حوار | حباس: "الاستيعاب الذاتي" نهج منصور عباس

حوار | حباس: "الاستيعاب الذاتي" نهج منصور عباس
بينيت وعباس في الكنيست، يوم الأحد الماضي (أ.ب.)

في مقال نشره في مجلة "قضايا إسرائيلية" الصادرة عن مركز "مدار" يحاول الباحث، وليد حباس، قراءة ما يصفه بالنهج السياسي الجديد لمنصور عباس، بالاستناد إلى تجربة الاستعمار الاستيطاني التاريخية وعلاقته بالسكان الأصليين، وهو يشير إلى ثلاث مراحل تميز هذه العلاقة هي؛ "المواجهة"، "العزل" ثم "الاستيعاب".

وبالاستناد إلى تجربة الأميركيتين يبين كيف تمثلت المواجهة بالعمل العنيف والمباشر، من خلال الإبادة واستدخال الأوبئة أو الطرد الجماعي ثم عزل ما تبقى لاحقا من السكان الأصليين، في محميات لضمان عدم تطورهم إلى كتلة اجتماعية تقض مضجع النسيج الاجتماعي للمستوطنين، وهو ما قد لا يختلف جوهريا، على حد قوله، عن الحكم العسكري الذي فرضته إسرائيل على ما تبقى من الفلسطينيين منذ عام 1948 وحتى عام 1966.

أما سياسة الاستيعاب، فيلجأ من خلالها المستعمر إلى محو الأصلانية كمقولة وممارسة وصيرورة من خلال استيعاب ما تبقى من السكان المحليين داخل التشكيلة الاجتماعية للمستعمرة.

وبغض النظر عن اختلاف الاستعمار الاستيطاني في فلسطين كون الصراع لا يتمظهر حول العرق واللون، كما يقول، ويميز المستوطن نفسه من خلال الدين فإن الخصوصية الفلسطينية تجعل من غير الممكن استيعاب الأصلانيين، إلا على المستوى السياسي بحيث يتم الإبقاء على مكوناتهم الثقافية والاجتماعية، ويتنازلون عن هويتهم السياسية ويقطعون الخيوط التي تربطهم بجذورهم التاريخية باعتبارهم جزءا من شعب يسعى لبناء دولة، ولكن يبقى السؤال إذا كانت إسرائيل معنية باستيعابهم حتى لو تنازلوا عن هويتهم السياسية القومية؟

وفي ظل رفض الدولة لاستيعاب العرب سياسيا، فإن مطالبة منصور عباس باستيعاب ذاته، يعتبر محرجا بالنسبة لليمين الصهيوني، كونه يحاول إلغاء الأبارتهايد من خلال أدوات يستخدمها المستعمِر نفسه وهي الاستيعاب.

ويرى المقال أن ممارسة منصور عباس السياسية تشكل بداية نهج سياسي جديد للأحزاب العربية، يريد رفع مكانة الأحزاب العربية والسماح لها بلعب الدور نفسه الذي تلعبه أحزاب صهيونية، من خلال فتح كافة مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية أمامها، وهو يرى أن الطريق إلى هذه الإمكانية تأتي من خلال التنازل عن الهوية القومية الجماعية للمواطنين العرب داخل إسرائيل.

ورغم أن الكاتب يرى أن التوصية على غانتس ونهج عباس ينبعان من مأزق الموازنة، ما بين البعد القومي والبعد الاجتماعي - المدني لدى الأحزاب العربية في الداخل، الذي تعمق بعد أوسلو، إلا أنه يلمس اختلافا نوعيا بينهما، إذ يعتبر أن توصية القائمة المشتركة بتكليف غانتس رئيسا للحكومة، والتي جاءت بعد سجالات حامية الوطيس داخل أروقة المشتركة، لم تنطوي على تنازل عن أحد البعدين لصالح الثاني، وإنما جاءت مدفوعة بأسباب خارجية لا تتعلق بجوهر الممارسة السياسية ومآلاتها لدى القائمة المشتركة، وتمثلت هذه الأسباب الخارجية في اعتقادها بأنها يمكن أن تطيح بحكم نتنياهو.

في المقابل، فإن خطاب عباس جاء تتويجا لنهج سياسي جديد مدفوع، ليس بأسباب خارجية آنية، وإنما بإعادة نظر شمولية في شكل الممارسة السياسية للأحزاب العربية ودورها داخل النظام السياسي الإسرائيلي، والذي يشترط التنازل الكلي عن الاختلافات القومية لصالح الاندماج المدني الكامل.

وليد حباس

لإلقاء مزيد من الضوء على جوانب هذا الموضوع كان هذا الحوار مع الباحث في مركز "مدار"، وليد حباس.

"عرب 48": اعتبرت ما أسميته بالنهج الجديد لمنصور عباس الذي هو برأيك أبعد من مجرد خطوة إضافية في قضية التوصية على غانتس ونهج التأثير الذي قاده أيمن عودة، اعتبرته بمثابة "استيعاب ذاتي" في مجتمع استعمار استيطاني يرفض حتى استيعاب البقية الباقية من السكان الأصليين بعد استعمار بلادها، كما فعلت الاستعمارات الاستيطانية الأخرى؟

حباس: تفيد التجارب التاريخية للاستعمار الاستيطاني أن المستعمر يريد الأرض ولا يريد السكان الموجودين عليها، ولكن ماذا يحدث في علاقة المستعمر بالسكان الأصليين فقد رأينا تجارب عديدة في أميركا، كندا، أستراليا وجنوب أفريقيا أن مشروع الاستعمار الاستيطاني ينطوي على تدخل عنيف ممكن أن يكون "تطهير عرقي" وممكن أن يكون "ترانسفير" أو غيره ولكن بالرغم من ذلك يبقى في النهاية سكان أصليين موجودين على الأرض.

ويجد المستعمر نفسه مضطرا إلى استيعاب ما تبقى من السكان الأصليين، طبعا من الممكن تخيل وجود الطرفين على الأرض في علاقة صراع وممكن أيضا في علاقة تفاعلية يكسب من خلالها الطرفان عناصر اجتماعية وثقافية كل من الآخر وفي النهاية ينتج خليط معين، ولكن المستعمر بالتحديد يريد أن يمحو مفهوم الأصلانية بشكل كامل.

ولكن إذا ما تبقى "بقايا" سكان أصلانيين، هنود حمر أو غيرهم فإن ذلك لا يعتبر مشكلة، ولكن على قاعدة أن هؤلاء أصبحوا أميركيين، يتبنوا الثقافة والأيديولوجيا وطرق العمل السياسي الخاصة بالمستعمرة، وهكذا يكفوا عن أن يكونوا تهديدا لوجود دولة الاستعمار.

في فلسطين يأخذ هذا الأمر منحى مختلفا بعض الشيء لسبب بسيط وهي أن علاقة المستعمِر والمستعمَر رغم أنها تتمحور حول الأرض، هل هي أرض إسرائيلية أم فلسطينية، إلا أن الصراع يتمظهر من خلال مظهر ديني، بمعنى أن المستعمر هنا قدم لأنه يهودي وهو يدعي أن هذه أرض اليهود.

والسؤال ما هي الإمكانية أن اليهودي والعربي يستوعبا بعضهم بعضا؟ ولو كانت العلاقة الصراعية تقوم على العرق واللون، أسود أو ابيض، فقد رأينا مثلا في أستراليا كيف تم تبييض السود بيولوجيا من خلال سياسات التزاوج، ولكن من الصعب أن تستوعب إسرائيل الفلسطينيين في الداخل بتحويلهم إلى يهود، وبالتالي فإن المدخل هو سياسي فقط، أي أن يتنازل الفلسطيني عن هويته القومية وجذوره العروبية ويتحول إلى مجرد إنسان "لا يهودي" يسكن داخل دولة إسرائيل ولا يوجد لديه ادعاءات تتعلق بالهوية السياسية وفي هوية الأرض.

"عرب 48": ولكن حتى هذا غير مطروح على الفلسطينيين في الداخل، فكرة الاندماج كمشاركة كاملة غير واردة لدى إسرائيل؟

حباس: ولذلك أسميت النهج الجديد لمنصور عباس بالاستيعاب الذاتي، أي من طرفه أو من طرف المستعمَرين وليس من طرف المستعمِرين، ولكن في الحالتين مطلوب التنازل عن هويتك القومية ومطالبك السياسية الجماعية.

وهذا النهج يقوم بذلك بوعي أو بدون وعي لكون المجتمع الإسرائيلي غير مستعد ولا يريد وحتى لا يطرح مسألة استيعاب الفلسطيني للنقاش، بمعنى منحهم المواطنة الكاملة واحتلال دور مؤثر داخل اللعبة السياسية الإسرائيلية أسوة بباقي الأحزاب الصهيونية الإسرائيلية وإزالة تلك الثنائية إسرائيلي - فلسطيني، وتحول الكل إلى مواطنين متساوين ضمن وجود أقلية عربية وأكثرية يهودية.

"عرب 48": قضية الاستيعاب غير مطروحة لأننا نختلف عن الهنود الحمر وما يسمى بالشعوب "المنقرضة" في أميركا وأستراليا وكندا ونيوزلندا، لسنا بقايا شعب بل جزء من شعب ما زال موجودا بكثافة على أرضه ويكافح من أجل حق تقرير مصيره في وطنه؟

حباس: حتى في أميركا وكندا هناك الكثير من السكان الأصليين ولكن هؤلاء مع كل الاحترام لنضالهم المستمر، فإنهم لا يطالبون بهوية سياسية أو كيان سياسي بديل عن دولة كندا يسمونها جزيرة "أم السلاحف"، كما كانوا يسموا كندا في السابق، أنهم يطالبون بخصوصية ثقافية ولا يطرحون أنفسهم كبديل سياسي.

بالمقابل فإن الفلسطينيين ما زالوا على رأس مشروع نضالي يطرح نفسه نقيضا للمشروع الصهيوني ولمفهوم الدولة اليهودية، ويصارع على هوية الأرض التي لم يتم حسم هويتها رغم السيطرة الكاملة لإسرائيل عليها، وبالتالي طالما لم تحل القضية الفلسطينية فإن مسألة استيعاب فلسطينيي الداخل غير مطروحة.

"عرب 48": وكأنك تقول إنه بعد حل القضية، بمعنى إقامة دولة أو شبه دولة في الضفة والقطاع، فإن استيعاب فلسطينيي الداخل يصبح واردًا؟

حباس: حاليا "البردايم" الذي يحكم تفكيرنا هو المنظومة التي فرضها اتفاق أوسلو والتي اعترف بها المجتمع الدولي وهي بردايم حل الدولتين، بغض النظر إذا كنا نتفق أو نختلف معه، وهناك إجماع دولي يقر بأن الفلسطينيين لهم دولة، بصرف النظر اذا كانت على أراضي الـ67 أو على جزء منها.

هذا الأمر أحدث نقلة نوعية لدى فلسطينيي الداخل ونقاشات رأينا جزءا منها في الانشقاق الذي وقع في الحركة الإسلامية، والذي حدث عقب اتفاق أوسلو والاعتراف بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع، والذي فتح النقاش على مصراعيه حول مصير فلسطينيي الداخل.

بعد أوسلو أصبح من الصعب أن يتحدث فلسطينيو الداخل عن حق تقرير المصير وإقامة دولة وهوية بنفس الطريقة التي يتحدث فيها الفلسطينيون في الضفة والقطاع، وهو أمر فرضه عليهم السياق وبدون شك فإن سياق أوسلو أنتج هامشًا كبيرًا من العمل السياسي داخل إسرائيل، يبدأ من الحديث عن حقوق جماعية للمجموعة القومية الفلسطينية وينتهي عند من يقولون بإننا انتهينا من قضية الحقوق الوطنية وعلينا أن نندمج اقتصاديا وسياسيا في النظام الإسرائيلي.

"عرب 48": ولكن ربما يغيب عن بالك أن الحزب المهيمن لعقود لدى فلسطينيي الداخل (الحزب الشيوعي) يؤمن منذ عام 1948 بحل الدولتين، ويرى أن مصيرنا نحن فلسطينيي الداخل مرتبط بإسرائيل، ولكنه حافظ على مسافة وأثر عدم الانخراط في نظامها السياسي، لأنها تتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني، وباعتبارها دولة احتلال.

حباس: أنا اتفق معك ولذلك أعتبر أن خطاب أيمن عودة وتوصية المشتركة على غانتس حتى لو ذهبت بعيدا، تبقى مسألة تكتيكية مدفوعة بأسباب خارجية لا تتعلق بجوهر الممارسة السياسية ومآلاتها، تمثلت في اعتقادها بأنها يمكن أن تطيح بحكم نتنياهو، وهناك اختلاف نوعي عن نهج عباس النابع من إعادة نظر شمولية في شكل الممارسة السياسية للأحزاب العربية ودورها داخل النظام السياسي الإسرائيلي، والذي يشترط التنازل الكلي عن الاختلافات القومية لصالح الاندماج المدني الكامل.

نحن نتحدث عن ولادة نهج جديد يمكن تعريفه من خلال أربع نقاط رئيسية هي:

1. انفصال الفلسطينيين داخل إسرائيل عن الفلسطينيين في الضفة وعزة والشتات.

2. انخراط فلسطينيي الداخل في المجتمع الإسرائيلي بشكل كامل.

3. إعادة تعريف الفلسطينيين في إسرائيل من خلال تصنيفات غير سياسية، مسلمين، مسيحيين وغير ذلك.

4. إقامة العلاقة بين الأحزاب العربية والأحزاب الإسرائيلية سواء يمين أو يسار، ليس على قاعدة المشتركات السياسية بل على تقاطع الأيديولوجية الاقتصادية، بمعنى إلغاء التنافر القائم بينها اليوم والذي يسببه البعد القومي.

هذا ما عبر عنه عباس في خطابه عندما قال، ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا، وهذا شيء يتطور ككرة الثلج وفي نهايته نحن نرى أن فئات من فلسطينيي الداخل وكأنها تستوعب نفسها ذاتيا داخل النسيج الاجتماعي لدولة إسرائيل، وتسقط عنها أي بعد للهوية الجماعية الفلسطينية وتعيد تعريف نفسها كأقلية إسرائيلية وتريد أن تدخل اللعبة السياسية تحت عباءة الهموم الاقتصادية.

"عرب 48": السؤال هو مرة أخرى هل إسرائيل جاهزة لاستيعابهم، أم أن القضية تقتصر على توازنات لحظية معينة سنزول بانقشاع أسبابها؟

حباس: المجتمع الإسرائيلي كما نعرف يتجه اليوم نحو اليمين واليمين الجديد، ورغم أن حجم هذا التيار المتمثل بالصهيونية الدينية ليس كبيرا على الأرض، إلا أن وزنه السياسي كبير جدا وهو تيار متشدد يتعامل مع الفلسطينيين بالمفاهيم الدينية، وإذا ما راجعنا خطة سموترتش المسماة خطة الحسم من سنة 2017 نلاحظ أنها ترى أن الحل هو تشجيع إجراء ترانسفير للفلسطينيين وعدم دمج من يبقى منهم بالرغم من ذلك.

بمعنى أن الميثولوجيا الدينية التي يستند إليها هذا اليمين لا تقبل بالفلسطيني حتى لو تنازل عن حقوقه الجماعية، وبالتالي فإن النهج الجديد سوف يصطدم مع هذه الرؤيا الميسيانية للصهيونية الدينية.


وليد حباس: باحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار، وطالب دكتوراة في الجامعة العبرية، يبحث في العلاقات الاقتصادية بين الضفة الغربية وإسرائيل.

بودكاست عرب 48