المال عنصر أساس في ثالوث المشروع الصهيوني الذي يشمل الأرض والمستوطن

المال عنصر أساس في ثالوث المشروع الصهيوني الذي يشمل الأرض والمستوطن

في كتابها الذي صدر حديثا يعنوان "الصندوق التأسيسي الفلسطيني (كيرن هيسود) ودوره في خدمة المشروع الصهيوني" تشير الباحثة الفلسطينية د. إلهام شمالي إلى أن التمويل الصهيوني لمشروع الوطن القومي اليهودي، شكل أهم أولويات الحركة الصهيونية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وقد كلفت المنظمة الصهيونية عددا من الاقتصاديين للبحث عن إجابة للأسئلة المثارة حول كيفية تمويل المشروع الصهيوني الذي كان أهم محور للنقاش خلال مؤتمر لندن عام 1920.

وتتناول الدراسة "الصندوق التأسيسي الفلسطيني- كيرن هيسود" ودوره في خدمة المشروع الصهيوني منذ عام 1920-1948م، والذي استند على وعد بلفور وصك الانتداب البريطاني على فلسطين، الذي كفل للحركة الصهيونية تشكيل المؤسسات الصهيونية الخادمة لمشروع الوطن القومي اليهودي.

وهي تعالج محاولة القائمين على الصندوق استغلال الدين لخدمة أهداف ومخططات صهيونية عبر المناداة بفرض الضريبة الذاتية (ضريبة العشر) على يهود العالم كافة، وكيف جند الصندوق التبرعات المالية والمادية، موظفا الدعاية والاعلام في جذب المتبرعين سواء كانوا أفرادًا أم مؤسسات أم حكومات.

وتفيد الدراسة أن أموال الصندوق التأسيسي مثلت الرافد الأول والأساس، لميزانية مشروع الوطن القومي اليهودي، ومع توسيع الوكالة اليهودية عام 1929 زادت أهمية الصندوق، فأصبح يمثل الجناح المالي للوكالة اليهودية، ومن خلاله تم إعداد الميزانية الصهيونية بما يتوافق مع الأوضاع السياسية على أرض فلسطين.

وترى أن أهداف الحركة الصهيونية ما كان لها أن تتجسد فعليا دون الدعم المالي الذي وفره الصندوق لكافة المجالات التي تعزز من هيمنة المستوطن الصهيوني على أرض فلسطين، وكيف مارس دوره في دعم الهجرة والاستيطان، فكان دوره مكملا للمؤسسات الصهيونية الأخرى، التي حرصت المنظمة الصهيونية على إقامة علاقة تكاملية بينها يجمعها التنافس، أكثر ما يفرقها الخلاف حول تحقيق هدف واحد، ألا وهو الأسراع من تجسيد الوطن القومي اليهودي في فلسطين.

وقد مارس الصندوق التأسيسي عمليات التوطين والإحلال الوجودي بكل حذافيرها، بغية الوصول بالصهاينة لنسبة مرتفعة بين سكان فلسطين، وطبق، وفق ما تشير إليه الباحثة، العنصرية الصهيونية في العمل داخل المستوطنات الصهيونية، وحصره بالعمالة اليهودية دون غيرها كما لعب دورا كبيرا في توفير العمل والإسكان للمستوطنين الصهاينة، ووضع الشركات والبنوك الاستثمارية التي وفرت القروض الميسرة لهم في المجالات كافة.

د. إلهام شمالي

حول الكتاب والدور الذي لعبته المؤسسات الصهيونية في المشروع الاستعماري الاستيطاني في فلسطين كان هذا الحوار مع د. إلهام شمالي.

"عرب 48": لافت هذا الاهتمام بالمؤسسات الصهيونية ودورها في بلورة المشروع الصهيوني وتأسيس الدولة العبرية، خاصة من قبل باحثة فلسطينية لا يتوفر لها "امتياز" إجادة اللغة العبرية والتواصل مع المكتبات الإسرائيلية بسبب الحصار المفروض على مكان سكناها - قطاع غزة، وقد فهمنا أنه سيصدر لك أيضا كتاب عن ما يسمى بالصندوق القومي اليهودي "الكيرن كييمت"، هو عبارة عن بحث الدكتوراة التي قدمتها في جامعة عين شمس بالقاهرة؟

شمالي: الكتاب الحالي عن "كيرن هيسود" والذي صدر مؤخرا عن دار "مرايا" في القاهرة وهو بالأساس بحث رسالة الماجستير مع بعض التطوير والإضافات، والكتاب الثاني الذي يتناول "الكيرن كييمت" هو عبارة عن رسالة دكتوراة وسيصدر في تشرين القادم عن مؤسسة "أركان" في الكويت.

أما بالنسبة للتواصل اللغوي والمادي مع المصادر الإسرائيلية، فأريد أن أنوه إلى أن هذا الكتاب ما كان ليخرج إلى حيز النور لولا المجهود الذي بذله مشكورين أصدقاء وباحثون من الداخل الفلسطيني، كسروا بواسطته حواجز الحصار وقربوني من مصادر المعرفة والمراجع التاريخية.

وإلى موضوع الكتاب فإن الصهيونية كما هو معروف وضعت نصب أعينها "ثالوثا مقدسا" أو غير مقدس، يتكون من المال والمستوطن والأرض، واعتقدت أن المال عنصرا أساسيا فيه، لأن عدم وجود المال لن يوجد الأرض ولن يوجد المستوطن، ومن هنا قسم مفكرو الصهيونية وحاخاماتها التجمع اليهودي -الذي نرفض أن نسميه شعب في أي وقت من الأوقات-، وفق تقسيمات طبقية إلى قسمين رئيسيين يتشكل أحدهما من الطبقة الخام التي تتألف من فقراء اليهود والتي يمكن نقلها من مكان إلى آخر وتشكل العنصر البشري للاستيطان الصهيوني في فلسطين، أما الطبقة الثانية وهي الأهم فتتألف من أثرياء اليهود في العالم، الذين كما نعرف كانوا أصحاب بنوك تجارية وأصحاب رؤوس أموال وهؤلاء ليس مطلوبا منهم الانتقال إلى فلسطين، في أي حال من الأحوال إلا عندما تكتمل أركان دولة الاستيطان، لأن مهمتهم تنحصر في تمويل مشروع الاستيطان وتدعيم مؤسساته ودعم الحركة الصهيونية لدى حكومات دول العالم وخاصة في أوروبا وأميركا.

من هنا جاء تشكيل ما سمي بالصندوق التأسيسي في فلسطين "كيرن هيسود" في وقت مبكر من تاريخ الحركة الصهيونية عام 1920 لتوفير الدعم المالي للهجرة والاستيطان وتوفير العمل والإسكان للمستوطنين، وإقامة الشركات والبنوك الاستثمارية التي وفرت لهم القروض الميسرة في مختلف المجالات.

"عرب 48": ما هي مصادر تمويل الصندوق؟

شمالي: لقد حاولت الحركة الصهيونية ربط اليهود بالديانة اليهودية بغية استغلال علاقتهم الدينية بفلسطين، كما حاولت في هذا السياق تطبيق ما يعرف بضريبة "المعشار" في الشريعة اليهودية، بمعنى اقتطاع العشر من دخل كل يهودي في العالم وفق مقاييس معينة، إلا أن هذا الإجراء مني بالفشل، لأن ارتباط اليهود بالديانة اليهودية التي حاولت المنظمة الصهيونية، وهي منظمة علمانية بالأساس، استغلاله كان ضعيفا.

لذلك نجد أن هذه المنظمة عانت في بعض المراحل من شح الموارد، خاصة في الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم في الثلاثينات، الأمر الذي دفع الحركة الصهيونية إلى البحث عن موارد أخرى وهي القروض، ونجد أن بنوك بريطانية تقدم قروضا هائلة لصندوق "كيرن هيسود" والحركة الصهيونية وذلك حتى قبل لجنة بيل والحديث عن تقسيم فلسطين واقامة دولة يهودية.

وللمرء أن يتخيل أن ميزانية الحركة الصهيونية كانت توازي ميزانية دول، وأن الحكومة الأسترالية على سبيل المثال تقدم لها قرضا لمدة 25 سنة والحكومة الأميركية تعطيها قروضا كبيرة، بعد أن وجدت أن يهود بولونيا وألمانيا يريدون الهجرة إليها بعد الحرب العالمية الأولى ففرضت نظام الكوتا على الهجرة وحرفتها نحو فلسطين ما تطلب دعم راعية الاستيطان هناك وهي الحركة الصهيونية.

وفي هذا السياق تشير المصادر إلى أن 65% من أموال "كيرن هيسود" جاءت من الولايات المتحدة الأميركية، حيث نجد أن هذا الصندوق لوحده جمع في تلك الفترة 24 مليون جنيه إسترليني، وهو مبلغ هائل بالنسبة لوضع الحكومات والدول في ذاك الوقت، هذا عدا عن التبرعات والقروض وسندات الدين التي كانوا يحرروها لفترات طويلة بضمان أراضي فلسطين.

"عرب 48": من الواضح أن التغيرات التي أحدثتها الحرب العالمية الأولى في الخارطة السياسية خدمت الحركة الصهيونية التي أحسنت بدورها استخدامها وتوظيفها في مصالحها الاستعمارية؟

شمالي: صحيح، فقد اندفع اليهود الذين كانوا من الفئات المتوسطة إلى الهجرة من بولندا وألمانيا بفعل الأزمات التي سببتها نتائج الحرب، وفي هذا السياق لم تستفد الحركة الصهيونية من إغلاق ابواب الولايات المتحدة وتوجيه سيل الهجرة إلى فلسطين فقط، بل من الحظر الذي فرضته تلك الدول على أموالهم وإعطائهم بدلا منها بضائع جرى نقلها إلى فلسطين واستفاد منها الاستيطان، وفق الاتفاقية التي عقدها حاييم أرلوزروف مع هتلر والتي سميت بالـ"هعفراة" التي بنت المشروع الصهيوني صناعيا، بفضل عملية النقل تلك التي تمت بغطاء مقايضة أموال اليهود، حيث كان يسمح للمستوطن اليهودي إدخال مبلغ ألف جنيه إسترليني فقط إلى فلسطين، وما غير ذلك يحول للوكالة اليهودية على شكل بضائع ومنتجات وآلات صناعية.

لقد تم في تلك المرحلة بناء معظم الصناعات الصهيونية مثل صناعة السيارات والألماس وغيرها، كما أن الحديث يجري عن وجود طيران لدى الحركة الصهيونية في فلسطين في الثلاثينيات والأربعينيات، وبإمكاننا أن نرى أن الوكالة اليهودية بالنزعة الرأسمالية وعمليات الاستثمار والحركة الصهيونية بمؤسساتها؛ "كيرن هايسود"، "كيرن كييمت"، "النداء اليهودي" الموحد، و"الجوينت" وغيرها، كلهم يجيدون أعمالهم، وأن عدد المستوطنين لا يتناسب مع الأموال الكامنة في البضائع التي ستصل إلى فلسطين، لأن الأموال تخرج حسب اتفاقية حاييم أرلوزروف مع هتلر على شكل بضائع.

في تلك الفترة تشكل الحركة الصهيونية موردا لبعض الدول ومنها دول عربية، للأسف، لتصريف فائض البضائع التي حصلت عليها لقاء أموال اليهود القادمين في إطار الهجرة الخامسة، كما أنهم أخذوا البضائع بأسعار مخفضة من ألمانيا وباعوها بأسعار عالية لدول أخرى، منها دول المغرب العربي ودول عربية أخرى، في حين ظلت الأموال أيضًا محجوزة لدى الوكالة اليهودية ولم تصل إلى الأفراد.

"عرب 48": تتحدثين عن عدم تناسب بين حجم الأموال والاستثمارات وأعداد المستوطنين في فلسطين في تلك الفترة، ما يشي بأن التخطيط كان لاستيعاب أعداد أكبر من المهاجرين اليهود، وربما من قليلي الإمكانيات كما حدث مع يهود المشرق؟

شمالي: فعلا، في تلك الفترة انتشرت شركات تطوير المدن على غرار شركة تطوير يافا، وشركة تطوير صفد وغيرها وهي في الحقيقة كانت تهدف إلى تهويد هذه المدن الفلسطينية، فقد بدأت الحركة الصهيونية فور تعيين المندوب السامي البريطاني هربرت صموئيل عام 1920 على فلسطين، وهو يهودي الأصل، وقبل ذلك في فترة الادارة العسكرية التي بدأت مع احتلال فلسطين عام 1917، في فحص القدرة الاستيعابية لفلسطين من ناحية عدد المهاجرين والمواد الخام، إلى جانب ترميم بعض المستوطنات التي دمرتها الحرب وإرساء بنية تحتية للاستيطان المستقبلي.

"عرب 48": نلاحظ اقتران اسم فلسطين بالعديد من المؤسسات الصهيونية على غرار "الصندوق التأسيسي في فلسطين- كيرن هيسود"، بشكل مخالف للرواية الصهيونية التي تسميها "أرض إسرائيل"؟

شمالي: المغزى من ذلك أنه لم يكن لهم أي اعتراف في فلسطين وأرادوا تعزيز الارتباط بها، والهدف الثاني أن هذه المؤسسات ستحظى بإعفاء من الضرائب في بريطانيا، بحكم أن أي مؤسسة وجدت في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين هي تتبع للانتداب البريطاني وهكذا تكون معفية من الضرائب ويسمح لها العبور في المياه الإقليمية في جميع المناطق الموصلة إلى فلسطين، إضافة إلى أنها ستحظى بمظلة الحكومة البريطانية في نشاطها الخارجي.

وتجدر الإشارة إلى أن غالبية المؤسسات الصهيونية سجلت في بريطانيا وعملت فيها سنوات قبل أن تنتقل إلى فلسطين، "كيرن هيسود" مثلا سجلت في بريطانيا عام 1920 وانتقلت إلى فلسطين عام 1926 و"كيرن كييمت" تأسست عام 1901 وسجلت في بريطانيا عام 1901 وانتقلت إلى فلسطين عام 1920 وخلال العشرين سنة تلك كانت قد اشترت 450 ألف دونم من أراضي فلسطين.

"عرب 48": كما ذكرت في بداية الحوار، المال عنصر مهم في "الثالوث الصهيوني" ولكنه يتكامل مع الأرض والمستوطن ويوظف في خدمتهما؟

شمالي: من هنا نجد علاقة التكامل بين كافة المؤسسات الصهيونية التي يشكل الاستيطان ناظمها الأساس، ففي مرحلة من المراحل نجد "922" مؤسسة مهمتها جمع الأموال وعندما انخفضت المدخولات وبدأت نداءات الاستغاثة تأتي من المستوطنين بسبب الأزمة الاقتصادية في الثلاثينات، قامت الوكالة اليهودية بجمع هذه المؤسسات في النداء اليهودي الفلسطيني الموحد عام 1930، الذي تم على إثره توجيه كافة الأموال للمستوطنين في فلسطين.

وللمفارقة فقد طلب مني المشرف على البحث في القاهرة أن أقوم بعملية إسقاط على المؤسسات الفلسطينية، فوجدت أن "صندوق الأمة" عندنا أطلق مناشدة تبرعات وكانت القضية الفلسطينية على المحك، جمع 160 ألف جنيه فقط، بالمقابل تبرعت سيدة يهودية واحدة في جنوب أفريقيا بمليون دولار.

"عرب 48": في عملية الإسقاط التي قمت بها هل وجدت فسادا ماليا؟

شمالي: لقد وجدت خلال البحث أن التقارير المالية لـ"كيرن هيسود" ببنودها التفصيلية عرضت سنويا من 1920 وحتى 1948 على المؤتمر الصهيوني وتمت مناقشتها، الأمر الذي ترك مساحة من الشفافية.


د. إلهام جبر شمالي: باحثة في تاريخ الحركة الصهيونية، حاصلة على لقب الدكتوراه من كلية آداب جامعة عين شمس، في التاريخ الحديث والمعاصر، صدر لها مؤلفان وأربع مؤلفات بالمشاركة، فائزة بمسابقة "القدس أمانتي" عن دراسة تهويد حي سلوان وفائزة بجائزة مركز الزيتونة عن دراسة التطبيع الثقافي وتداعياته على على القضية الفلسطينية.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص