حوار | السلطة الفلسطينية بين فشل الدولة وعودة القبيلة

حوار | السلطة الفلسطينية بين فشل الدولة وعودة القبيلة
مظاهرة في رام الله تدعو لتنظيم الانتخابات التشريعية ومحاسبة قتلة الناشط نزار بنات (Getty Images)

في دراسة بعنوان "السلطة الفلسطينية وهوبيتوس القبيلة" نشرت مؤخرا، يشير الباحث أحمد الحرباوي إلى فقدان السلطة الفلسطينية لقدرتها على أن تكون مؤسسة مؤثرة في حياة المجتمع في العملية السياسية وإنتاجها الشعبي، ويعيد أسباب ذلك، إلى كون وجود هذه السلطة لا يحتكم إلى تراتبية كبيرة من التوافق والانسجام في إرساء بُنيتها وقوانينها وتشريعاتها، وهو يحيلنا إلى واقع أن الدولة بمفهومها الحديث لا تكون مرتكزة على مؤسساتها التي تعمل تحت سلطاتها المتنوعة، بل إنها تعتمد عملية دينامية تمتد شرعيتها من أدنى درجات السلم الاجتماعي، تبدأ من الفرد وتمر بالبُنى التي يتفاعل فيها الفرد، وتنتهي بنظام قانوني يحظى بإجماع الكل، وهو ما ألغته السلطة الفلسطينية.

وفي ظل حالة التفكك والتفرد في الحكم، كما يقول، فَقَدَ الفرد الفلسطيني الثقة بمؤسسات سياسية تنكرت للشرعية الوحيدة في وجودها، وهي إنتاج هوية مشروعة يتفق معها مختلف أطياف المجتمع، بينما الهوية التي سادت في خطاب السلطة الفلسطينية عن السلام والنمو الاقتصادي وتحرر الفرد لم تتوافق مع بعض مركبات أطياف المجتمع.

وتلفت الدراسة، إلى أن التناحر الأيديولوجي (بين حركتي فتح وحماس) لم يأتِ ضمن عملية سياسية كان الشعب هو المحرك الأساسي فيها، وإنما جاء ضمن مستويات حزبية متأصلة ومتناحرة، أغلبية أطياف الشعب منعزلة عنها، ما لم تكن على ارتباط بها على مستوى الوظيفة أو العائلة، لتصبح السلطة الفلسطينية ضمن تلك الدائرة من الصراع، وبتفرد الحزب الواحد في الحكم (“فتح” في الضفة، و”حماس” في غزة)، هي التي تنتج تلك القوانين في التعامل مع القضية الفلسطينية على المستويين الشعبي والرسمي.

الباحث أحمد الحرباوي

وتشير الدراسة إلى بروز الشكل الأخطر في تحولات الدولة الفلسطينية، لأن مفهوم الدولة في الوعي الشعبي أظهرها كأنها "فاعل مرفوع" بكل شيء، وهذه "جملة لاهوتية"، يجب أن تتم إزالتها من "البُنى الذهنية" للأفراد، وفق تعبيراته، لأنها ليست سوى أفعال سياسية يطلقها فاعلون في النظام السياسي للدولة، يخدمون المسيطرين اقتصاديًا ورموزهم السياسية، وقد فُرضت السلطة اللاهوتية على المجتمع الفلسطيني المتشرذم من خلال البدء بإرساء مفاهيم الانتماء إلى الحزب عبر المرور بالعائلة والقبيلة والوظيفة.

وقد عمل كل حزب، وفق ما تفيد به الدراسة، على تغذية نفوذ بعض العائلات في مواجهة العائلات أو القبائل التي تنتمي إلى الحزب المعارض، الأمر الذي أوجد علاقة بين الدولة ورموزها من خلال جماعة وسيطة (القبيلة والعائلة) أجادت السيطرة على الجموع من أجل ترسيخ الولاء للسلطة. وهنا برزت مشكلة خطيرة تتعلق باعتراف تلك السلطات الاجتماعية بنفوذ الدولة، وذلك ضمن سياق مصلحة متبادلة أعطتها إمكان التربع على رأس المدينة أو القرية أو الحي من خلال وظائف حيوية رمزية وقفت في وجه أي عمل اجتماعي أو سياسي معارض للحكم السياسي، وأصبح الحكم السياسي الداعم لتلك الطبقة الرمزية، أهم من فكرة الهوية والوطن والقضية.

لإلقاء المزيد من الضوء على هذا الموضوع وتداعياته، أجرينا هذا الحوار مع كاتب الدراسة، الباحث أحمد الحرباوي*.

"عرب 48": الدراسة تفسر العلاقة بين "القبيلة" والنظام السياسي الفلسطيني الكامنة بعدم تمكّن "الدولة" من التربع بالمطلق فوق هرم المجتمع على الرغم من المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عملت على تطويرها، وترى أن هذا الصراع نشأ أساسًا لدى السلطة بسبب عدم قدرتها على خلق حشد شعبي ينتمي إليها عضويا من دون علاقات وظيفية...

الحرباوي: ضعف الخطاب الوطني، الذي حملته السلطة الفلسطينية، في الوعي الجمعي وبين الناس دفعها للتعامل مع الممكن والموجود لتثبيت نفسها في الحيز، ونتيجة للقطيعة الكبيرة بين الشعب والسلطة، ارتدّت المؤسسات الاجتماعية نحو فضاءات أُخرى لها امتداد عائلي أو جغرافي ضيّق وقد استغلت السلطة هذا الواقع من أجل بناء وتبنّي خطاب قبائلي للسيطرة على تلك البُنى الاجتماعية غير المنتمية إلى النظام الحاكم ومؤسساته، الأمر الذي أبرز القبيلة باعتبارها الوجه القومي الوحيد المسيطر على المجتمع من خلال كونها متناسقة معه وتتعامل مع أفراده وفق مفاهيم دينية وقبائلية ومصاهرة ونسب.

"عرب 48": نحن نعرف أن هذه الظاهرة سادت في فلسطين قبل النكبة، وتمثلت بالانقسام السياسي بين عائلتي الحسيني والنشاشيبي...

الحرباوي: جذور الظاهرة يعود إلى نهايات الحكم العثماني والنزاع الذي وقع في منطقة الخليل والجبل في وسط الضفة الغربية بين الدولة العثمانية ونفوذ محمد علي، حيث دعمت حكومة إسطنبول بعض القبائل، فيما دعمت القاهرة قبائل أخرى، وتمحور الصراع حول جباية الضرائب على الأراضي والمحاصيل الزراعية وعلى النفوذ السياسي.

هذا الانقسام والصراع أعطى شرعية سياسية لتلك القبائل والعائلات التي حصلت على دعم عسكري ومادي وهو ما أسس للصراع السياسي "القبلي" في فلسطين، الذي تواصل بأشكال مختلفة إلى حين وقوع النكبة عام 1948.

"عرب 48": النكبة بما ألحقته من تهديم للبنى الاجتماعية القائمة و"الثورة" بما حملته من إعادة بناء على أساس حزبي فصائلي، أضعفا هذه الظاهرة إلى حد كبير...

الحرباوي: الخطاب الوطني التحرري الذي صاغته منظمة التحرير الفلسطينية حيد هذا الخطاب، وعندما قمعت إسرائيل الحركة الثورية وأسست "روابط القرى" حاولت نفخ الروح في الخطاب القبلي وفشلت في حينه، وعندما دخلت السلطة وتحديدا بعد أن سقط مشروع الدولة الذي اعتمدت عليه في البدايات، تواطأت مع هذا الواقع.

ورغم أن الشباب هم ليسوا من أنصار السلطة لأنها لا تلبي طموحاتهم، الا أننا نعرف أنهم يمتثلون في النهاية لرأي الآباء وكبار العائلة في الديوان، فالسلطة لا تذهب لخوض صراع مع الشباب في الجامعات أو المدارس، وإنما تذهب لكبير العائلة الذي يجمع بدوره رجال العائلة ويفرض ولاء ضمنيا لهذه السلطة الحاكمة سواء كانت سلطة فتح أو حماس.

"عرب 48": كالعادة، القوى الثورية تعتمد على الشباب والقوى التقليدية تتحالف مع نظيراتها...

الحرباوي: صحيح، لكن دور السلطة/ الدولة هو أن تبني مؤسسات شبابية ونوادي ومراكز وطنية تجمع كل الناس على أساس الانتماء للوطن بغض النظر عن الانتماءات الاجتماعية والسياسية والجندرية، لكن ما يحدث هو العكس فنحن عندنا في الخليل كل عائلة لديها ديوان وكل ديوان له ملحقات، اللجنة الثقافية واللجنة الرياضية واللجنة العلمية وهكذا.

"عرب 48": قبل مجيء السلطة كان لدى الفصائل نوادي واتحادات وفرق رياضية وفرق دبكة وحركات طلابية قوية...

الحرباوي: صحيح، في مرحلة معينة، الفصائل أخذت الدور الطليعي وحيدت العائلات، ومع مجيء السلطة كان عليها أن تخلق خطابا وطنيا جامعا وهوية وطنية جامعة ومؤسسات جامعة بمختلف المستويات، ولكن مع الأسف، نحن نفتقد الخطاب الوطني التحرري ونفتقد المؤسسة الوطنية الجامعة، فحتى الجامعات أصبحت تصنف فصائليا، هذه الجامعة تابعة لفتح وأخرى تابعة لحماس، وعندما أحاسب أنا لا أحاسب حزبا، أنا أحاسب سلطة/ دولة يجب أن تتصرف كذلك، لا أن تتصرف كفصيل وتتحالف مع قبائل.

"عرب 48": الخلل، إذن، في السلطة التي فشلت في تولي أمور المجتمع وفرض مرجعياتها وقوانينها المدنية واستبدال السلطة الاجتماعية وأعرافها السائدة؟

الحرباوي: الدولة عملت على ترسيخ القوانين المستمدة من الأعراف القبائلية لردم أي فجوة قد تظهر بين السلطتين، وهذا نوع من الممارسة الخفية من طرف السلطة لسيادتها الرمزية المنظمة، ففواعلها الاجتماعية (القبائلية) أصبحوا الأشخاص المخولين بثّ خطابها الأيديولوجي المنظم على شكل شعارات رمزية كبديل عن الأحزاب أو المكونات السياسية التي تتصارع في ما بينها في فرض سلطتها. وأصبحت تلك الفواعل الاجتماعية الجديدة تمارس فعل الهيمنة من وراء حجاب من الإقناع.

وتمتد هذه الهيمنة لتشمل حقولاً أُخرى لها تأثير غير مباشر في ذهن الفرد، فنرى التأطير يشمل حقول الفن والذوق والأدب والسياسة والدين، وهكذا تصبح السلطة هي المهيمنة على أدق تفصيلات المجتمع تحت غطاء غير مرئي لأنها أصبحت جزءًا من حياة الناس اليومية.

"عرب 48": من الواضح ان الخلل في السلطة كما تقول، ولكن إلى أي مدى يعود ذلك إلى عدم اكتمالها كـ"دولة" كاملة السيادة والمواصفات؟

الحرباوي: نعم، الخلل يكمن في النظام السياسي بكل مؤسساته التنفيذية والتشريعية والقضائية، وهو نظام سلطة نشأت لتبني دولة ولكنها انتهت في عملية الحفاظ على هذه السلطة وشرعية وجودها، فهي تستمد شرعية وجودها من مسار معين راهن والناس رافضة لهذا الراهن الذي تحميه، ولذلك هي تستنزف كل طاقاتها لتحمي هذا الواقع.

*أحمد الحرباوي: من مواليد مدينة الخليل عام 1991، وهو روائي وباحث دكتوراة في مجال سوسيولوجيا الرواية والأنثروبولوجيا الثقافية؛ وباحث في مختبر السرديات الفلسطيني وعضو إداري في نادي الندوة الثقافي؛ نشر العديد من المقالات الأدبية والنقدية والثقافية في العديد من الصحف والمجلات العربية.

صدر له: رواية "في كانون يموت الحب حيًا" عن دار فضاءات للنشر والتوزيع؛ ورواية "خيانة مقدسة" عن الدار العربية للعلوم ناشرون؛ وكتاب "فصول عن حكايا منسية: مقاربة أنثروبولوجية لمحطات من موروث مدينة الخليل الثقافي" عن وزارة الثقافة الفلسطينية، ودراسة: الانحراف والجريمة في المجتمع الفلسطيني - مقاربة سوسيولوجية في الرواية الفلسطينية.

بودكاست عرب 48