د. نبيه بشير: إسرائيل نحو تغلغل الخطاب الديني وإعادة تعريف الصهيونية

د. نبيه بشير: إسرائيل نحو تغلغل الخطاب الديني وإعادة تعريف الصهيونية
مستوطنان في ساحات المسجد الأقصى (أ ب)

يشير الباحث نبيه بشير في مقال نشره مؤخرا حول "صهيونية التيار الديني الاستيطاني" إلى أن العديد من الأبحاث التي نشرت في العقود الثلاثة الأخيرة تؤكد على ازدياد مطرد بتدين المجتمع الإسرائيلي وعلى تغلغل الخطاب الديني في مجمل أوجه الحياة المختلفة في إسرائيل، وإلى تعزز الخطاب الديني في الوعي والثقافة السياسية والعسكرية، إلى جانب ظهور أنماط جديدة من التدين التي تستبطن جميع هذه المستجدات وتصوغها على شكل وعي يقوم في أساس مختلف مناحي الحياة في إسرائيل.

ويلاحظ بشير، أن بعض الباحثين يتحدثون عن ثقافة سياسية جديدة بدأت تسيطر في الساحة الإسرائيلية وهي تتغذى من مشارب الصهيونية بتأويلاتها اليمينية، والتي تعتمد على التعصب القومي العنصري والقوة العسكرية (الجدار الحديدي) وتضع الأمة والأرض والتشكيك الدائم بنوايا غير اليهود في صلب خطابها، وأن هذه الثقافة الجديدة تبشر بصيغة جديدة للصهيونية، تدمج بين الفكرة القومية الحديثة والقيم التقليدية والتراث الديني.

هذا في حين ينطلق باحثون آخرون، كما يقول، من مقاربة نظرية مغايرة ترصد منذ نهاية السبعينيات تحولات عميقة في الثقافة السياسية الإسرائيلية، لا سيما في المعسكر الديني، الذي ناهض الصهيونية في السابق، ولكنه تحول إلى طرف آخر يتبنى عقيدة "أرض إسرائيل الكاملة"، إلا أنه يرفض الأسس العلمانية التي تقوم عليها العقيدة الصهيونية، الأمر الذي يجعلنا أمام ظاهرة مميزة وجديدة تجمع بين جانبي "الصقور" على الصعيد السياسي ولكنه غير صهيوني أو معاد للصهيونية الكلاسيكية.

وتجمع الفئات الحريدية المركزية في إسرائيل في توجهاتها ومطالبها طرفي هذا المركز المزدوج. فإنها تحاول، من جهة واحدة، إعادة تعريف الصهيونية من جديد، بينما تطالب من جهة أخرى بتعزيز مكانة الشريعة الدينية اليهودية وإخضاع جميع المواطنين، بين علمانيين ومتدينين وتقليديين، لسلطتها.

ويشهد المجتمع الإسرائيلي منذ ثمانينيات القرن العشرين ظهور توجهات تحاول الحد من هيمنة التأويلات الصهيونية، كما وضعها التيار العمالي منذ مطلع القرن العشرين، واستبدالها بتأويلات أخرى تعود بالنظرة الصهيونية إلى ما قبل العصر الحديث، وتركز هذه التأويلات الجديدة على الدور المركزي للأفكار الدينية في صقل الصهيونية ومدها بالبعد الثقافي - التاريخي.

وهي بعبارات أخرى محاولة لإعادة قراءة اليهودية من جديد استنادا إلى الأيديولوجية الصهيونية، وكأن المراد هو القول إن الصهيونية كانت كامنة في اليهودية منذ القدم، وأن المبشرين بالصهيونية ومفكريها قد نجحوا في الولوج إلى بطن اليهودية واستنباط الصهيونية منها وصياغتها بعبارات حديثة غير دينية ظاهريا.

وينبه د. بشير في ختام مقالته إلى أن المجتمع الإسرائيلي مرّ ولا يزال يمر في مرحلة صهر الصهيونية وبعض التأويلات الدينية اليهودية العنصرية والفاشية مع مختلف مؤسسات الدولة، لا سيما وزارات الإسكان والداخلية والتربية والتعليم.

وهو يحذر كذلك من موضوع انخراط الشرائح اليهودية المتزمتة دينيا (الحريديين) في إسرائيل في مشاريع الاستيطان التي ستترك أثرها البالغ على طبيعة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لا سيما في ضوء حقيقة استفحال أزمة السكن بين هذه الشريحة من جانب، وانخراطها المتسارع في الخطاب الصهيوني، ومؤسسة الجيش، وإعادة تأويلها للصراع برمته، وهو ما يضفي بعدًا جديدا على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كصراع ينبثق من المخيال الديني اللاهوتي ويحوله إلى صراع يدفع عجلة التاريخ إلى الوراء من أجل إعادة بناء "مملكة إسرائيل التوراتية المتخيلة".

د. نبيه بشير

للاستزادة في هذا الموضوع وتداعياته المستقبلية كان هذا الحوار مع الباحث في الدراسات اليهودية والمحاضر في جامعة بير زيت د. نبيه بشير.

"عرب 48": أنت تشير إلى عمليتين تجريان جنبا إلى جنب في المجتمع الإسرائيلي هما، تدين المجتمع أو "تديين" الصهيونية بموازاة صهينة الدين، حيث ينتج عن هذا التزاوح ظاهرة "الحردليم" التي تعتبر الشكل الأكثر تطرفا للصهيونية الدينية الذي يجمع بين التزمت الديني المميز للحريديين وبين "التطرف القومي"؟

بشير: تصهين الدين مع الحريديين والفئات التي يسمونها "حردليم" موجود بنيويا منذ أوائل الصهيونية. أنا أقول إنه منذ بداية الصهيونية استثمرت أفكارا دينية ووظفتها في خدمة مشروعها الاستعماري، الفرق أن هذا التوظيف الأداتي والتدريجي صار اليوم جوهريا.

فمنذ العشرينات من القرن الماضي قال الراف كوك "إن الله يبعث رسولا، في بعض الأحيان، على هيئة علمانية لكن في الجوهر وظيفته تكون دينية"، هذا التوصيف جاء لتبرير تعامل الأحزاب الدينية مع المشروع الصهيوني، الذي جاء متأثرا ولو ظاهريا، في حينه، من الموجة الثورية العالمية التي اكتنفت أوروبا الشرقية والغربية، حيث كانت الأفكار العلمانية هي الطاغية، وأثرت بالتالي على قادة الحركة الصهيونية وفكرها.

لكن نتائج الحرب في الـ48 وفي الـ67 بالذات اعتبرت من قبل الفئات الدينية بمثابة "معجزة إلهية" وكثرت التأويلات حول "الخلاص الديني" بأدوات علمانية، وعن المخلص بصورة "الجيش"، حتى أن ابن الراف كوك اعتبر بعد حرب 67 الدبابة أداة إلهية مقدسة، بمعنى أنها تحل محل النبي المخلص وهذا التوجه تعاظم بعد الحرب وتجلى بتشكل التيار الديني الاستيطاني.

مع قدوم حزب الليكود بزعامة مناحيم يبغين إلى الحكم عام 1977 أعطاهم شرعية حكومية، علما أن التعاون بين الحكومة والمستوطنين كان قائما في عهد حزب العمل، إلا أنه جرى على استحياء ولم يكن بذاك الوضوح، ولكن عندما أعطاهم بيغين شرعية سياسية ربط عمليا الصهيونية ومشروعها مع الفكر التوراتي وهذا اعتبر شيء كبير للشرقيين الذين كانوا محيدين من المشروع الصهيوني، وعندما أدخل بيغين الدين وتاريخ اليهود القديم للصهيونية أدخل الشرقيين وهكذا سرى حب الليكود في الشرقيين.

"عرب 48": في العقدين الأخيرين حدث تحول أو ردة دينية كبيرة ربما بسبب تعزز التيار الديني الاستيطاني وتأثيره على مجمل السياسة الإسرائيلية؟

بشير: التحول طرأ على مستوى الشارع وعلى مستوى الثقافة الشعبية وعلى صعيد الإعلام بعض الشيء ولكن ليس على مستوى المؤسسات، ولا تنسى أنه في أوروبا منذ السبعينيات كانت عودة رومانسية للتاريخ القديم بادعاء أن الحداثة لم تقدم لنا شيئا وحولت الإنسان إلى أداة.

في إسرائيل بدأت حقبة جديدة عام 1985 حيث بدأ الاقتصاد الإسرائيلي يتحول إلى الليبرالية والنيولبرالية، فقد تعززت العلاقة الإسرائيلية الأمريكية، الحزب الجمهوري عمق من تدخله في السياسة الإسرائيلية والثقافة الأميركية تغلغلت تدريجيا، عندها اكتشفت الجماعات الدينية الاستيطانية كيفية استعمال الاقتصاد الجديد مع موضوع المجتمع في تغيير المجتمع الإسرائيلي من الداخل، فبدأوا يدخلوا إلى الثقافة وإلى وزارة التربية وصاروا يؤثروا في الأحزاب، واستعمال جمعيات المجتمع المدني المدعومة من قبل الحكومة بشكل مبطن، ومنذ عام 1995 بدأنا نشعر أن المجتمع الإسرائيلي أكثر تدينا.

"عرب 48": تقصد أن ثقافة الاستيطان بحلتها الدينية التي كانت محصورة في مستوطنات الضفة الغربية وقطاع غزة بدأت تتفشى داخل الخط الأخضر؟

بشير: بدأنا نلمس ذلك في الثقافة وفي الخطاب الإعلامي وفي المناهج الدراسية، صاروا يقتحموا حقولا كانت علمانية بالمطلق، مثل الجيش، القضاء والصحافة وغيرها، معاقل كانت ليبرالية وبدا وكأن الأمر يسير وفق مخطط ينطلق من أننا ضعفاء ليس لدينا مؤسسات، بعد أن استولى حزب العمل على كل مؤسسات الدولة بما فيها الجيش والإعلام، فتعالوا نتغلغل بشكل تدريجي. هذا المخطط ابتدأ في عام 1985 وبدأنا نشعر به بعد أوسلو.

بعد أوسلو خاف المجتمع الإسرائيلي من النتائج والتداعيات، وهو مجتمع محكوم بعقلية الغيتو، التي ترى بالتقوقع وعدم الاندماج بالمحيط وسيلة للدفاع عن النفس، لقد خافوا عندما انكشفوا للمحيط العربي والإسلامي فتراجعوا.

في هذا السياق كشف استطلاع أجراه عالم الاجتماع سامي سموحة، أن أهم سبب لردة المجتمع الإسرائيلي وتراجعه عن أوسلو هو خوفه من الاندماج لأن عقلية الغيتو ما زالت متجذرة فيهم.

"عرب 48": والصهيونية تسعى دائما إلى تغذية هذا الشعور خدمة لأهدافها؟

بشير: صحيح، والذي عزز هذا الشعور أكثر هي حركة "شاس" فهي جاءت كحركة احتجاج من قبل الشرقيين، استعملوا الدين كأداة قوية لكي ينخرطوا في الحيز الإسرائيلي، هم يريدون الدخول في الجيش والدخول في الاقتصاد ولكن يمنعهم العائق العنصري، حيث ينظر إليهم كعرب ومتخلفين وشرقيين، فماذا فعلت شاس، هي قالت أنا صهيوني أصلا ولكن أقوم بتأويل الصهيونية استنادا إلى الصيرورة الخاصة بي، بمعنى هم أعادوا تعريف الصهيونية من جديد.

هذا هو الشيء الذي قامت بفعله الحركات الحريدية وحركات الصهيونية الدينية، هم أعادوا تعريف الصهيونية من جديد بحيث تأخذ مضمونا دينيا، وحتى في الأبحاث بدأوا بالادعاء مثلا أن هرتسل لم يفعل شيئا سوى أنه عقد مؤتمرا، في حين أن الأفكار والأحلام كانت موجودة أصلا عند الحاخامات، بدأوا يغيروا مفهوم الصهيونية ومصادرها.

"عرب 48": ولكن يبقى الحريديون يختلفون عن تيار الصهيونية الدينية الاستيطاني، ولكن عملية التزاوج بين التزمت الديني الذي يحملونه وبين صهيونية التيار الاستيطاني هي الخطيرة؟

بشير: برأيي الاختلاف ليس كبيرا فالحريديون يعطون وزنا أكبر للدين والشريعة اليهودية والصهيونية الدينية تعطي وزنا أكبر للسياسة والتزاوج بين الدين والسياسة هو الذي يولد "الحردليم".

ما يحدث أن الحريديين يتقربون تدريجيا للصهيونية وأفكارها والعلمانيين يتقربون للدين فيحدث هذا التزاوج الذي لا يقتصر على مستوى النخبة بـ"الحردليم"، بل يمتد إلى الشارع والمجتمع بتعميق الثقافة الدينية الصهيونية التي أخذت تحتل محل الثقافة العلمانية الصهيونية التي كانت سائدة.

"عرب 48": إذن، هي عملية انسحاب للداخل بدأت مع ما أسموه بعد الانسحاب من "غوش كطيف" إثر فك الارتباط مع غزة "الاستيطان في القلوب"، ولم تقتصر على "البؤر الدينية" في المدن المختلطة بل سعت إلى الدخول في جميع مفاصل الدولة واحتلال مؤسساتها ومنابرها؟

بشير: هي عملية غزو للمجتمع الإسرائيلي إن صح التعبير، بعد الإخلاء من "غوش كطيف" قالوا لقد فشلنا تعالوا نغزو المجتمع الإسرائيلي وهذا ما حصل، حيث اخترقوا البنية الفوقية كما ذكرت، بينما تم استعمال جمعياتهم الاستيطانية إلى جانب الشركات العقارية النيولبرالية في استكمال تهويد الحيز، ضمن عملية "هندسة ديمغرافية" للمكان، كما تصفها رسالة دكتوراة قمت بمراجعتها مؤخرا.

هي حالة اجتياح في المدن المختلطة تطلق عليها الرسالة المذكورة عملية "استطباق" تشمل الجمعيات الاستيطانية المدعومة حكوميا والشركات العقارية النيولبرالية إلى جانب فئات شبيبة متطرفة مدعومة حكوميا تسعى مجتمعة إلى تهويد هذه المدن وطرد العرب منها.


د. نبيه بشير: حاصل على الدكتوراه في الدراسات اليهودية (جامعة بن غوريون في النقب). أستاذ مساعد في كلية الدراسات العليا في جامعة بير زيت. وباحث في تفسيرات التوراة في العصور الوسطى. من إصداراته: حول تهويد المكان (مدى الكرمل، 2004)؛ الكتاب الخزري: كتاب الرد والدليل في الدين الذليل (لأبي الحسن يهودا اللاوي، بيروت: منشورات الجمل، 2012).

بودكاست عرب 48