د. كركبي - صباح: ازدياد حالات الطلاق وارتباطها بالتغيرات الاقتصادية الاجتماعية

د. كركبي - صباح: ازدياد حالات الطلاق وارتباطها بالتغيرات الاقتصادية الاجتماعية
توضيحية (pixabay)

يعتبر الازدياد المضطرد في عدد حالات الطلاق من المظاهر اللافتة التي يشهدها المجتمع الفلسطيني في مناطق الـ48 في العقد الأخير، ما يمثل تهديدا للاستقرار الاجتماعي الذي تمثل العائلة ومؤسسة الزواج ركنا أساسيا في بنيانه، وذلك بغض النظر عن صدقية أو عدم صدقية أسباب هذا الازدياد أو كونه ينسف استقرارا قام لعقود طويلة على ظلم المرأة بصفتها الطرف الضعيف في هذا الرباط الاجتماعي.

من الواضح أن مؤسسة الزواج ليست هي المؤسسة الاجتماعية الوحيدة التي تأثرت بفعل التحولات الاجتماعية الاقتصادية التي يمر بها المجتمع الفلسطيني عموما وفي مناطق الـ48 على وجه الخصوص، فالكثير من الروابط والتشكيلات التقليدية تراجعت أو تآكلت قبل تبلور البدائل الحديثة في ظل ضعف تشكيلات المجتمع المدني العصرية التي لم تستطع تعبئة الفراغ وفي ظل غياب الدولة الوطنية وأجهزتها المستمدة من المجتمع نفسه.

على ضوء ذلك، ينظر المراقبون والباحثون بقلق كبير للمعطيات التي تنشر على جانبي الخط الأخضر حول الارتفاع الكبير في نسب الطلاق، حيث أظهرت معطيات المحاكم الشرعية في مناطق الـ48، أن 40% من حالات الزواج وعقد القران تنتهي بالطلاق وكشفت معطيات العام 2018 استنادا إلى 9 محاكم شرعية، أنه جرى تسجيل 3,540 حالة طلاق مقابل توثيق 8,850 حالة زواج سُجِّلت رسميا في ذات العام، ما يعني تسجيل ما يعادل 10 حالات طلاق يوميا، الأمر ذاته كان بنسب أقل في الضفة الغربية وقطاع غزة أيضا.

في المقابل، نرى دالة تشير إلى اعتدال وتراجع في هذه النسب في المجتمع اليهودي الذي يميل في السنوات الأخيرة نحو تثبيت المحافظة التي تنعكس على تعزيز إطار العائلة وزيادة نسبة الإنجاب.

حول هذه الظاهرة وأسبابها وتداعياتها على المجتمع الفلسطيني في مناطق الـ48 بشكل خاص، أجرينا حوارا مع الباحثة والمحاضرة في قسم علم الاجتماع في جامعة بن غوريون، د. مها كركبي - صباح.

"عرب 48": لماذا هذه الطفرة؟

كركبي- صباح: ما كنت لأستعمل مصطلحات مثل سلبي وإيجابي في الحديث عن هذه الظاهرة، بل كنت سأضعها في سياق التغيرات الاقتصادية الاجتماعية عامة التي يمر بها مجتمعنا والتغيرات التي طرأت على وضع النساء، ومنها خصوصا ارتفاع معدل سنوات التعليم والالتحاق بسوق العمل الذي وفر للمرأة الاستقلال الاقتصادي.

د. مها كركبي- صباح

كما هو معروف فإن المجتمع الفلسطيني هو مجتمع تقليدي بما يتعلق بالزواج والعائلة، بمعنى أن العائلة الصغيرة هي ركن أساسي فيه، وهو يرى أن الإطار أو المؤسسة هي فوق الفرد الذي يتوجب عليه بذل كل جهد مستطاع للحفاظ عليها لأنها تمثل رسالة اجتماعية ولدى البعض دينية وليس هدفا فرديا فقط.

على ضوء ذلك، نرى أن نسبة الزواج عالية جدا إذ أن كل شاب وفتاة متوقع أن يكونا متزوجين في جيل معين، لأن الزواج هو الإطار للعلاقات الحميمية وإنجاب الأولاد وهو الإمكانية الشرعية اجتماعيا للعلاقات الزوجية، ولذلك فإن نسبة الزواج ما زالت عالية جدا ونسبة الطلاق ما زالت منخفضة، نسبة إلى مجتمعات أخرى، رغم الارتفاع الذي نتحدث عنه.

لكن إذا نظرنا إلى العقدين الأخيرين خصوصا السنوات العشر الأخيرة نرى قفزة معينة في نسبة الطلاق وهي لم تكن في السابق، وهذه القفزة تعود إلى التغيرات التي حصلت في حياة النساء خصوصا ارتفاع سنوات التعليم والاستقلال الاقتصادي وهذا ما زعزع العلاقة التقليدية القائمة داخل مؤسسة الزواج، الزوج كمعيل والمرأة كمربية منزل، ما أدى في بعض الأحيان إلى زعزعة المؤسسة ذاتها وفي أحيان قليلة أخرى إلى انهيارها. إضافة إلى تغيرات عامة يمر بها المجتمع الفلسطيني أسوة بالمجتمعات الأخرى، مثل تعزيز الفردانية وضعف الروابط الاجتماعية وغيرها.

من الواضح أن تعزيز المفهوم الفرداني يضعف المؤسسات والأطر حيث يصبح الفرد أهم من المؤسسة، وهذا يرتبط بما يدور في دول العالم الغربية من قيم ومفاهيم ليبرالية ونيو ليبرالية تتعلق بالسعادة وتحقيق الذات، والتوقع أن تلبي مؤسسة الزواج هذه الاحتياجات للفرد كفرد، بمعنى أن يكون سعيدا ويحقق ذاته وليس كإطار لتنظيم المجتمع فقط.

"عرب 48": تقصدين أن الطموح الفردي الذي هو وليد التغيرات الاقتصادية الاجتماعية العامة، التقى مع الاستقلال الاقتصادي للمرأة، ليرفع سقف توقعاتها من الزواج، أو على الأقل يمكنها من التمرد على ظلم كانت ترضى به لقلة حيلة وبسبب التبعية الاقتصادية؟

كركبي- صباح: مفهوم أن المرأة كانت ترضى في السابق بالظلم بسبب عدم استقلالها الاقتصادي، فالطلاق كان يعني أن تعود إلى الرعاية الاقتصادية لأهلها، طبعا في حال نالت الدعم من عائلتها الأصلية، إضافة إلى أن مبادرة المرأة بالطلاق لم تكن مقبولة اجتماعيا، ولذلك كانت ترضى باستمرار علاقة سيئة وأحيانا عنيفة ومؤذية بسبب أنها لا تستطيع المبادرة للطلاق وتحمل تبعاته.

اليوم، صحيح أننا نتعرض إلى غزو من قبل القيم والمفاهيم الفردانية اللبرالية والنيو لبرالية وهو وجه واحد للعملة، منها المساواة في البيت وخارجه، لكن الوجه الآخر هو حصول النساء أو قسم كبير منهن على استقلال اقتصادي، ولذلك عندما لا يلبي الزواج التوقعات المرجوة منه أو يجلب التعاسة والعنف، تجد النساء الجرأة في المبادرة للطلاق.

يشجع ذلك التغيير الاجتماعي الذي طرأ على المجتمع الفلسطيني في كثير من المفاهيم والقيم، منها تقبل الطلاق كحل لزواج تعيس من الصعب إصلاحه، وتقبل مبادرة المرأة للطلاق في حالة وقوع الظلم عليها، بخلاف ما كان سائدا ومطلوبا من المرأة في السابق بأن تتحمل الظلم إلى ما لا نهاية حفاظا على العائلة والأولاد.

لكن يجب علينا إدراك أن الأمر لا يحدث بالسرعة والسهولة التي نتصورها، فتبين بالدراسة التي أجريتها، مؤخرا، أنه في كثير من الأحيان تعيش المرأة سنوات طويلة في ظل حياة زوجية صعبة، تحاول على مدارها بناءً على نصيحة العائلة الموسعة والمجتمع إصلاح العلاقة السيئة أو العنيفة، وكأن إصلاح العلاقة والحفاظ على رباط الزواج هو مسؤولية المرأة فقط. وبالتالي اللجوء إلى الطلاق يعرف على مستوى المجتمع أنه "إخفاق" من المرأة وليس من الزوجين.

"عرب 48": الحديث عن نسبة الطلاق تصل إلى 40% عند المسلمين الذين يشكلون 85% من مجتمعنا؟

كركبي– صباح: الاحتساب يتم وفق عدد حالات الزواج مقابل عدد حالات الطلاق، هكذا عادة يتم احتساب الشريحة، وفي السنوات الأخيرة لكل ألف حالة زواج عند المسلمين هناك 8 حالات طلاق وعند الدروز 5 حالات وعند المسيحيين 3 حالات و9 حالات لدى اليهود. والأهم من ذلك هو الارتفاع لدى كافة الفئات في العقد الأخير وحتى أنه تضاعف لدى البعض.

"عرب 48": يبدو أن العامل الديني يلعب دورا كبير هنا، بمعنى سهولة أو صعوبة فك رباط الزواج يقلل النسبة لدى المسيحيين والدروز، بينما يرفعها لدى المسلمين الذين تقترب نسبة الطلاق لديهم من اليهود؟

كركبي- صباح: صحيح، سيرورة الطلاق هي عامل مهم وعالميا في الدول والمجتمعات التي فيها سيرورة الطلاق أسهل والمسار القضائي منصف بحق المرأة، فإن النسبة تكون أعلى، وبالنسبة للمسلمين فهناك ارتفاع ملحوظ في السنوات الأخيرة، بشكل يؤثر على معدلات المجتمع الفلسطيني كله، مقابل اعتدال وتراجع بسيط لدى اليهود للكثير من الأسباب منها أسباب سياسية ترى أهمية لمؤسسة العائلة في تماسك المجتمع اليهودي واستمرارية وجوده.

"عرب 48": المجتمع اليهودي ذاهب باتجاه المحافظة وهذا يظهر في مؤشرات الزواج والإنجاب وغيرها؟

كركبي- صباح: صحيح، هم كمجموعة اثنية تعيش في حالة حرب دائمة تحتل العائلة عندهم موقعا خاصا يختلف عن المجتمعات الغربية الأخرى بالرغم من مؤشرات الحداثة وما بعد الحداثة في المجتمع اليهودي، بينما نمر نحن في مرحلة تغيير اجتماعي وتحول قيمي سيتواصل خلالهما الارتفاع بنسبة الطلاق لفترة معينة، فمجتمعنا يودع على ما يبدو المرحلة التقليدية لمؤسسة الزواج.

من المهم توضيح أن مشكلة المرأة لا تنتهي بعد الطلاق بل تبدأ فصلا جديدا من المعاناة عنوانه المرأة المطلقة، فهناك الكثير من النساء اضطررن لمضاعفة عملهن بعد الطلاق للنهوض بأعباء إعالة الأولاد بسبب تنصل الرجل من الدعم الاقتصادي، ومعروف أن العديد من حالات الطلاق أيضا لها أسباب اقتصادية حيث لا يستطيع الرجل القيام بدوره كمعيل، وهو أمر يتواصل بعد الطلاق أيضا، وبعضهن يدخلن في صعوبات اقتصادية ويعشن في حالة ضنك، هذا ناهيك عن الجانب الاجتماعي المتعلق بنظرة المجتمع للمرأة المطلقة، وعدم توفر الفرصة لها للزواج مرة ثانية كما هو حال الرجل.

"عرب 48": نحن نتحدث عن شريحة ضعيفة بطبيعة الحال؟

كركبي- صباح: نعم لاحظت، بعكس الانطباع السائد إنه كلما ازدادت عدد سنوات التعليم انخفضت نسبة الطلاق، فيما أظهرت الإحصائيات أن احتمالات الطلاق أكثر بين الأزواج والنساء غير المتعلمة وغير المتمكنة اقتصاديا، ويعود الأمر لسببين الأول أنه لدى الفئة المتعلمة والمتمكنة اقتصاديا ما تخسره ماديا واجتماعيا من تفكيك الزواج، والسبب الثاني أنهم لا يعانون أصلا من المشاكل والصعوبات الاقتصادية التي هي بحد ذاتها سببا من أسباب تفكيك الزواج، خصوصا وأنه يتوقع من الرجل أن يكون هو المعيل الأساسي وعندما لا يستطيع القيام بواجبه بسبب صعوبات اقتصادية يتهدد الاستقرار في الزواج ، أما لدخول العائلة في أزمات اقتصادية أو لاختلال التوازن بسبب ارتفاع أجر المرأة عن أجر الرجل مما يتناقض مع التوقعات الاجتماعية لأدوار الزوجين.

"عرب 48": ما هي تداعيات ارتفاع نسب الطلاق على الأولاد وعلى المجتمع؟

كركبي- صباح: لا يوجد لدينا بحث شامل لفحص التداعيات ولكن التحليل الإحصائي للمعطيات دل على أنه كلما ازداد عدد الأولاد لدى المرأة كانت تقل احتمالات الطلاق، طبعا هذا مؤشر للصعوبات، فالبحث الكيفي دل على أن المرأة في كثير من الأحيان كانت تتحمل العبء الأساسي للطلاق من ناحية حضانة الأولاد ورعايتهم وكذلك العبء الاقتصادي، ما يعني أن معاناتها لا تنتهي بالضرورة بالطلاق.

من المهم التوضيح أن الاستقلال الاقتصادي لا يعني انهيار الثوابت الاجتماعية، فهناك دلائل على تمكين العائلات الفلسطينية اقتصاديا واجتماعيا نتيجة لتحسين مكانة المرأة لذا من المهم التأكيد على هذا الجانب. ولكن نحن كمجتمع علينا تهيئة الأزواج الشابة للتحديات الجديدة التي يمر بها مجتمعنا لكون العائلة إطار لا غنى عنه لما يحمله من أهمية على صعيد الفرد وعلى صعيد المجتمع.


*د. مها كركبي صباح: باحثة ومحاضرة في كلية علم الاجتماع بجامعة "بن غوريون" في النقب. تختصّ أبحاثها بالتغيرات الاجتماعية في مبنى العائلة الفلسطينية في إسرائيل ومكانة المرأة الفلسطينية في العائلة، سوق العمل والسياسة.

بودكاست عرب 48