70% من الشبان العرب لا يحصلون على شهادة بجروت و40% منهم لا يعملون ولا يتعلمون

70% من الشبان العرب لا يحصلون على شهادة بجروت و40% منهم لا يعملون ولا يتعلمون
توضيحية من الناصرة ("عرب 48")

في الوقت الذي نعيش فيه واقعا افتراضيا متخيلا يزدان على صفحات الفيسبوك بصور عشرات الأطباء الناجحين في امتحان مزاولة المهنة من الدارسين في الخارج والسيارات الفارهة و"الجيبات" الجديدة متعددة الألوان والماركات التي تنزل إلى شوارع مدننا وقرانا، واقع نتخيل أننا نعيش فيه لأول وهلة "الحلم الإسرائيلي" رغم ما يعكر صفوه من صوت الرصاص ومشاهد القتل والجريمة هنا وهناك.

في الوقت ذاته، يصدمنا "الواقع الحقيقي" بمعطيات تكشف تخلف مجتمعنا في مختلف المجالات عن نظيره الإسرائيلي الملحق به، وتؤكد على استمرار تعمق الفجوات واتساعها وليس على تقلصها وردمها؛ واللافت أن محاولة التضليل لا تقتصر على أبواق المؤسسة التي تسعى إلى تجميل صورة وجهها القبيح، بل تشمل سياسيين وحتى أكاديميين يقعون في حمية تصوير إنجازات وهمية، في مطب رسم صورة وردية لو مزيفة لإنجازات موهومة، في وقت تكشف فيه الأبحاث الأخيرة أن نصف المجتمع العربي ما زال يقبع تحت خط الفقر، وأن دخل العائلة العربية هو نصف دخل العائلة اليهودية، وأن ثلثي الفجوة في الدخل يعود إلى مستوى ونوعية ثقافة أرباب الأسرة.

وفي مجال التعليم الجامعي مثلا، ورغم كل ما يشاع عن ارتفاع بنسبة 100% في أعداد الطلاب العرب الدارسين للألقاب الجامعية المختلفة في الجامعات والمعاهد العليا، وزيادة بالطلاب العرب الدارسين للقب الأول من 10% عام 2007 إلى 17.7% عام 2017، وفق معطيات نشرها مجلس التعليم العالي ورددها بفخر سياسيون وأكاديميون عرب، فإن البحث الذي أجراه مركز "أهارون" للسياسات الاقتصادية التابع للمركز متعدد المجالات في هرتسليا (جامعة رايخمان)، أظهر أن الفجوة بين العرب واليهود ازدادت من 23% عام 2000 إلى 38% عام 2017.

توضيحية من الناصرة ("عرب 48")

وأظهر البحث أن التضليل يَكمُن في أن مجلس التعليم العالي اعتمد نسبة 20% (أسوة بنسبة العرب من مجمل السكان) في التعامل مع الشبان العرب، في حين أن هذه النسبة أصبحت بمرور السنين 30%، هذا ناهيك عن أن المقارنة الصحيحة يجب أن تقتصر على السكان اليهود من دون الحريديين، وهو ما يقلب النتائج رأسا على عقب.

وبعد تصحيح أخطاء الحساب والاحتساب تلك، يصبح وفق نتائج البحث المذكور، نسبة الذين يلتحقون بالتعليم الأكاديمي من مجموع الشبان العرب، 16% فقط، و9% منهم ينهون تعليمهم الجامعي، ما يعني أن نسبة الأكاديميين بين الشبان العرب هي واحد من بين كل عشرة شبان؛ في حين تصل هذه النسبة في أوساط الشبان اليهود إلى 50%، أي خمسة من بين كل عشرة شبان يهود يحملون الشهادة الجامعية.

ويرجع القائمون على البحث السبب الأساس إلى أن 70% من الشبان العرب ينهون تعليمهم الثانوي دون شهادة بجروت تمكنهم من الالتحاق بالجامعات، مقابل 47% فقط من الشبان اليهود (يشمل الحريديين) ما يجعل النسبة الحقيقية أقل بكثير.

في المقابل، فإن التغيرات في سوق العمل الإسرائيلية لا تساعد في استيعاب الأيدي العاملة غير المؤهلة وغير المدربة، ما يجعل 40% من الشبان العرب بين 18 - 20 عاما و30% بين 21 - 24 عاما، لا يتعلمون ولا يعملون.

د. مريان تحاوخو

د. مريان تحاوخو التي شاركت في إجراء هذه الأبحاث ضمن عملها كباحثة ومديرة لمركز السياسات الاقتصادية للمجتمع العربي في معهد "أهارون"، تقول إن أي معالجة طويلة المدى لقضايا العنف والجريمة في المجتمع العربي يجب أن تبدأ بمعالجة قضايا التعليم والتشغيل لدى هذه الشريحة من الشباب، وهي تقترح إقامة أطر انتقالية بعد المرحلة الثانوية، تساعد في توفير المعلومات والتوجيه وخلق الأدوات واستكمال المهارات الناقصة، للالتحاق بالدراسة العليا أو سوق العمل.

لتسليط المزيد من الضوء على هذا الموضوع أجرينا هذا الحوار مع د. مريان تحاوخو:

"عرب 48": أشرتِ في بحثك الأخير إلى ظاهرتين لافتتين، الأولى هي تضرر الشباب العرب أكثر من الشابات العربيات خلال فترة جائحة كورونا وقبلها في قضية التشغيل والالتحاق بسوق العمل؛ والثانية أن بداية تراجع نسبة التشغيل بين الشباب العرب بدأت قبل أزمة كورونا، ولها أسبابها الخاصة بها وتفاقمت في فترة كورونا؟

تحاوخو: في ما يتعلق بالشق الأول من السؤال، صحيح أن وضع النساء العربيات في تحسن ووضع الرجال العرب في تراجع، لكن إذا نظرنا إلى المعطيات نجدها لدى النساء العربيات منخفضة أكثر من باقي المجموعات، ورغم التحسن الذي يطرأ سنويا فإننا ما زلنا نتحدث عن أقل من 40% من النساء العربيات منخرطات في سوق العمل.

أما بالنسبة للرجال العرب، فقد بدأ الانخفاض في مؤشر الالتحاق بسوق العمل منذ عام 2017، فيما حصل التراجع الكبير عام 2019، أي قبل أزمة كورونا. وعندما فحصنا الموضوع، وجدنا أن التراجع حصل عند فئة غير المتعلمين فقط والتي تشكل بطبيعة الحال أغلبية في المجتمع، وفهمنا أن أسباب التراجع تعود إلى التغيرات الحاصلة في سوق العمل، الذي ازداد فيه الطلب على عمال متعلمين أو لديهم مهارات عالية، في حين بقي وضع التعليم لدى الرجال العرب على حاله منذ 20 عاما.

"عرب 48": ولكن هناك من يتحدث عن طفرة في نسبة التحاق العرب بالجامعات؟

تحاوخو: صحيح أن هناك ارتفاعا في نسبة العرب الملتحقين بالجامعات، ولكن غالبيتها من نصيب النساء، حيث تتوزع نسبة الملتحقين بالجامعات من العرب إلى ثلث من الذكور وثلثين من الإناث، كما يقابلها أيضا ارتفاع كبير لدى اليهود، ولذلك بقيت الفجوة على حالها 10% من العرب يحملون شهادة جامعية مقابل 40 - 50% من اليهود.

وقبل أن نذهب لفحص الأسباب التي تجعل نسبة الملتحقين بالجامعات الإسرائيلية من الرجال العرب منخفضة إلى هذه الدرجة، فحصنا الادعاء القائل إن الكثير منهم يذهبون للدراسة في الخارج وخاصة موضوع الطب - بالمناسبة فإن الاطباء يشكلون 1% من سوق العمل الإسرائيلية - ولكن وجدنا أن نسبة دارسي الطب العرب في الخارج لا تُذكر وأن الكتلة الأكبر من الدارسين في "الخارج" يدرسون مواضيع طبية في الجامعة الأميركية في جنين، وأنه حتى لو أضفنا الدارسين في الخارج إلى الأرقام التي بحوزتنا فإن الوضع لن يتغير كثيرا.

بالإضافة للفجوة الكبيرة القائمة بين العرب واليهود، هناك فجوة بين الرجال والنساء داخل المجتمع العربي، ففيما ينهي ثلث البنين فقط المرحلة الثانوية مع شهادة بجروت، تنهي نحو ثلثي البنات المرحلة الثانوية مع شهادة بجروت، وعند بحث الأسباب تبين أن المجتمع بما يشمل المعلمين والأهالي، يدفعون البنت للنجاح في التعليم لأنها إذا لم تكمل تعليمها لن تجد أي خيار سوى الجلوس في البيت.

في المقابل، هناك اعتقاد خاطئ بأن الشباب سيتدبرون أمورهم حتى لو لم يكملوا دراستهم، وهذا الاعتقاد ربما هو ما أدى إلى وجود شريحة كبيرة من الشباب يجلسون في البيت لا يتعلمون ولا يعملون، لأنهم لا يستطيعون إكمال تعليمهم بلا شهادة بجروت (70% من دون شهادة بجروت)، ولا يستطيعون الالتحاق بسوق العمل الذي بات يحتاج إلى مؤهلات ومهارات لم تكن مطلوبة إلى هذه الدرجة في السابق، وهؤلاء يشكلون أرضا خصبة لعصابات العنف والإجرام.

"عرب 48": أنت تتحدثين عن 40% من الشباب في شريحة عمرية هي "الأخطر" من دون أي إطار تعليمي أو تشغيلي؟

تحاوخو: نعم، عند الحديث عن أرقام جافة فإن 20% من الـ30% الذين يتخرجون مع شهادة بجروت يلتحقون بالتعليم العالي، فيبقى 80% يلتحق نصفهم بسوق العمل "الأسود" ويبقى 40% معطلين، وهذه النسبة تترجم بعشرات وربما مئات آلاف الشباب في مختلف القرى والمدن العربية الذين لا يفعلون شيئا.

لذلك لا غرابة في أن نجد أن 58% من الملفات التي تفتحها الشرطة هي ضد شباب ينتمون لهذه الفئة، كما أن احتمالية أن يدخل الشاب الذي يصحو في الصباح ولا يجد ما يفعله إلى عالم الإجرام، أكثر من غيره، ولسنا بحاجة إلى أبحاث لفهم ذلك، فكل عاقل يعرف أن الفراغ من الممكن أن يؤدي إلى أي شيء.

"عرب 48": أشرت إلى انتعاش في سوق العمل والتعليم لدى النساء العربيات، مقابل تراجع لدى الشباب...

تحاوخو: زيادة نسبة التعليم بين النساء العربيات أدى إلى ارتفاع نسبتهن في سوق العمل، خصوصًا وأن الاقتصاد الإسرائيلي شهد في الفترة السابقة انتشار كورونا وخلال العقد الأخير انتعاشا غير مسبوق؛ في المقابل، فإن استيعاب الرجال في سوق العمل بدأ بالتراجع للأسباب التي ذكرتها سابقا، وأنا أتحدث عن الشباب حتى جيل 35 عاما الذين لا ينجحون بالاندماج في سوق العمل، وليس عن كبار السن الذين يخرجون من سوق العمل.

ومن الواضح أن أزمة كورونا زادت الطين بلة، حيث ارتفعت معدلات البطالة عموما وفي المجتمع العربي الذي لم يتعاف من الأزمة بشكل كامل حتى اليوم.

"عرب 48": في مقابلة أجرتها معك صحيفة "هآرتس"، تحدثت عن إقامة إطار انتقالي لاستيعاب الشباب بعد الثانوية، تكون وظيفته التوجيه واستكمال النواقص وتوفير المهارات المطلوبة للالتحاق بسوق العمل أو مؤسسات التعليم العالي؟

تحاوخو: أولا، نحن بحاجة لإجراء تغيير في جهاز التعليم العربي ليتناسب مع الأكاديميا وسوق العمل الإسرائيليين، فالأكاديميا وسوق العمل مبنيين لليهود الذين أنهوا الخدمة في الجيش وهم في جيل فوق العشرين عاما، إذ إن الجامعة أو الكلية الإسرائيلية تبني كل برامجها وخدماتها على أساس أنها تستقبل هذه الفئة العمرية التي صقلت في الجيش، وهي تعرف ما تريد وليس لاستقبال الطلاب الذين أنهوا الثانوية للتو وما زالوا يخطون خطواتهم الأولى.

الجيش يكمل أيضا العوامل الناقصة ويوفر مهارات مطلوبة لانخراط من لا يرغبون باستكمال تعليمهم، والالتحاق مباشرة في سوق العمل، ويعطيهم أفضلية على الآخرين عدا عن الأفضلية التي يحصلون عليها لمجرد أنهم خدموا في الجيش. في المقابل، فإن العرب ينهون المرحلة الثانوية ويلتحقون مباشرة بالجامعة أو بسوق العمل، فيتسرب قسم كبير منهم من الجامعات لأنها لم تلائم نفسها لهم، ويواجه الباقي مشكلة في الالتحاق بسوق العمل لأنه لم يحظ بالإعداد المطلوب لذلك.

أنا اقترحت أن يُقام إطار يستوعب الطلاب العرب الذين ينهون الثانوية لمدة سنة أو سنتين، يوفر لهم "الإطار" بحد ذاته أولا، لكي لا يكونوا معطلين أو عاطلين. وثانيا، يوفر لهم الفرصة لاستكمال القدرات والمؤهلات الناقصة للانخراط في التعليم العالي أو سوق العمل.

الإطار المذكور يساعد في عملية التوجيه وتوفير المعلومات المتعلقة بالتعليم العالي، ويساعد في البسيخومتري وامتحان "ياعيل" (تقييم مستوى اللغة العبرية) واللغة الإنجليزية، ويوجه الطلاب لاختيار المواضيع الملائمة لسوق العمل، مثل التوجه للمواضيع التكنولوجية وكليات الهندسيين في مجالات متنوعة يحتاجها السوق عوضا عن كليات التعليم، وينمي لدى الطالب روح التطوع لمجتمعه، وأنا لا أقصد هنا إقامة أي علاقة مع "الخدمة المدنية" التي وبغض النظر عن الأسباب السياسية، لا تلائم المجتمع العربي، لأنها صممت أصلا للحريديين وحاولوا سحبها اعتباطا على المجتمع العربي.

طبعا هذا لا يُغني عن ضرورة إحداث تغيير على بنية المدارس العربية وملاءمتها لاحتياجات الطلاب واحتياجات السوق، واستحداث برامج وأقسام لزيادة المهارات التكنولوجية، وزيادة نسبة الحاصلين على شهادة البجروت، على غرار برنامج "قدرات" المطبق في "التعليم الدرزي" والذي أثبت نجاعته في زيادة نسبة الحاصلين على البجروت هناك.

*د. مريان تحاوخو: مديرة المركز الاقتصادي للمجتمع العربي في معهد "أهارون" في المركز متعدد المجالات - هرتسليا (جامعة رايخمان) ومحاضرة في موضوع الاقتصاد في المركز. حصلت على البكالوريوس في الاقتصاد وإدارة الأعمال من جامعة حيفا، والماجستير في الاقتصاد من معهد التخنيون، وعلى الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة حيفا. عملت في السابق محاضرة في التخنيون وجامعة حيفا وكلية "عيمق يزراعيل".

بودكاست عرب 48