سلسلة جولات في القرى الفلسطينية المهجرة (الحلقة 3): جولة في أم الشوف/ د.مصطفى كبها

سلسلة جولات في القرى الفلسطينية المهجرة (الحلقة 3): جولة في أم الشوف/ د.مصطفى كبها

في هذه المرة ، نستمر في زيارة منطقة الروحة الغربية وسنعرض لتفاصيل جولتنا في قرى أم الشوف وخبيزة.

عصر الجمعة الموافق الثالث من آذار مارس 2006 خرجنا في سيارة جيب تتبع الصديق محمد سلامة (أبو سلامة ) وقد انضم لنا في هذه الجولة الأستاذ محمود نجيب مصالحة ( أبو ثائر ) وابنه عبد المنعم إضافة للصديقين أحمد إغبارية وسليمان بويرات إضافة للفتى أثير نجل الصديق أبي سلامة.

سرّني الإقبال المتزايد على جولتنا التي بدأت تعرف بجولة الجمعة، خاصة أنها بدأت تجذب بعض النشء الذين أبدوا اهتماما لما سمعوا ورأوا.

فور خروجنا من كفر قرع نحو الشمال حيث بلاد الروحة ذات الخضرة البراقة والمساحات مترامية الأطراف، أدار أبو سلامة إبرة المذياع ليسمع آخر ما استجد من أخبار الإنتخابات، قالها وهو غير مقتنع بأن الأمر سيحلو لمعظم المتواجدين في السيارة الذين آثروا مشاهدة المناظر الطبيعية والمياه المتدفقة على سماع الأخبار المجترة في وسائل الإعلام، وكان أبو سلامة في سريرته هو أيضاً مؤيداً لهذا الرأي وسارع لتأييد أحمد إغبارية الذي عمد إلى شرح الإختلاف بالسياقات بين سياق نحن بصدده وسياق نسترق السويعات القليلة، في هذه الجولات القصيرة، للهروب منه.

يممنا نحو الغرب في الشارع الإسفلتي الجديد، نسبياً، الذي يربط كفر قرع ، من بابها الخلفي، بالمراح (جبعات عادة ) حيث كانت قنير عن يسارنا وأراضي أم الشوف عن يميننا، مررنا بأطلال بيت الشيخ فاري الفاعور (شمالي شرق قنير ) وقد ظهرت كومة من حجارة مرّت عليها عاصفة فتركتها قاعاً صفصفاً .

انعطفنا يمنة حيث أصبحت مستوطنة جبعات نيلي ( التي بنيت على أراضي أم الشوف ) على يميننا ومن ثم انحدرنا على طريق ترابي نحو الشمال، وبعد أمتار قليلة تبدى لنا على يميننا مقام الشيخ محيي الدين العواطلة، وهو المبنى الوحيد الباقي من قرية أم الشوف.

ولعل الناظر إلى المقام من بعيد يدرك كنه إسم القرية، حيث يراه رابضاً في أعلى التلة التي كانت تقوم عليها بيوت القرية في مكان مشرف يرى الجالس فيه البحر المتوسط في الغرب، وجبال أم الفحم ووادي عارة في الشرق، ودير المحرقة القائم على ذرى الكرمل في أقصى الشمال الشرقي.

والشيخ العواطلة هو شيخ صوفي قدم إلى القرية نهاية القرن التاسع عشر وتوفي ودفن فيها (أنظر الصورة المرفقة لقبره ). وإليه نسب سكان القرية والمنطقة بعض الكرامات وكان له في فترة الانتداب موسم يحتفل الناس ويوفدون إلى قبره حاملين الرايات.

عبّر أبو سلامة عن انفعاله عندما رأى السناسل ( جدران الحجارة الفاصلة بين قطع الأرض المختلفة ) ما زالت قائمة والموارس التي بينها بقيت كما تركها أهلها. والذي زاد من انفعاله منظر سروب الزيتون المتراصة شمالي القرية والتي مازالت، هي الأخرى، على ترتيبها الأول.


تفرق أعضاء المجموعة بحثاً عن الشومر والنعناع البري والحميض ( التي حققت أوراقه "أطباقه " في هذه المنطقة أرقاماً قياسية في الحجم ، يمكن أن يدخلها كتاب جينيس بلا مصاعب تذكر)، في حين لازمني سليمان الذي جاءت عائلته بالأصل من قرية الفشة ( وهي قرية من قرى إجزم تقع خمسة كم إلى جهة الجنوب الشرقي منها على أطراف وادي الملح الشمالية وإلى الشرق من أم الجمال.

سألني عن سكان القرية وعائلاتها وعن أماكن تواجدهم الآن، فأجبته أن عدد سكان القرية كان عام 1948 قرابة 530 نسمة كلهم من المسلمين. أما عائلات القرية فكانت شناعة ( منها المختار الأخير للقرية أحمد شناعة ) وصبّاح وصبح ( منهم أحمد صبح مدير عام وزارة الثقافة والإعلام الفلسطينية ) وسمور وقدح.

بلغت مساحة مسطح أراضي القرية 7500 دونم كلها أراضي مملوكة زرعها الفلاحون بالمحاصيل الشتوية والقثائيات. باع الفلاحون محصولاتهم في مدينة حيفا التي أعتادوا على تسويق منتوجاتهم وتسوّق حاجياتهم منها.

أما صديقي أحمد إغبارية فقد أهتم بالنشاط الوطني للسكان أبان ثورة 1936-1939 فقلت له أن القرية شكلت، كغيرها من القرى الفلسطينية، فصيلاً بقيادة أحمد الجربوع وكان يتبع صبري الحمد عصفور ويوسف أبو درة، كان عدد أعضاء الفصيل 11 ثائراً نذكر منهم أمين أبو جنزير، حسن السليمان، إبراهيم محمود الإبراهيم وطه العبدالله . كما وكان في القرية مقر لأحدى محاكم الثورة الفرعية تكون طاقمها من: محمد أحمد المسعود، محمد أحمد إسماعيل، سعيد مصطفى شناعة وسعيد الحاج محمد.

كانت معركة م الشوف ( التي جرت في صيف 1938 ) هي أهم المعارك التي خاضها هذا الفصيل، والتي طوّق الإنجليز على أثرها القرية وعاثوا فيها فساداً، وذلك بعد أن فرضوا حظر التجول وجمعوا الرجال في المسجد وقاموا بمصادرة 11 بندقية واعتقال أصحابها.

تقدمنا نحو عين البلد، الموجودة في الطرف الشمالي الشرقي من القرية، وسمعنا صوت تدفق مياهها من بعيد وذلك بعد أن مررنا على مقبرة القرية، وقرأنا الفاتحة على أرواح ساكنيها. وعلى الأعتاب الشرقية للمقبرة وعلى بعد أمتار من عين الماء ما زالت تنبت وردة جورية عبقة برائحتها المعطرة ولونها الزهري المائل للحمرة، هذه الوردة رأيتها في زيارتي الأولى للقرية قبل عشرين عاماً بالضبط، وأنا أرجح أنها البقية الباقية من جدار ورد جوري أحاط المقبرة قبل التهجير.

في الساحة الخلفية للعين وفي بستان من الزيتون كان يتبع بيت الصبّاح، ألفينا أربعة شبان من قرية كفر قرع المجاورة يشوون اللحم على أنغام الموسيقى ( وهو منظر جدلي شائع هذه الأيام في بلاد الروحة ) تعرف الأستاذ محمود النجيب على الفتيان بحكم كونهم من طلابه السابقين، وسألهم إذا كانوا يعرفون أين يتواجدون ؟ ولما لم يعرف أحد منهم، قال لهم اسم القرية فقال ثلاثة منهم إنهم لم يسمعوا به من قبل (تقع كفر قرع على بعد 5 كم شرقي أم الشوف!!)، في حين قال الرابع مجاملا بأنه سمع مرة ما بالأسم من قبل. في حين أشاح بوجهه عنا وأخذ يقلب قطع اللحم الشهية المتحرقة على الكانون الملتهب، فكانت هذه الحركة منه إيذاناً لنا بالإنصراف وقد فعلنا ذلك على أنغام زفرة ثم تنهيدة أطلقهما معلمهم السابق، الذي بادرني فيما بعد بقول يشدد فيه على ضرورة إحضار الطلاب لهذه القرى وتعريفهم على معالمها.

كان تهجير أم الشوف، كما اسلفنا في حلقات سابقة، يوم 1948 5 .12، اليوم الذي هجرت فيه صبّارين والسنديانة وخبيزة وبريكة.

لم يحدث في القرية قتال أو مقاومة، إذ أن معظم سكانها كانوا قد غادروها قبل وصول قوات الإيتسيل إليها، وذلك بعد ما تناهى إلى أسماعهم ماحصل في صبّارين على يد تلك القوات.

أما وثائق الإحتلال الموجودة في أرشيف الإيتسيل فتتحدث عن محاكمة ميدانية أجراها الضابط المسؤول في أم الشوف وهيئة محكمين لسبعة شبان عرب جاؤوا مع لاجئي قرى الساحل وعندما قام الجنود بتفتيشهم وجدوا معهم سلاحاً ، وعندما لم يعترف أحد منهم بملكية السلاح ، حكمت المحكمة الميدانية عليهم بالإعدام رمياً بالرصاص وتم تنفيذ الحكم على الفور..
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018