ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية (14)د.مصطفى كبها

ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية  (14)د.مصطفى كبها

كان فوزي القاوقجي قد قد أضفى جواً عسكرياً منظماً على أعمال الثورة المسلحة التي أريد لها، في البداية، أن تكون رديفاً للإضراب والعصيان المدني. لكن القاوقجي وقع في عدة مطبّات وأخطاء جعلت نجاحه في مهمته أمراً غير ممكن ومن هذه الأخطاء نذكر:


كان المنطلق الذي خرج منه القاوقجي حين مجيئه إلى فلسطين، هو أنه ذاهب ليساعد مقاطعة من سوريا، والتي أطلق عليها "سوريا الجنوبية ". وبذلك يكون قد أغضب أو، على الأقل، لم ترض الزعامة الفلسطينية التي كانت آنذاك حساسة جداً لمشاريع الضم والاحتواء التي كانت رياحها تهب من الشرق تارة ( من جهة الأمير عبد الله ) وتارة من جهة جهة الشمال الشرقي ( من نوري السعيد في العراق ).

ومن الجدير ذكره هنا، أن فوزي القاوقجي اتخذ لنفسه لقب القائد العام دون مشورة اللجنة العربية العليا أو باقي الزعامات الفلسطينية، بل كي يأخذ هذا اللقب طريقة نحو الشرعية، عمد إلى جمع بعض زعماءالفصائل المسلحة في مقر قيادته وانتزع منهم هناك، الإقرار به قائداً عاماً لفصائل الثورة المسلحة.

وبالطبع لم يكن هذا ليرضي زعماء الحركة الوطنية الفلسطينية وخاصة المفتي الذي رأى بوجود القاوقجي في البلاد "تعريباً "للقضية الفلسطينية وازدواجية بالقيادة للنضال الفلسطيني من أجل الاستقلال.


كان القاوقجي قليل الثقة بالعناصر الفلسطينية بالثورة ( كما عبر عن ذلك عدة مرات في جلساته مع مخاتير وزعماء القرى التي عمل في محيطها ) خاصة في الأمور التنظيمية والتكتيكية فمن بين قادة الكتائب الأربعة التي نظّمها، كان هناك فلسطيني واحد هو فخري عبد الهادي، وهو الذي لم يفز بأكثر من اللقب الفخري "نائب القائد العام للثورة العربية في سوريا الجنوبية "، هذا إذا أضفنا لذلك كون فخري شخصية غير مرغوب فيها على الصعيد الشعبي وخاصة بين قادة الفصائل المسلحة، وربما أضاف هذا العامل للشعور العام بعدم الارتياح من سلوك القاوقجي ورجاله.

كان هذا العامل، بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير. في البداية كان الأهالي يقدمون المساعدة والمؤن عن طيب خاطر، لكن عندما كثرت الطلبات بحيث أصبحت فوق طاقة الأهالي، ( الذين كان وضعهم الاقتصادي، كما هو معروف، قاسياً بعد الاضراب الطويل )، انتشر التذمر بين الأهالي خاصة بعد اتباع سلطات الانتداب لطريقة العقاب الجماعي للمتعاونين مع الثوار.

وبذلك كان الأهالي هدفاً لضغطين متعاكسين: ضغط السلطات البريطانية وضغط الطلبات المتزايدة للقاوقجي الذي اتبع، هو الآخر، طريقة العقاب الشديد للذي يتأخر في تقديم المساعدة لقواته، ولأجل تطبيق ذلك، قام بتشكيل محكمة للثورة كانت وظيفتها محاكمة المنحرفين والمتهاونين.

وقد زاد من استياء القرويين تلك الاشاعات التي كان مفادها ان فوزي القاوقجي يستغل مساعدة القرويين له في كل ما يلزمه من مصروفات، أما المبالغ المخصصة لتلك المصروفات والتي ترده من "لجنة الجهاد العليا " من دمشق فإنه، حسب تلك الاشاعات، كان يستغلها لفائدته الشخصية، وذلك بأن يأتي أخ له إلى مقر قيادته في قرية بلعا أو جبل خريش ويحمل ما جمعه القاوقجي من أموال إلى مدينة طرابلس، مسقط رأسه.

لكن هذه الاشاعات لم تجد لها تصديقاً في أي من المصادر التي تعرضت للموضوع ، لكننا نذكرها هنا لأنها ما زالت شائعة إلى يومنا هذا بين أولئك الذين عاصروا الأحداث أو كان لهم صلة بها.
لعل من أهم العوامل التي منعت من القاوقجي أن يكون قائداً عاماً مقبولاً على جميع الأطراف، هو تدخله في الشؤون الداخلية الفلسطينية وميله إلى المعسكر النشاشيبي المعارض للمفتي الحاج أمين الحسيني، وذلك على حساب علاقته بالمعسكر الحسيني.

فكما هو معلوم استقر القاوقجي في المنطقة الواقعة بين مدن جنين، نابلس وطولكرم، وقد كانت علاقاته هناك جيدة مع عائلتي عبد الهادي وأرشيد المعارضتين الشيء الذي أصاب علاقاته، منذ البداية، مع الحسينيين بالفتور . بل تعدى ذلك إلى العداء السافر الذي ميّز علاقاته بالمفتي، إلى درجة اتهم فيها القاوقجي المفتي بأنه عميل إنجليزي، في حين وجّه الحسينيون نفس التهمة للقاوقجي وأعوانه، بل واتهموه أيضاً بأنه مبعوث من قبل الأمير عبد الله لتقديم طموحاته ويعمل حسب تعليمات جون باغوت غلوب "أبو حنيك "،القائد البريطاني للجيش العربي الأردني.

واكب خروج القاوقجي من البلاد الدعوة الي وجهها الزعماء العرب لـ"أبنائهم " من عرب فلسطين كي يوقفوا الاضراب ويعطوا بريطانيا فرصة لبعث لجنة لتقصي الحقائق حول ما يجري في فلسطين.

وقد سار جنوده نحو شرقي الأردن من خلال ثغرة تركها له البريطانيون مفتوحة في سهل طوباس، بعد أن ضيقوا عليه الخناق من كافة الجهات. بشرط أن لا يعود لمزاولة نشاطه الثوري في فلسطين ثانية.

يبدو أن للإتهام الذي وجه للقاوقجي حول علاقات معينة ربطته بالانجليز كان ما يبرره، وذلك لأنه لو لم يكن هناك اتفاق مسبق بين الطرفين، لما استطاع القاوقجي عند مغادرته البلاد ان يمر ويستقر في أماكن ترزح تحت التأثير الانجليزي شبه التام ( أمارة شرقي الأردن )، او تحت الاحتلال الانجليزي الفعلي ( في العراق رغم أنه كان مستقلاً رسمياً منذ 1932 ).

فلو أراد الانجليز فعلاً أن ينالوا من القاوقجي لما تأخروا عن ذلك ولمل وقف في وجههم عائق، ولو أراد القاوقجي مناوأة الانجليز، فعلياً، لما لجأ إلى بغداد التي كان قائد القوات البريطانية فيها هو الآمر الناهي.

ولكن الملفت للنظر هو أن القاوقجي، رغم كل علامات السؤال التي رافقت سلوكه أثناء قيادته لفصائل الثورة المسلحة في فلسطين في صيف عام 1936، عاد إلى فلسطين عام 1948 ليقود قوات جيش الانقاذ الذي شكلته اللجنة العسكرية للجامعة لإنقاذ فلسطين فكان اداؤه، هذه المرة ، أشد إخفاقاً وإيلاماً وكارثية عن إدائه في المرة الأولى.



وللحديث بقية ......