حوار مع د. الهزيل | مطلوب رؤية إستراتيجية شاملة في مواجهة تحديات "الصهيونية الدينية"

حوار مع د. الهزيل | مطلوب رؤية إستراتيجية شاملة في مواجهة تحديات "الصهيونية الدينية"
سموتريتش وبن غفير (Gettyimages)

في مواجهة صعود "الصهيونية الدينية"، وفي معرض تحليله لنتائجها وصف الكاتب الإسرائيلي، آفي رام تسورف، انتخابات الكنيست الأخيرة بأنها معركة على إعادة توزيع ثمار الفوقية اليهودية مشبها حالة تصاعد قوة "الصهيونية الدينية" والفئات الاجتماعية التي تمثلها بالحالة التي نشأت في أميركا في عهد الرئيس السابع، أندرو جاكسون، الذي فاز في الانتخابات عام 1928 والتي سميت بـ"دور الإنسان البسيط" وشكلت نقطة تحول في توازنات القوة داخل مجتمع المستوطنين البيض الأميركي.

وعزا الكاتب تصاعد قوة "الصهيونية الدينية" إلى تحولات في التجمع الاستيطاني الإسرائيلي والصراع على ثمار الفوقية اليهودية، مشيرا إلى أن صعود بن غفير والقضايا التي يطرحها هو مؤشر على عملية توسع القطاعات الاجتماعية المشاركة في القوة السياسية والتي تحدث بموازاة تعمق السيطرة الكولونيالية.

وبالمقارنة مع الحالة الأميركية أورد أنه قبل صعود الرئيس جاكسون في أميركا، أمسكت بمراكز القوة مجموعات من تجمع المستوطنين صاحب الأقدمية والحظوة، وهي المجموعة التي سكن غالبيتها في المناطق الشمالية الشرقية للولايات المتحدة وخصوصا في المدن الكبيرة، إلا أن القطاع السكاني الذي مثلته آخذ بالتقلص.

بالمقابل بدأت تتبلور مجموعات شعبية تطالب بتوسيع دائرة الجمهور التي تتمتع بحق المشاركة في الحكم، وهي مجموعات تمثل مصالح أصحاب مزارع صغار ومهاجرين جدد من أوروبا، استوطنوا في اطراف المناطق الغربية للولايات المتحدة التي يمكن تسميتها بـ"مناطق الأطرف" الأميركية، وقد تبنت هذه المجموعات سياسة التوسع غير المحدود الذي لا يعترف بالمعاهدات والعقود التي أبرمت مع السكان الأصليين، وطلبت دعم السلطات الفدرالية لها في عمليات سيطرتها بالقوة والمال على أراضي السكان الأصليين.

أما في الحالة الإسرائيلية، يستدرك الكاتب، أن بن غفير هو جزء لا يتجزأ من المجموعة المتمكنة (الصهيونية الدينية) التي تمتعت بثمار الكولونيالية، ولذلك فإنه يترك الوعودات المتعلقة بالتوسع الاستيطاني الكبير الواسع على الأرض لمجموعة النخبة التي خرجت منها (الصهيونية الدينية) ويطلق باتجاه المجموعة التي يتوجه إليها وعدا آخر هو "القوة"، وهو يراهن على أن الناس الذين يتوجه إليهم كانوا مغيبين عن المجموعات التي تتمتع بثمار التفوق اليهودي في إسرائيل لسنوات طويلة.

ويشير كاتب المقال إلى ثلاث مناطق جغرافية تشكل مسرحا لهذه التحولات هي مناطق "ج" (المستوطنات) والجليل والنقب، ويركز بشكل خاص على النقب منوها إلى أن ارتفاع نسب التصويت في المدن اليهودية هناك، عموما و"للصهيونية الدينية" بشكل خاص، سببه دعاية "الحكم والسيطرة" التي وعد بها بن غفير.

ويقول إن بن غفير، في إطار محاولته بلورة النقب كمنطقة "فلة حكم" يعيد إنتاجه كـ"منطقة متمردة" و"غرب فوضوي"، الأمر الذي يحول أشخاصا مثله ومنظمات أخرى مثل "الحارس الجديد" إلى "شريف" (بالمعنى الأميركي)، يمتلك قدرات عظيمة، وهو قادم لفرض النظام في الحي وحماية مكتسبات الاستيطان، بينما يظهره كـ"شريف" قادر على أن يستل مسدسه من جيبه وإشهاره في كل لحظة تجسيدا لهذه القوة.

وبهذا الصدد، حاور "عرب 48" ابن النقب، د. عامر الهزيل، حول هذا الموضوع ودلالات صعود بن غفير وسموتريتش و"الصهيونية الدينية".

د. عامر الهزيل

"عرب 48": كيف تقرأ نتائج الانتخابات الإسرائيلية وصعود "الصهيونية الدينية"؟

الهزيل: برأيي أن إسرائيل تطورت في ثلاث مراحل، الدولة الأولى التي أقامتها "الصهيونية العلمانية الاشتراكية القومية" الدموية، بقيادة بن غوريون ومباي ومبام وحزب العمل، وهي التي أسست إسرائيل بحدود 1948 بشكل احتلالي واستعماري، أوجد الأرضية لإقامة دولة إسرائيل بين النهر والبحر باحتلال 1967، وبالتالي هي التي أقامت المستوطنات بوعي تام مثلما قال ديان، "نحن نقيم المستوطنات لتقييد يد الواقع، لكي لا يرفع أحد نظره ويسأل لمن هذه البلاد، هذه بلادنا والحدود الدولية لإسرائيل هي نهر الأردن"، تلك هي الدولة الأولى.

الدولة الثانية، ظهرت بانقلاب 1977 وتسلم "الليكود" بقيادة مناحيم بيغن مقاليد الحكم وبداية مرحلة أسميها بدايات نظام بمواصفات فاشية برؤية جابوتنسكي، لأن الفاشية تعني تمكين الدولة وتمكين القائد في حياة الدولة ككل والشعب ككل، تلك قناعات جابوتنسكي وقناعات بيغن وشمير و"الليكود" عموما، دولة الجدار الحديدي.

ومن معالم هذه الدولة (الثانية) صهينة الدين وتديين الصهيونية، وهو أمر تطور خطوة بعد أخرى إلى أن وصل حالة تطرف وأوجد مرحلة متقدمة في تطوره تمثلت باغتيال رابين على خلفية أوسلو، وانا أقول إن اغتيال رابين كان من أنجح الاغتيالات السياسية في التاريخ المعاصر، لأن الذين اغتالوه جلسوا مباشرة وما زالوا على دكة الحكم، نتنياهو الذي وقف على الشرفة وحرض على القتل وبن غفير وسموتريتش اللذين كانت أياديهما متورطة في العملية.

لذلك أنا أقول اليوم، إن فوز بن غفير وسموتريتش وصعود "الصهيونية الدينية" هو تطور طبيعي لـ"الدولة الثالثة" بمواصفات نازية، ومخطئ من يعتقد أن إسرائيل انتقلت إلى الفاشية، فهي كانت في مرحلة الفاشية بنهج جابوتنسكي- بيغن الذي بدأ في 1977 وبلغت أوجها في "قانون القومية" عام 2018.

الانتخابات الأخيرة نقلت إسرائيل إلى مظاهر الدولة بالمواصفات النازية، كما حدث في ألمانيا عام 1917 حيث أقاموا الحزب "القومي الاشتراكي" الألماني، وخطوة بخطوة وعلى ظهر الديمقراطية حسم الدولة عام 1933 وشكل الحكومة تحت شعار ألمانيا والشعب الألماني فوق الجميع.

هكذا كان مع حزب "الصهيونية الدينية" الذي بدأ من 6 مقاعد وازداد في الانتخابات الأخيرة إلى 14 مقعدا بزيادة 57%، عدا عن مركبات اليمين في "الليكود" والأحزاب الدينية الأخرى، ليخلق واقعا يطالب فيه بن غفير وسموتريتش بطرد العرب والحكم بالحديد والنار.. إلى جانب أجندتهما المتعلقة بالقدس والضفة الغربية والأقصى.

"عرب 48": نحن أمام حكومة يمين ويمين ديني متطرف وأمام معارضة سقط منها ما كان يعرف بـ"يسار صهيوني"..

الهزيل: نحن أمام وضع فيه نصف أعضاء الائتلاف الحكومي يؤيدون "إقامة الهيكل اليهودي" من جديد ويريدون إقامة طقوس يهودية في الأقصى، وبالتالي فإن الحكومة الجديدة بشراكة "الصهيونية الدينية" لها هدف يتمثل بما يعرف برؤية 2048.

انتبه إلى ما قاله سموتريتش ردا على المعارضة عليه بإشغال منصب وزير الأمن، قال، ما كان لن يكون ورددها أكثر من مرة، وهو يقصد أن المستقبل لهم برؤية 2048 وهم يعتقدون أن هذا النهج بالمفهوم النازي، "اليهود فوق الجميع" سيصل إلى إسرائيل 2048 بدون عرب وبدون يهود لبراليين متنورين أيضا.

وحقيقة أنه منذ الولادة المشوهة لإسرائيل في عام 1948 وحتى اليوم، هناك ثنائية تتصارع هي اليهودية والديمقراطية، والمؤسسين الأوائل اعتقدوا أن الديمقراطية هي التي ستنتصر دوما، وربما في أحلام بن غوريون المزعجة ما كان يتصور صعود سموتريتش وبن غفير، وحتى أن نتنياهو نفسه ذكر في إحدى المناسبات أن "الصهيونية العلمانية الديمقراطية" ستبقى تتحكم بالأمور.

ولكن في هذه الثنائية التي أسميها وحدة وصراع الأضداد، كانت اليهودية تزحف نحو الديمقراطية إلى أن وصلنا اليوم إلى وضع تهدد فيه اليهودية بنفي مظاهر الديمقراطية، ليس عن العرب فقط، بل عن اليهود اليساريين المتنورين الذين لن يكون أمامهم خيار في المستقبل إلا الانضمام للعرب في طرح دولة المواطنين أو حزم حقائبهم ومغادرة إسرائيل.

"عرب 48": إسرائيل لديها خطة أو رؤية لنفسها لعام 2048 أيضا..

الهزيل: خطة إسرائيل لعام 2048 هي أن تحسم المعركة ديمغرافيا أيضا، لكن برؤية أقل نازية وفاشية، بأن تتعايش مع العرب كأقلية عددية بعقلية المسيطر والمسيطر عليه أو المستعمر والمستعمر عليه، ولكن هذا ليس بأيديها فالتطورات التي تجري على الأرض هي لصالح القوى ذات المفاهيم النازية الصاعدة، أمثال سموتريتش وبن غفير اللذين يريدان دولة يهودية صهيونية من دون عرب ومن دون يهود متنورين.

"عرب 48": والسؤال كيف لنا مجابهة هذا الواقع خصوصا في ظل حالة التفكك والشرذمة التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة؟

الهزيل: دعني أقول شيئا بالنسبة للأحزاب العربية، أولا، الموحدة ونهجها الجديد وبيضة القبان "انفقست" في انتخابات 2022، ولذلك أنا لا أتوقع من إسرائيل أن تتراجع وفي الصراع بين اليهودية والديمقراطية ستبقى اليهودية تمسك الرسن وتعمق نهج السيطرة على الدولة ونهج الدولة الثالثة، وبالتالي فإن نهج منصور عباس انتهى إلى غير رجعة.

لكن ما أريد ان أقوله إن منصور عباس بنهجه الجديد كشفنا كمجتمع فلسطيني في الداخل وأظهر انقسامنا إلى قسمين، "عرب إسرائيل" و"فلسطينيي 48"، لأنه ليس صدفة أو عبثا تمكن عباس والموحدة من حصد خمسة نواب، وليس عبثا أو صدفة أننا خلال الانتخابات الأخيرة كنا نخرج لنناقش الناس البسيطة التي تقول لك، إن لم أكن في الحكومة كيف أحل مشاكلي اليومية؟ وبالتالي دعنا من "الفلسطينيين" فهم يحلون مشاكلهم لوحدهم.

هذا يعني أن وجود منصور عباس وطرحه كشف لنا عمق الأزمة وعمق الأسرلة التي نعيشها، ووجود وعي مجتمعي يرى في نفسه جزءا من الدولة، مثلما عرف عباس نفسه عندما قال أنا اعترف بيهودية الدولة واعترف بقانون القومية، أي الاعتراف بكل مظاهر السيطرة اليهودية، هو قال نريد ميزانيات و"بدنا نعيش" والكثير من الناس التقطت ذلك.

"عرب 48": لكن نتيجة الانتخابات كانت صفعة لهذا النهج وأصحابه..

الهزيل: نتيجة الانتخابات وتطور الدولة الثالثة كما تحدثت عنها، هي بالفعل صفعة لهذا النهج وفرصة لنا كحركة وطنية ككل في بناء الوعي الجماهيري الجديد على أنقاض فشل الموحدة ونهج التأثير، حتى بعد أن باع أصحابه "ما وراءهم وأمامهم"، كما يقولون.

فشل النهج أثبت أن القضية ليست ميزانيات وأن المشكلة تكمن في طبيعة هذه الدولة وتعريفها كدولة اليهود فقط، وبكونها لا تعترف بالمواطنة المتساوية للجميع، وهنا مربط الفرس.

"عرب 48": هم دائما ينقذوننا من أنفسنا..

الهزيل: كما أقول دائما، إن "هزيمتنا" تلك وهزيمة أوسلو ليس نحن من صنعها، بل هم، وتحت وطأة الهزيمة إسرائيل وحدتنا أرضا وشعبا وقضية، بعد أن شطبت حدود 67 و48 وبات علينا الآن التفكير في رؤية إستراتيجية موحدة، لأن طبيعة الدولة الثالثة ومركباتها بمواصفاتها النازية تغلق الباب على كل "نهج جديد" حتى لو كان جيش لحد الثالث.

"عرب 48": وهذا ينسحب على الضفة الغربية أيضا..

الهزيل: صحيح، فإسرائيل شطبت حل الدولتين منذ زمن بعيد ولم تبق أمام السلطة الفلسطينية سوى خيار الوكيل الأمني لإسرائيل، كما هو حالها اليوم، وجاء قانون القومية ليؤكد وفاة حل الدولتين نهائيا ويثبت واقع دولة واحدة فقط بين النهر والبحر، ثم جاءت أكثر من مؤسسة دولية ووصفت النظام الإسرائيلي بين النهر والبحر بأنه نظام أبارتهايد.

وعليه فإن الواقع الذي فرضته إسرائيل يتطلب طرح إستراتيجية جديدة تحت عنوان "معا ولوحدنا في رؤية 2048" لمواجهة مخطط إسرائيل لـ2048 الواضح بكل تفصيلاته، حتى في كيفية محاربة الرحم الفلسطيني.

وانا أشدد على ضرورة وضع إستراتيجية مجابهة لعام 2048 تشمل أيضا انتصار الرحم الفلسطيني، بحيث يصل عدد أفراد الأسرة العربية إلى ستة أطفال على الأقل.

بودكاست عرب 48