يامن زيدان.. من سجان سمير القنطار إلى محاميه..

يامن زيدان.. من سجان سمير القنطار إلى محاميه..

يامن زيدان.. من سجان سمير القنطار الى محاميه.. ابن العائلة الثكلى من بيت جن يفقد أخوين فؤاد وصالح في حروب اسرائيل العدوانية؛ أحدهم في عملية مقاومة لحزب الله عام 96.. والأب الثاكل يبرق في حينه تعازيه لعائلة المقاتل في لبنان الذي استشهد في العملية.. السجان من بيت جن هو اليوم موظف وزارة الأسرى الفلسطينيين.. حكاية اغتراب وضياع وعودة الى الذات..

هذه الحكاية ليست إلا ما يستطيع آخر الاحتلالات الإجرامية في العالم أن ينتجها، والذي يسعى على الدوام وبمنهجية منقطعة النظير إلى تشويه المعالم وتشويه الإنسان.

وحالة يامن زيدان ليست إلا عينة صارخة مما ينتجه واقع الصراع العربي الاسرائيلي في هذا العالم المستكبر لاسيما في ظروف ينزع فيها الطرف المتجبرالى مصادرة الأرض والإنسان، ومصادرة آخر شجرة وآخر عصفورة غردت على آخر غصن خارج السرب.. وأخر فراشة حامت فوق شرنقة ليقطع آخر نفس تلفظه الحياة.. لكن السجان يامن زيدان يدرك بوجدانه الانساني والعروبي المتأجج لاحقا أنه ليس من احترافه ملاحقة وحبس العصافير، بل يجنح بجموحه الأخلاقي والعروبي الأصيل بأن يكون العصفور الصغيرالذي ينشد الحرية ويحلق بجناحيه الصغيرتين ليدفع الاستحقاقات بمحض إرادته، وليكبر وتكبر به الحياة فيستفيق على عالم يحترف المظالم وتتحول فيه الضحية الى جلاد والجلاد الى حمل وديع.

ولا تروق له هذه الوضعية متمردا، فيطلق العنان لخياله ويشرع نوافذ العقل بثورة وجدانية لاتعرف التردد، لينتقل من وضعية الملاحق للحريات الى مدافع جسور عن الحرية والإنسان، إذ من الغرابة والمفارقة معا أن يتحول السجان في القسم الأمني رقم 3 في سجن "هداريم" لسمير القنطار ومروان البرغوثي الى محامي عنيد لأولئك ومن بينهم سمير القنطار.. لكن مهما قيل ومهما أسهبنا في هذا إلا أن تبقى هذه الحكاية لتختزل وضعية الموحدين الدروز بمرارتها بما تحمل من تناقضات ومفارقات يصعب على عديمي النظر والبصيرة إدراك وملامسة فاجعتها..

** يامن زيدان أنت ابن الطائفة المعروفية وقد قمت بوظيفتك كسجان كما أعدت لك سلفا، وقد يكون هذا سقف حلم الشباب لديكم على ماذا هذه الثورة ؟

* أولا أنا ابن مذهب التوحيد وهو جزء لا يتجزأ من الإسلام شاء من شاء وأبى من أبى، والموضوع لدي لم يعد دينيا أو مذهبيا إنما قوميا وإنسانيا بامتياز، وذلك بقدر ما لحق بنا من الغبن، واحدة عندما فرض علينا التجنيد الإجباري، ومرة عندما تم تخويننا. وهذه وضعية لا نحسد عليها، إذ أنك تعيش حالة من الصراع والضياع وخسارتك في هذه الحالة تكون مزدوجة، خصوصا عندما يتنكر لك الجميع. أما بالنسبة لسقف الاحلام فماذا كنت تتوقع من إنسان يعيش واقعا غيبت فيه كل ما يخص حقيقته وتاريخه العروبي والإسلامي بشكل منهجي متعمد استهدف تجريده من كل مقومات انتمائه القومي الحضاري والثقافي والإنساني، الأمر الذي جعل سقف احلامنا يقتصر على الزي العسكري دون وعي أو اكتراث للسياسة التي استهدفت نزعنا وسلخنا عن بقية ابناء شعبنا وأمتنا العربية، وذلك ليس من خلال زرع بذور الفتنة الطائفية فحسب، بل حتى الفتنة المذهبية كنهج معروف للاحتلالات على مر التاريخ .

** مهما قلت لكنك كنت السجان في القسم الأمني وبالتحديد في سجن "هداريم" قسم -3- وهناك كان يقبع من بين السجناء سمير القنطار ومروان البرغوثي كيف لك أن توصف هذه الوضعية؟

* بداية عملت كسجان في الأقسام الجنائية، لكن عندما تم نقلي إلى القسم الأمني كان هذا بمثابة أول احتكاك مع عالم السجناء الأمنيين، الذي أجهله تماما إذ بدأت ألاحظ الفوارق بين نوعين من السجناء من حيث المسلك والمستوى الثقافي، رغم حجم التقييدات والمحظورات والملاحقات التي تنتهجها إدارة السجون ضدهم، الأمر الذي أثار اهتمامي وفضولي لاكتشف لاحقا أن شعورا ينمو ويتعزز لدي بالتعاطف والتضامن معهم من خلال احتكاكي ونقاشي مع الأسرى، ما دفعني للعودة للقراءات التاريخية لأرتقي إلى مستوى نقاشاتهم، ولاكتشف من خلال ذلك حقيقة تاريخي كابن لمذهب التوحيد "الدرزي" المغيب عمدا من منهج التعليم "الدرزي" في مدارسنا، وكل ذلك قاد الى نتيجة واحدة لاغير بأننا أبناء الشعب الواحد والأمة الواحدة، وقضية الأسرى، أو القضية التي أتت بالأسرى هي قضيتي وأن مصيرنا هو واحد، وأن مكاني ودوري ليس الحفاظ على أسرهم، بل تولدت لدي قناعات عميقة أن دوري هو العمل على تحريرهم.

** هذا التحول في التفكير والموقف من النقيض الى النقيض كيف وجد له ترجمات عملية وبأي الطرق؟

* أنا لا اعتقد بان هناك تحولا بقدر ما هو عودة إلى الذات التي طال بها الاغتراب والتضليل المنهجي، إذ أنني بعد كل هذا التعاطف والتضامن ومساعدتي من موقعي كسجان هو غير كاف، إذ علي أن أعيش هذه الحقيقة كي تكتمل دائرة الانتماء المقرونة بالفعل، وبعدها لم أحتمل البقاء في نفس العمل كسجان، مما اقتضى أن اخرج إلى إجازة لأربعة أشهر ترافقت مع صراع داخلي حاد، وبالتالي حسم هذا الصراع لصالح العودة إلى الذات. هذا الصراع الذي أنتجه أصلا النهج السياسي الذي يستهدف العرب، بمن فيهم الموحدون، لصالح الحقيقة التي يجب أن تتجسد وتترجم بالأفعال.

** لقد كانت المفارقة الأكثر إثارة أنك تحولت من سجان لسمير القنطار إلى محاميه كيف لذلك أن يحدث ؟

* بعد كل ما أسلفت قد عرفت فيه الإنسان والقائد من خلال عملي كسجان، وقد قررت في نفسي أن يكون أول سجين أقوم بزيارته بعد إنهاء دراستي المحاماة، وهذا ما حدث رغم تخوفي من أن لا يقبل مجالستي لكوني سجانه سابقا. لكن خلافا لتخوفاتي وما توقعت كان هناك استيعاب وتفهم واحتواء ليس فقط من سمير بل من جميع الأسرى بمن فيهم القائد مروان البرغوثي، الأمر الذي ترك أثرا بالغا في نفسي، وعزز من قناعاتي أكثر ليزيدني تشبثا بحقيقتي وفخرا بانتمائي. وهكذا شعرت كم نحن بحاجة لهذا الاحتواء بمفهومه الإيجابي للإيمان بأننا شعب وأمة واحدة نحتاج الى لغة غير لغة التشكيك والتخوين. وفي غضون ذلك تم اختياري من قبل سمير لأكون الناطق الإعلامي والقانوني الرسمي في وسائل اللاعلام الفلسطينية والإسرائيلية، وحتى الآن لازلت أتابع له دعوة قضائية ضد صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية.

** أنت ابن العائلة الثكلى التي فقدت في حروب اسرائيل أخوين فؤاد 18 عاما، وصالح 22 عاما، في عملية عسكرية لحزب الله عام 1996 ولا شك أن الجرح لازال مفتوحا ونازفا إلى أين يتجه غضبك؟

* بعد وصولي لحقيقتي ازددت قناعة بأن إخوتي فؤاد وصالح وأمثالهم كثر قد سقطوا ضحايا للمشروع الصهيوني، الأمر الذي يبرز مدى وعمق مأساة الشعب الفلسطيني، الذي استهدف ويستهدف على يد هذا المشروع المجنون والإجرامي. وهذا ظلم وغبن مضاعف الى جانب سلب الأرض والهوية. ونحن نفقد خيرة شبابنا في معارك ليست عادلة وغير مبررة، وبالتالي ليسموهم ما شاءوا قتلى ضحايا أو شهداء سيبقون إخوتي الذين افتقدهم وأبكيهم وسيبقى جرحا نازفا ومفتوحا ليذكر دائما بحجم الجريمة النكراء للمشروع الصهيوني غير العادل وغير الإنساني والذي حتما سينقلب على رؤوس أصحابه.

** الوالد كمال زيدان أبرق في حينه تعزية الى عائلة مقاتل حزب الله الذي قام بعملية التفجير بالدورية الاسرائيلية التي كان من ضمن أفرادها شقيقك فؤاد هل هي لحظة غضب وانتقام من مسؤولين عن حرب غير مبررة؟

* هذا صحيح.. في أعقاب هذه العملية سألته إحدى وسائل الإعلام الإسرائيلية وبالتحديد في تاريخ 20-3 1996 وكان جوابه غير المراد لوسائل الإعلام عندما فاجأهم وأبرق بتعازيه لعائلة مقاتل حزب الله، وبوصفه إياهم بالعائلة الثكلى ولا فرق بمشاعر الأهل.. وقوله إن أخي صالح وهذا المقاتل ليسوا إلا ضحايا لهذا الواقع التي تعيشه المنطقة. وقد سمعت أقوال الوالد عندما أكد هذا، مضيفا أنه في أول فرصة تفتح به الحدود سيكون أول المعزين لتلك العائلة في لبنان.

** أنت اليوم موظف وزارة الأسرى الفلسطينيين.. هل هذه هي المكافاة؟

* أنا لست موظفا، ولكني تشرفت لأكون من ضمن طاقم محامي وزارة الأسرى الفلسطينية التي تتابع قضايا الأسرى الفلسطينيين عموما. وهذا هو بمثابة استمرار لعملية الاحتضان الفلسطيني التي تأتي من خلال التفهم لوضعية الموحدين الفلسطينيين، والتي بادر اليها أساسا الأخ أبو القسام مروان البرغوثي الذي التفت إلى هذه المسألة من خلال تفهمه العميق للقضية الفلسطينية، والسياسة المنهجية التي تتبعها إسرائيل ضد جميع شرائح الشعب الفلسطيني، وبضمنهم الموحدون الدروز .

** هل من رسالة أخيرة؟

* أتوجه من خلالكم للشعب الفلسطيني والعربي أن يبتعد عن لغة التخوين، واستبدالها بلغة الفهم والتفهم لعلاج القضايا، وليس الاستسلام للأفكار المسبقة. وإن الشباب من الموحدين الفلسطينيين يحتاجون إلى مساعدة عربية جماعية لكشف الحقائق، ودعمهم معنويا بهدف صد هذه الهجمة الصهيونية ضدهم، خصوصا أن الغبن اللاحق بالموحدين هو غبن مضاعف. وإن مقولة الموحدين هم مع "الحيط الواقف" ليست إلا نتاج المشروع الصهيوني الذي يكرس مقولة "فرق تسد" علما أن تاريخ الموحدين يشهد بأنهم كانوا من أوائل المتمردين على كل احتلال ضد الأرض العربية، من فخر الدين المعنى الى سلطان باشا الأطرش. وكما أعلن عن استقلال سورية في بيت سلطان باشا الأطرش وعن استقلال لبنان في بيت الأمير مجيد أرسلان، سيعلن إن شاء الله استقلال فلسطين في بيت موحد فلسطيني .