ما زال المسافر العربي مشبوها في الرحلات الجوية الإسرائيلية ولم يتغير شيء بعد سنة من إصلاحات موفاز

  ما زال المسافر العربي مشبوها في الرحلات الجوية الإسرائيلية ولم يتغير شيء بعد سنة من إصلاحات موفاز

لم تعتقد هبة يزبك(23عاما) ورفيقتها جمانة سالم أنهما تعتبران بالنسبة لأجهزة الأمن الإسرائيلية في المطارات خطرا أمنيا بدرجة عالية، ولم تتوقعا أن التمييز العنصري سيتمثل بأبهى صوره في طريق عودتهما من روما إلى مطار «بن غوريون»، المقام على أراضي اللد السليبة، في رحلة شركة «إل-عال» الإسرائيلية، رغم البشرى التي زفها وزير المواصلات، شاؤول موفاز، قبل سنة بأن أمن المطارات بات يتخذ إجراءات أمنية موحدة للجميع.

قبل عام، وبالتحديد في 8.8.2007 انبرى موفاز، ليزف لرؤساء السلطات المحلية العربية الذين اجتمع معهم في مدينة حيفا، بشرى بدء العمل بنظام جديد وأن الإجراءات الأمنية باتت موحدة لكافة المسافرين، بعد إدخال جهاز فحص جديد ومتطور. وأكد موفاز أن الملصقات الملونة التي تشير إلى درجة الفحص الأمني لحاملها ألغيت.
وحال إعلان موفاز انبرى بعض أعضاء الكنيست «العرب» في الأحزاب الصهيونية للحديث عن إنجازاتهم و«نضالاتهم» واتصالاتهم لوقف مهزلة المهانة والإذلال التي يتعرض لها العربي، خاصة وأن هذه الإجراءات طالت أقرب الناس إليهم، أهل بيتهم(ابنتها).

وكان موفاز قد اجتمع مع رئيس الوزراء، إيهود أولمرت، قبل حوالي ستة شهور من زف تلك البشرى، وأبدى الأخير قلقه من الاهتمام الإعلامي بتقارير المنظمات الحقوقية حول التمييز العنصري والمهانة التي يتعرض لها العرب في المطار وفي الرحلات الجوية للشركات الإسرائيلية. وأشار أولمرت لموفاز بأن يضرب أسداسا بأخماس والعمل على تعديل الأنظمة المعمول بها في أمن الرحلات الجوية وفي معابر الحدود الإسرائيلية وتسهيل الإجراءات على المسافرين العرب. وكان أولمرت يخشي اتساع دائرة الاهتمام بالتمييز العنصري في رحلات الشركات الإسرائيلية ضد العرب، وأن يعود ذلك بالضرر على إسرائيل، في الجانب الإعلامي على الأقل.

بعد سنة من بشرى موفاز، يبدو أن أمن المطار وشركات النقل الجوي الإسرائيلي لم تسمع بها، أو أن أحدا لم يكلف نفسه جهد إبلاغهم بذلك، وما زال المسافرون العرب مشبوهين. وأكد مسافرون عرب أنهم لم يلحظوا أي تغيير، لا قبل بشرى موفاز ولا بعدها، وأنه حال وصول المسافر العربي إلى قاعة المسافرين، سواء كان متجها إلى مطار «بن غوريون» من مطار دولي آخر، أو مغادرا منه، يتم اقتياده بمنتهى الأدب للاستجواب والتفتيش والتمحيص. وقال أحد المسافرين: " المفارقة أن رجال الأمن الإسرائيليين يحاولون أن يكونوا «مؤدبين» وخلق انطباع بأنهم يؤدون مهامهم التي يرونها ضرورية، ويتوقعون منك أن تتقبل عملية «المرمطة» بابتسامة تفهم".
الشابة هبة يزيك، ناشطة سياسية من مدينة الناصرة، شاركت في مؤتمر شبابي في روما، وفي طريق عودتها مرت بتجربة مريرة شعرت بأنها يجب أن تتحدث عنها، بدأت في مطار روما ولم تنته في مطار «بن غوريون».

وتقول هبة: "خلال عودتي من روما، بعد المشاركة في مخيم بعنوان «التفاهم بين الحضارات» ضمن وفد من جمعية الشباب العرب «بلدنا» مررت بتجربة عصيبة، ليس لها علاقة بالتفاهم بين الحضارات بل هي نقيضها". وتشرح هبة ما مر عليها قائلة: "لدى وصولي إلى مطار روما استقبلتني إحدى موظفات الأمن الإسرائيلي وطلبت مني بأدب متناه أن توجه لي بعض الأسئلة، ليس تحقيقا كما أوضحت، بل أسئلة عن بعض الأمور المتعلقة بالرحلة، فتعاونت لعلمي أن ذلك بات جزءا من إجراءات السفر، وحققت معي الشابة اللطيفة قرابة نصف ساعة، وتركزت الأسئلة في أمور شخصية وأخرى متعلقة بالمؤتمر الشبابي الذي شاركت فيه حتى ضقت ذرعا. وبعد ذالك أبلغتني أنها ستأخذ حقيبتي لمدة دقيقتين فقط لتمريرها على جهاز الفحص ومن ثم ستعيدها إلي". ولكن الموظفة ذهبت ولم تعد! وطال انتظار هبة.

وتردف هبة: بعد قرابة 20 دقيقه توجهت لأحد رجال الأمن وقلت له إنني أنتظر منذ 20 دقيقه لاستلام حقيبتي التي قالوا أنها ستغيب دقيقتين فقط، وسألته بهدوء عن سبب المماطلة. فأجابني بأنهم سيعيدون لي الحقيبة بعد 5 دقائق، ودخل غرفة مجاورة.
وتضيف: "حينما فتح باب الغرفة رأيت حقيبتي فارغة كلياً وجميع أغراضي مبعثرة خارجها، في أنحاء غرفة التفتيش، فبدأ ينتابني شعور بالغضب. وتصف هبة مشاعرها حينذاك: "حين رأيت منظر أشيائي وحاجياتي الشخصية مبعثرة شعرت بالاهانة، فمن جهة شعرت بأنهم يستهترون بي حينما كذبوا علي، فمرة قالوا أنهم سيعيدون الحقيبة بعد دقيقتين، وبعد 20 دقيقة قالوا أنهم سيعيدونها بعد 5 دقائق، ومن جهة أخرى صدمت لقيامهم بتفتيش الحقيبة دون وجودي أو حتى دون إذني أو إبلاغي بتفتيشها بهذا الشكل". وتتابع: "توجهت إلى رجل الأمن وقلت له وقد بدأ الغضب يجتاحني إلا أنني حاولت أن أبدو هادئة إنه من غير المقبول أن يفتشوا أغراضي دون إذني ودون إعلامي بذلك ودون وجودي معهم خلال التفتيش، ثم أنهم يقومون بالعبث بحاجياتي الشخصية، ويكذبون علي في ذات الوقت".
وتتابع: لدى سماعه أقوالي قام رجل الأمن باستدعاء المسؤول عن الأمن الإسرائيلي في المطار، الذي بدوره لم يبد نية للإصغاء إلي، وتهرب من السؤال، وقال بصرامة واضحة رغم محاولته أن يبدو حديثه مؤدبا«نحن الأمن ونستطيع أن نفعل ما نشاء، من حقهم تفتيشك كيفما يشاؤون، وإن لم تخضعي للتفتيش لن تتمكنين من السفر».
وتتابع هبة الحديث بعصبية ممزوجة بالمرارة: "ذهب المسؤول مباشرة إلى غرفة التفتيش وعاد وبرفقته موظفة أمن أخرى، التي توجهت بدورها إلي وطلبت مني الدخول لغرفة التفتيش حيث كانت تنتظرني شرطية ايطاليه لتقوم بتفتيشي جسدياً وبواسطة جهاز"، انتهى التفتيش ولا يمكن أن أصف شعوري في ذلك الوقت، فقد كان مزيجا من الحنق والغضب وقلة الحيلة، وشعرت بحاجة لأن أصرخ، إلا أنني تملكت نفسي.

وتردف هبة في سردها: لم تنته القصة هنا فبعد التحقيق والتفتيش والمماطلة في إعادة الحقيبة، صادر رجال الأمن هاتفي الخليوي بحجة أنهم يريدون إخضاعه لفحص امني، وتعهدوا بأن يرفقوه إلى باقي حاجياتي وحقيبتي التي قالوا أنها ستكون على متن الطائرة وسأتسلمها لدى وصولي إلى مطار «بن غوريون».
وبعد أن تأوهت، تابعت: هذه «المرمطة» استمرت ما يقارب الساعتين، وقبل موعد انطلاق الطائرة بدقائق اقتادتني موظفة الأمن من غرفة التحقيق إلى الطائرة مباشرة ورافقتني حتى جلوسي على مقعدي في الرحلة. وتستدرك هبة قائلة: قبل صعودي إلى الطائرة حاولت التأكد من أن حقيبتي وهاتفي وحاسوبي وباقي أغراضي سترافقني، فأكدت موظفة الأمن لي أنها ستكون على الطائرة قبل إقلاعها وأن ليس هناك داعيا للقلق.

وهنا أيضا لم تنته معاناة هبة، فلدى وصولها إلى مطار «بن غوريون» فوجئت أن حقيبتها غير موجودة بين حقائب رحلتها. فاضطرت إلى التوجه إلى مكتب الحقائب المفقودة في المطار للاستفسار، فأخبروها أن حقيبتها لا زالت في مطار روما! وتقول هبة: "شعرت حينذاك بغضب جامح اختلط بشعور بقلة الحيلة". وتتابع: "طلبت التحدث مع المسؤول، وحينما حضر أخبرني أن حقيبتي لا زالت تخضع للفحص ألامني وعندما ينتهون منها سأتمكن من استلامها". وتلخص هبة معاناتها، بالقول، صحيح أنني استلمت الحقيبة في اليوم التالي لكن ما حصل معي هو عملية تنكيل نفسي فظيع.

جمانه سالم، رفيقة هبة، مرت بنفس المعاناة، ولكنها كانت أقل وطأةـ إذ اختصرت بعض مراحلها، إلا أنها تسلمت حقيبتها بعد أسبوع كامل من وصولها. وتقول جمانة: إن معاناة هبة توقفت بعد يوم من وصولها إلى البلاد، حينما تسلمت حقيبتها، إلا أن معاناتي استمرت أسبوعا كاملا، فخلال الأيام السبعة التي أعقبت وصولي إلى البلاد كنت أتصل يوميا عدة مرات لأستفسر عن حقيبتي، بكل ما رافق ذلك من مماطلة واستخفاف من قبل سلطة المطار.

وكانت هبة خلال سردها لما مر عليها، تذكر أيضا شابا إيطاليا ذا ملامح شرقية مر بتجربة مماثلة لتجربتها وعاش فصول ذات المعاناة بحذافيرها. وفي النهاية أكدت هبة أنها توجهت للمركز الحقوقي «عدالة» لمتابعة الجهة القانونية للموضوع.

على عكس، ما أعلن عنه وزير المواصلات، بأن جميع المسافرين سيمرون بإجراءات أمنية موحدة، ما زال التمييز صارخا والتغييرات الشكلية التي أدخلت لا تغير من هذا الواقع. فالملصقات الملونة(حسب شدة الخطر) التي أعلن موفاز عن إلغائها استبدلت جميعها بملصقات بيضاء إلا أنها بأرقام مختلفة تشير إلى «مستوى الفحص الأمني» للحقيبة وحاملها. ويشير الرقم 5 إلى أن صاحب الحقيبة مصنف بمستوى عال من الخطر الذي يتطلب فحصا أمنيا مشددا.

في نهاية الحديث نظرت إلى هبة وتساءلت: هل تعرفين أن الرحلات الجوية الداخلية من كريات شمونة إلى تل أبيب ممنوعة على العرب، واستدركت قائلا: لا أفهم كيف يمكن أن تكوني درجة 5!