د. أمنون راز: حكومة بينيت - لبيد وتحييد الشرقيين والحريديين وخلق تحالف أشكنازي

د. أمنون راز: حكومة بينيت - لبيد وتحييد الشرقيين والحريديين وخلق تحالف أشكنازي
نفتالي بينيت ويائير لبيد (أ ب)

في الوقت الذي يُلاحق فيه بنيامين نتنياهو بعد 12 سنة من حكمه بالشتائم بصفته المسؤول عما آلت إليه الأوضاع المتعلقة بالقضية الفلسطينية، من تكريس للاحتلال وتعزيز للاستيطان وتدعيم للضم، يذكرنا د. أمنون راز - كراكوتسكين، أستاذ التاريخ في جامعة بئر السبع، أن تلك "الكارثة السياسية" وقعت بالذات بعد هزيمة نتنياهو عام 1999 وخلال الفترة القصيرة من حكم "اليسار" بقيادة إيهود باراك.

الاعتقاد الذاتي لرجال "معسكر السلام" بأنهم رمز التنور والمساواة، كما يقول راز - كراكوتسكين، هو الذي أوصلهم إلى العمى السياسي وأوصلنا إلى الهاوية؛ وفي ذاك الوقت تبلور الواقع الذي نعيش فيه حتى اليوم وتكرست معطياته، هم الذين اختلقوا ادعاء "عدم وجود شريك فلسطيني" وهناك تعاظمت الكراهية بين العرب واليهود إلى مستوى غير مسبوق، وهناك ولدت "التخوفات الوجودية" التي زادت العنف والتحريض، وهناك تم القضاء على الأمل وعلى اللغة السياسية، بحسب راز - كراكوتسكين.

د. أمنون راز

صحيح أن نتنياهو ذهب بالكراهية والتحريض إلى حدود متطرفة، ولكن من أرسى أساسات هذا الوضع الذي نعيشه اليوم كانت حكومة باراك، التي ضمت شلومو بن عامي ويوسي بيلين ويولي تمير، والكثير من "الرجال الجيدين"، بتعبير راز. حول هذا الموضوع وآفاق حكومة بينيت - لبيد واحتمالات عودة نتنياهو، كان هذا الحوار مع أمنون راز - كراكوتسكين، أستاذ التاريخ اليهودي في جامعة بئر السبع.

"عرب 48": تبدو حالة فريدة أن تشهد حكومة برئاسة اليمين ومعارضة قوية برئاسة اليمين، أيضا، يتزعمها نتنياهو بنفسه، وكأن فكي كماشة اليمين تطبق على بقايا "اليسار" الإسرائيلي، الذي مهد في السابق الطريق لليمين وهو يثبته اليوم في طرفي معادلة الحكم والمعارضة؟

راز - كراكوتسكين: الافتراض السائد لدى حكومة بينيت - لبيد هو أن ما كان هو ما سيكون، بمعنى أنه لن يحدث أي تغيير في سياسة الحكومة الجديدة عن السياسة التي سيّرت حكومة نتنياهو. في المقابل، فإن نتنياهو في المعارضة سيكون أكثر تطرفًا مما كان عليه في الحكومة، وبالتالي هو سيدفع الحكومة إلى مواقف أكثر تطرفًا، خصوصًا وأنها تعتمد أساسًا على مثلث بينيت - ساعر - ليبرمان، ونحن نعرف أن الأقطاب المكونة لهذه الحكومة، جميعها تقريبًا، لم توجه أي كلمة نقد تجاه سياسة بنيامين نتنياهو، وأن نقدها انحصر في شخصه بناء على قضايا قضائية، هي باعتقادي واهية أيضًا، وأنا مثل الكثير من الجمهور الإسرائيلي لا أرى أن تلك القضايا هي دراماتيكية بالدرجة التي يصورها "اليسار".

وحسب رأيي أن "النفخ" في تلك القضايا يلعب لصالح نتنياهو، ولو لم تكن قائمة لكان نتنياهو قد خسر في الانتخابات مبكرًا، لأنها صنعت من نتنياهو بطلًا في نظر أوساط ليست أكثر يمينية من حكومة بينيت - لبيد، بل هي أكثر شرقية فقط؛ وقد بدا نتنياهو كمن يتم مهاجمته من الجهاز القضائي في كل مرة يربح في الصندوق (الانتخابات)، وهذا يذكرني بحالة أرييه درعي التي كتبت عنها في حينه.

غزة (أ ب)

لقد شاهدنا خلال العدوان على غزة كيف أن "اليسار" يقول إن لا خلاف حول هذه المواضيع، إذًا حول ماذا الخلاف؟ ويبدو الخلاف هو أن "اليسار" يريد التخلص من الأراضي (المحتلة) ومن العرب، واليمين لا يريد، وهنا أيضًا تبرز مقولة الدولتين وهي خيار تقوم إسرائيل باستثماره لصالح تبييض وجهها عالميًا.

انظر كيف أنه قبل ثلاثة أسابيع غطت الصور من العدوان على غزة العالم، وقبل أسبوعين ظهرت صور مسيرة المثليين التي ضمت 100 ألف مشارك في تل أبيب لتبرز وجه إسرائيل الليبرالية، فإسرائيل الليبرالية مهمة لاحتواء الاحتلال لأنها تحافظ على صفة إسرائيل أمام الغرب "المتنور". هذا هو "اليسار" الذي أيد الحرب على غزة وبعدها بأسبوعين تظاهر مناصرة لحقوق المثليين.

مسيرة المثليين في تل أبيب (أ ب)

"عرب 48": يبدو هناك إجماع على تحييد وإسقاط قضية فلسطين من الأجندة الإسرائيلية، بين اليمين واليسار؟

راز - كراكوتسكين: باعتقادي أنه لا يوجد فرق بين الحكومة الحالية والحكومة السابقة، ونحن في مرحلة يريدون فيها شطب القضية الفلسطينية من جدول الأعمال، ومؤسف أن هناك أحزابا عربية مثل قائمة منصور عباس تتساوق مع ذلك.

"عرب 48": وماذا تقول في أيمن عودة؟

راز- كراكوتسكين: هناك أمور لصالحه وهناك أمور ضده، خطأه ابتدأ عندما أخذ المشتركة إلى التوصية على غانتس، لأنه من دون ذلك كان بإمكانه القول للإسرائيليين إن لا بديل "يساري" أمامكم سوانا، ولا يوجد أي شيء آخر في الوسط، ولكن بسبب "جنون" إسقاط نتنياهو بأي ثمن، الذي لا أفهمه، والذي انجرفت خلفه المشتركة خسرت هذا الخيار.

وإذا كان ادعاء الدفاع عن جهاز القضاء يصلح تسويقه في الوسط اليهودي، فإنه لا يوجد لدى العرب أي سبب للدفاع عن جهاز القضاء الإسرائيلي الذي يؤيد الاحتلال والتمييز العنصري، والذي يميز في أحكامه ضد المواطنين الفلسطينيين بصورة غير معقولة.

ولكن إذا ما هم أرادوا شطب قضية فلسطين من جدول الأعمال، فهذا لا يعني أنها ستشطب فعليًا على الأرض، فنحن نرى أن ما يجري في الشيخ جراح والقدس والداخل، وهذا يؤكد حضور القضية الفلسطينية وأنه لا يمكن تجاهلها، وربما أن حالة الفراغ تلك تعطي إجابات جديدة للقضية الفلسطينية.

"عرب 48": ما هي توقعاتك بشأن طول عمر الحكومة الحالية؟

راز - كراكوتسكين: لا أحد يعرف، ولكن لا يبدو أنها ستعمر طويلا، ولكن حتى لو استمرت طويلا، فنتنياهو نجح بأن لا يفعل شيئا في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وقد نجح في تعميق الخلاف بين غزة والضفة وبين "فتح" و"حماس"، وبينيت ليس لديه سياسة للتفاوض مع أبو مازن، كما يريد اليسار، ربما، وفي هذا السياق لا فرق بين حكومة نتنياهو وبين حكومة بينيت - ساعر - ليبرمان.

"عرب 48": أنت تقول إن جذر البلاء كما يقولون، بدأ بمقولة "لا يوجد شريك فلسطيني"، التي شطبت الفروق بين اليمين واليسار الإسرائيلي، وهي من صناعة اليسار وحكومة باراك؟

راز - كراكوتسكين: باراك هو من بدأ التحريض ضد الفلسطينيين وهو الذي تسبب بانفجار الانتفاضة الثانية، وهو الذي أعطى الأوامر لشرطته بقتل 13 فلسطينيا في بلدات الداخل، وهو الذي اغتال اللغة السياسية في إسرائيل، لكي يصادر الواقع ثنائي القومية الموجود على الأرض بكل احتمالاته.

من قمع الانتفاضة الثانية عام 2000 (أرشيف "عدالة")

قاعدة اليسار ضد دولة ثنائية القومية، وأنا لا أقول إن الدولة ثنائية القومية هي الحل الذي يجب أن يكون، ولكن عندما يكون هدفك منع ذلك فلن يكون لديك ما تقوله.

"عرب 48": الاعتراف بالواقع ثنائي القومية ممكن أن يترجم بدولة واحدة ثنائية القومية أو بدولتين، وعدم الاعتراف به يعني عدم الاعتراف بالشعب الآخر؟

راز - كراكوتسكين: مجرد الاعتراف بالواقع ثنائي القومية هو نوع من التسوية بالنسبة للفلسطينيين، والاعتراف يقودك إلى دينامية أخرى مثل الاعتراف بالتخوفات الوجودية الإسرائيلية، ولكن أن تطالب الفلسطينيين بالاعتراف بدونيتهم، فهذا أمر لم يحدث سابقًا؛ قد يعيش شعب في واقع من الدونية مفروض عليه، ولكن أن يطلب منه الاعتراف وإعطاء شرعية لهذا الواقع فهذا غير معقول.

"عرب 48": مقولة عدم وجود شريك فلسطيني هو عدم اعتراف باختيارات الشعب الآخر وخياراته؟

راز - كراكوتسكين: بالنسبة لإسرائيل الشريك الفلسطيني هو من يعلن الاعتراف بدونية الفلسطينيين وفوقية الحقوق اليهودية في فلسطين، داخل حدود دولة إسرائيل وخارجها، وهي تقول للفلسطينيين إذا ما اعترفتم بذلك تحظون بتحسينات في ظروفكم الاقتصادية.

باراك كان مقتنعا بأن عرفات سيرفض الاعتراف بذلك، وكان يعرف أن الأمر سيؤدي إلى نشوب انتفاضة، ولكنه اعتقد أن بمقدوره السيطرة عليها وفرض الاستسلام على الفلسطينيين.

هو لم يتخيل أي كارثة يخلق ولكنهم (اليسار) هم الذين انتجوا هذه الظروف التي نعيشها اليوم؛ فمنذ البداية تحالفوا مع حزب "المفدال" (الصهيوني المتدين) والراف دروكمان، ورفضوا التحالف مع "شاس"، وقام باراك بحملة بناء استيطاني واسعة النطاق بنى خلالها في أشهر قليلة ما بناه نتنياهو خلال ثلاث سنوات من حكمه.

لذلك، دعنا نعترف بأننا لا نتحدث عن يسار بمعنى الكلمة، بل عن "فنتازيا بيضاء" لحقوق الإنسان، وإنه إذا ما نجت هذه الحكومة، فذلك يعني أن اليسار سيصوت على تبييض المستوطنات غير القانونية (ما يسمى "الاستيطان الشاب")، واليمين سيصوت مع حقوق المثليين، ويسعد بذلك جميع اليهود الأشكناز. ومهما قد يقال عن الليكود، فإنهم ليسوا أكثر تطرفا من بينيت، الذي إن لم يستطع ضم المناطق "جـ"، فإنه سيمنع البناء الفلسطيني فيها.

"عرب 48": حكومة بينيت - لبيد تواجه أول امتحان لها في قانون المواطنة ومنع لم الشمل الذي ينطوي على قضية مبدئية بالنسبة لليسار واليمين؟

راز - كراكوتسكين: قانون المواطنة ومنع لم الشمل، كان سيحظى بظروف عادية بأصوات جميع أعضاء اليمين والوسط وبعض قوى اليسار، ولكن في الوضعية الحالية الخاصة فإنه يضع حكومة بينيت - لبيد أمام امتحان ويضع قوى اليسار فيها أمام امتحان، خصوصًا وأن الحديث يجري عن قانون عنصري بامتياز، لا مجال للمساومة عليه من قبل حزب أو عضو كنيست يساري.

ولكن اليسار الذي لم يفعل خلال 15 سنة شيئًا سوى الحديث عن شخص نتنياهو وملفاته (القضائية)، يدير على ما يبدو سياسة أزمة هدفها التخلص من العرب وتحييد الشرقيين والحريديين، وخلق حكومة بيضاء وتحالف أشكنازي والحفاظ عليهم.


*أمنون راز - كراكوتسكين: أستاذ التاريخ اليهودي في جامعة بئر السبع

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص