 ولو وضعنا 5.600 لوضعوا 5.625، علما أن المناقصة يفترض أن تكون سرية.

"عرب 48": لا شك أن مؤسسات الدولة متواطئة معهم؟

أبو شحادة: من الجدير الإشارة إلى أن غالبية سكان اللد والرملة وحيفا وعكا، اليهود كانوا يصوتون لليمين، فحتى عندما كانت "مباي" في السلطة قبل 1977 كانت تفوز بكل البلديات في البلاد وتخسر بلدية اللد وعكا لليكود، واليوم ما زالت بلديات اللد والرملة وعكا مع الليكود.

وهذا دليل على أن سكن العرب واليهود المشترك لم يبن مجتمعا مدنيا إنسانيا حديثا، بل ظل محكوما بسياسة الاقتلاع والإحلال والفصل العنصري، وهم قلقون لأن شبابهم يغادرون هذه المدن بعد إنهاء الخدمة في الجيش، بسب الحصول على فرص أفضل.

مستوطنون بحماية الشرطة في اللد (أ ب)

"عرب 48": لهذا السبب جاء هؤلاء المستوطنون لتعزيز الوجود اليهودي في هذه المدن؟

أبو شحادة: جاءوا هؤلاء إلى أرض خصبة.

"عرب 48": طبعا كل ذلك يحدث بموازاة الاستيطان الكلاسيكي المدني العلماني الذي يتواصل على قدم وساق أيضا؟

أبو شحادة: صحيح، وهم يتناقضون معه لأول وهلة، ويقولون لك إنهم معك ضد رفع أسعار البيوت لأنهم يتضررون منها أيضا، بينما يقع أهالي يافا والمدن "المختلطة" بين فكي كماشة تجار العقارات والاستيطان الأيديولوجي، علما أن هناك تباينات ففي يافا رئيس بلدية تل أبيب - يافا، يريد أن يلائم بين مصالح مختلفة وهو محسوب على المستثمرين وليس على المستوطنين، في حين أن رئيس بلدية اللد محسوب على المستوطنين.

"عرب 48": كذلك الديموغرافية في يافا لا تحتل الأهمية ذاتها التي تحتلها في اللد وعكا مثلا؟

أبو شحادة: السكان العرب الذين يشكلون 40% من سكان يافا البالغة 50 ألف نسمة يشكلون 2.5% فقط من سكان تل أبيب - يافا، ولذلك فإن العامل الديموغرافي لا يلعب دورا كبيرا، بالمقابل فإن عرب يافا وبعكس اللد والرملة لا يوجد لهم "مفر" إلى جديدة - المكر أو كفر قاسم.

في يافا أنت محاط بمليوني يهودي من بات يام وحولون وريشون لتسيون جنوبًا وحتى رمات جان وجفعتايم شمالا، وهم لا يأخذون العجمي ليعطونك رمات أفيف ولذلك فإن الناس تتعامل مع قضية السكن كقضية وجود.

"عرب 48": بالعموم، الهبة الأخيرة قلبت المعادلات السياسية القائمة؟

أبو شحادة: نحن في التجمع الوطني الديموقراطي قلنا دائما إن القضية لم تبدأ في الـ67 بل أن هناك نكبة وقعت عام 1948، وكل عملية تجاهل للحدث الأهم في الصراع وهو النكبة لن يؤدي إلى حل عادل يمكن التعايش معه.

محتجّون في البعنة ودير الأسد

وما جرى الآن أن مستوطنين يعتدون على أهل البلد الأصليين بحماية الشرطة، مستوطنون جاءوا من بيت إيل ويتسهار وحصلوا على دعم كامل من وزير الأمن الداخلي، الذي شرعن قتل شهيد اللد، موسى حسونة، ويقول إنه يتعامل مع المستوطنين كقوة متممة لقوات الشرطة والأمن.

"عرب 48": بدا واضحا أن المواجهة الأخيرة أظهرت نفس المستوطنين في الضفة واللد ويافا أمام نفس الشعب في القدس والداخل وغزة والضفة، وخلقت حالة اكتشفت الناس فيها سامي أبو شحادة وتهمش فيها نهج أيمن عودة ومنصور عباس؟

أبو شحادة: أنا أميّز بين الاثنين، ناهيك عن أننا نتعامل في الجبهة مع مؤسسة حزبية لديها هيئات قادرة أن تراقب وتحاسب وتوجه وتصوب، على الرغم من أنه في الحركة الإسلامية الجنوبية صدرت مؤخرًا إشارات إيجابية معارضة للنهج السائد في الحركة، لا أعرف مدى الرهان عليها أيضا.

ولكن ما حدث أن المستعمر جاء وأعاد رسم الخطوط التي كانت غامضة، رسمها بالخط الأحمر العريض، وأوضح أنه ليس أنك غير مرحب بك فقط، بل يمكن إطلاق النار عليك عندما تقف في المظاهرة ويمكن جلب ابنك البالغ 13- 14 عاما للمحاكمة وإطلاق الرصاص والقنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع على مظاهراتك السلمية.

أحد المصابين بمنطقة حساسة في جسده في القدس

كما أن المستوطنين يأتون إلى بيتك أنت اليافاوي أو الحيفاوي الذي غيرت اسمك ولهجتك وصرت "تقرط" بلغتهم مقلدًا، جاءوا إلى بيتك ووضعوا عليه X بغية الاقتصاص من ساكنيه في وقت لاحق، وأنا أعتقد أن معركتنا ما زالت في بدايتها حيث ستدخل مرحلة المقاطعة الاقتصادية وحملة التحريض على القيادات وغيرها من الإجراءات كما حدث في انتفاضة الأقصى عام 2000.

"عرب 48": بالمقابل ستبدأ خيام التعايش وحملات النفاق والتملق التي شهدتها تلك الفترة أيضا؟

أبو شحادة: كل ذلك على هامش المجتمع في حين أن الغالبية مع الخط الوطني والقراءة الوطنية للواقع ومع الكرامة الوطنية، في الهوامش لدينا أشخاص تخدم في الجيش الإسرائيلي أيضا، وحربنا على الرواية قديمة وستتواصل حول الأحداث الأخيرة أيضا، حيث سيتهموننا بأننا نحن من اعتدى وحرض وضرب الحجارة.

لذلك علينا توثيق كل الاعتداءات التي حصلت علينا، واليوم بخلاف عام 2000 هناك كاميرات وفيديوهات لكل شيء، كما يجب العمل على تدويل القضية وهذا ما بدأنا به بلقاء السفير السويسري ولقاء السفراء في الشيخ جراح والسفراء والدبلوماسيين في يافا والمطالبة بالحماية الدولية.

الوفد الأوروبي في الشيخ جراح (أ ب)

وهناك سوء فهم لمفهوم الحماية الدولية حيث أن هناك من يعتقد أن المقصود هو قيام الأمم المتحدة بإنزال قوات دولية في يافا، فهناك أربعة أنواع للحماية الدولية والأمر يتعلق بنوع الصراع، ومن الممكن أن نطالب بالحماية الدولية التي تقتصر على وضع رقابة على تعامل أجهزة الشرطة والأمن مع الأقلية الفلسطينية في الداخل.

"عرب 48": الهبة أعادت الاعتبار للخطاب الوطني الذي انحسر مؤخرا، فما هو مطلوب لاستثمارها؟

أبو شحادة: هذه فرصة للانطلاق بالتجمع والحركة الوطنية وإعادة توحيدها، فلا يعقل استمرار حالة التشرذم القائمة في الحراك والعمل الوطني، ويجب أن نسعى لإعادة بناء الحركة الوطنية وتوحيدها، وإذا كان هناك خلاف على الكنيست يمكن حسمه بالأغلبية أو بالتوافق بين المركبات المختلفة.

هذا نقاش قائم في التجمع منذ قيامه، ولن يحول دون أن نتوحد للعمل في الميدان وفي الشارع وفي الساحة الدولية وعلى كل المستويات، وهذه فرصة يجب عدم إهدارها.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص