تجنيد العرب كان وما زال هدفا للحركة الصهيونيّة/ سعيد نفاع

 تجنيد العرب كان وما زال هدفا للحركة الصهيونيّة/ سعيد نفاع

فتح الإرشيفات الصهيونيّة بحكم قوانين التقادم وبالذات إرشيف الجيش وإرشيف "شيروت هيديعوت- شاي" التي تحولت لاحقا لتصير "الشاباك"، فتح معه شهيّة المؤرخين والدارسين للغوص فيها لمعرفة تاريخ فترة عصيبة من حياة بلادنا، أل-48 وما قبلها وما بعدها والتي ما زالت ألغازها كثيرة.


من سلسلة الكتب الدراسيّة هذه كتاب " طبق النحاس – السياسة الإسرائيلية تجاه الطائفة الدرزيّة" لشمعون أفيفي صادر عن مؤسسة "يد بن تسفي" القدس 2007، كتاب حري بالقراءة لما فيه من معلومات قيّمة حول تجنيد العرب بشكل عام والعرب الدروز بشكل خاص، تدحض الرواية المنتشرة من ناحية، ومن الأخرى لعل في ذلك بوصلة لمقاومي كل أشكال الخدمة الأمنيّة التي بدأت ولشديد الأسف تنهش في جسم فلسطينيي ال-48 بشكل لم يسبق له مثيل، ليصير في بعض القرى العربيّة وبكل شرائحها الطائفيّة عشرات المتجندين طوعا وعلى رؤوس الأشهاد دون أن يرف لهم أو لذويهم جفن، عدا آلاف المتطوعين في الخدمة المدنيّة والشرطة الجماهيريّة .



في عزّ حرب ال-48 في 24\8\1948 عمّم قائد الجيش حينها "يعكوف دوري" أمرا لأقسام الجيش لأعلامهم عن قيام وحدة الأقليات في الجيش، وأن استعمال هذه الوحدة يجب أن يوزن من ناحية عسكريّة ومن ناحية سياسيّة، وبناء علية فقائدها يجب أن يعين بالتنسيق مع القسم السياسي في وزارة الخارجيّة ويكون على صلة وتنسيق مع وزارة الخارجيّة بكل ما يتعلق في الأوجه السياسية لأي مهمة تناط بالوحدة.



إذا الحركة الصهيونيّة أرادت دائما مجندين عربا ومن دواع سياسية لا أمنيّة وعملت على ذلك وفي عز حربها المصيرية، مما يدحض الرواية وكأن هذه الشريحة أو تلك وبالذات العرب الدروز طلبت هي التجنّد. وإذا أخذنا في الاعتبار ما كشفته هذه الدراسة عن تقرير من الشاباك على خلفيّة حرب الاستقلال (كتسميتها) أن الدروز يشكلون خطرا أمنيا على دولة إسرائيل، نفهم أن تجنيدهم لاحقا وفي وحدة الأقليات هو لدواع سياسيّة محضة لا تمت إلى الأمن بصلة، سياسة "فرّق تسد" الموروثة، وكل هذا الكلام قبل أن يفرض التجنيد إلزاميا في أبريل\نيسان سنة 1956.


ولعلّ أبلغ خلاصة جاء بها الكاتب في هذا المجال وفي سياق فصل الدروز عن بقيّة العرب سنة 1967، إذ بقيت معالجة أمورهم في الأقسام العربية أسوة ببقية العرب رغم التجنيد، قوله:


"التبريرات الحقيقيّة لقرار إخراج معالجة الدروز وقضاياهم من الدائرة العربية لم يُعلم بها لا الدروز ولا حتى قياداتهم ، والتي لخصها رئيس الحكومة بقوله: تفريق الدروز عن العرب هو شأن من شؤون الدولة".



إن المواقف التي اتخذها حينها المرحوم الشيخ أمين طريف الرئيس الروحي والتي يكشف عنها هذا الكتاب\ الدراسة، تلقي الضوء على حقيقة مؤامرة تجنيد الدروز ، فتفيد الدراسة:


"إن ادعاءات الشيخ أمين طريف الأساسيّة هي أن كل شاب درزي يتجند فهو عرضة لثقافة قذرة، وخدمة الدروز بالجيش يوصم اسم الطائفة بالعار في الدول العربيّة، وإسرائيل ستزج الدروز في خط المواجهة في الحروب".




2



وتضيف الدراسة ورغم ذلك بدأت عمليات التجنيد فخرج الشيخ سلملن طريف (أخو الشيخ أمين) في يوم التسجيل للتجنيد إلى قرى عسفيا والدالية والبقيعة وقرى أخرى داعيا ضد التجنيد، وهكذا فمؤيدو الشيخ أمين وحتى الشيخ جبر معدي والمختار نجيب منصور من عسفيا امتنعوا عن التجند".


وقد جنّدت السلطة عملاءها لعقد مؤتمر صحفي لإدانة الشيخ أمين صرحوا فيه:


"أن الشيخ أمين هو صاحب ماض قومي ومعارض للاستيطان اليهودي، وغير مخلص لدولة إسرائيل وموقفه نابع من علاقته السلبية مع دولة إسرائيل. وإن الشيخ أمين يقوم بدعاية بين النساء الدرزيات ضد تجنيد الأبناء، ويهدد أن لا يصادق على عقود الزواج للجنود الدروز الخادمين في الجيش وأن يُبعد من صفوف الطائفة كل شاب يتجند"


وتتمم الدراسة:


"نفذ الشيخ أمين طريف تهديده في حال أحد المجندين من قريته جولس ولم يصادق له على الزواج رغم كل الضغوطات"


ويضيف الكاتب طبعا بالاعتماد على الوثائق المكشوفة:


"لحكومة إسرائيل كانت مصالح متناقضة في تجنيد الدروز، فمن ناحية أرادت توسيع الشق بين الدروز وبقية الأقليات ولذلك بادرت إلى التجنيد، ومن الأخرى كانت هذه السياسة مناقضة لموقفها بدعم القيادة الروحيّة للدروز يعني دعم الشيخ أمين طريف، ولكن بسبب اعتراضه على التجنيد اضطرت أن تنفذ التجنيد وتفضل هذا الموقف على الآخر".





هذا فيما يخص العرب الدروز فماذا كان فيما يخص بقية العرب؟


تقول الدراسة:


"منذ أكتوبر 1948 انشغلت وزارة الأقليات في مسألة تجنيد العرب لجيش الدفاع الإسرائيلي. ففي رده على المسؤولين عنه في القدس أوصى موشي ييتح من موقعه كمدير فرع حيفا لمكتب الأقليات، بتجنيد الشباب العرب لتقوية ارتباطهم بالدولة ولرفع شأنهم بنظر أنفسهم وبنظر الجمهور اليهودي. واقترح أن يتم التجنيد حسب القاعد التالية: يُجند الرجال الذين في جيل التجنيد لأعمال خدماتيّة وإذا طلبوا ذلك فبعيدا عن خط المواجهة. المتطوعون العرب يقبلون للخدمات المساعدة والمتطوعات العازبات يقبلن للخدمات والأعمال المساعدة".


ويصرح بن غوريون للجنة الخارجية والأمن في 6\6\1949 :


"بشكل عام لن يكون أي تمييز (في التجنيد) أبناء ال-18 من العرب شبان وشابات يرسلوا للأعمال الزراعية"


وفي مناسبة أخرى يقول:


"واجب التجنيد يسري على كل المقيمين في الدولة"


وفي لجنة الخارجيّة والأمن يوم 25\7\1949 يقول:


"بالنسبة لخدمة العرب في الجيش القانون يسري على الكل، ولا توجد هنا قضية يهود وعرب، إذا كانت حاجة لوحدة أقليات نبحثها. القانون يشمل الكل".







3



مقابل موقف الشيخ أمين طريف الصارم ضد التجنيد الذي رأينا أعلاه، نجد في الوثائق التي يستعرضها الكاتب الآتي:


"عندما بحث قانون الخدمة الأمنيّة في الكنيست الأولى سنة 1950 لم يطلب أعضاء الكنيست العرب (في الأحزاب الصهيونيّة) سريان مفعوله على العرب واقترحوا تأجيل ذلك بضعة سنوات بنظام خاص، فقط الشيوعيون طالبوا من على منصّة الكنيست أن يشمل القانون العرب. في خطابه في الكنيست رأى عضو الكنيست توفيق طوبي أن عدم تجنيد العرب هو سياسة تمييز عنصري، وهي سياسة تتعارض مع كل مجهود لامتلاك صداقة الجماهير العربيّة".


فأجابه بن غوريون:


"هنالك شك أن يكون موقفك معبر عن رأي الجمهور العربي"


ورغم ذلك ظلّ موقف الحزب الشيوعي مؤيدا للتجنيد لاحقا وحسب ملحق لرسالة قسم الحكم العسكري رقم م\5117 من تاريخ 4\أكتوبر\1954. أ.م، م.ح-ح ص\18\2402 .



موشي شاريت الذي خلف بن غوريون في رئاسة الوزارة وبنحاس لفون في وزارة الدفاع بدآ بتنفيذا قرارتجنيد العرب وفي 9\7\1954 أصدرت الحكومة أمرأ بتسجيل الشباب العرب مواليد 1934-1937 للتجنيد، وتحت التبرير " لتحرير العرب من الإحساس بالتمييز وفي النيّة لمساواة كامل المواطنين في الحقوق والواجبات"


وتضيف الدراسة:


" على الرغم من كل الشكوك والتخوفات تمت عملية التسجيل بانتظام ومن أصل 4520 شابا يسري عليهم القرار تسجل أكثر من 4000. أسبوعية المرصاد الصادرة بالعربية والتابعة لحزب مبام اليساري الصهيوني ومجلة الأخاء الصادرة عن جمعيّة الأخوة المسيحيّة كتبتا: رغم ذلك لا نيّة عند السلطات بتجنيد العرب في الوقت الحاضر. امنون لين شرح لاحقا وبعد سنوات، أن أمر التجنيد هدف إلى فحص ردة فعل الجمهور العربي ومدى استعداده للتماهي مع منظومات الدولة".



الأمر الغريب والمستهجن هو موقف القيادات العربية الدرزيّة من هذا الأمر مقابل موقف القيادات العربية الأخرى في شرائح شعبنا الأخرى، والأغرب هي نسبة الإقبال هذه مقابل نسبة المعترضين من الدروز كما سيبين لاحقا، رغم أن النتائج في التنفيذ كانت عكسيّة مما يثبت أن قضية التجنيد كانت سياسية بامتياز لدق الأسافين بين أبناء الشعب الواحد، ولكن الأهم أن قضية تجنيد العرب لم تنزل عن جدول أعمال المؤسسة الإسرائيلية وإذا امتنعت هي حينها عن التجنيد فاليوم هي فاعلة فيما يسمى بالخدمة المدنيّة والتي رأينا أين تمتد جذورها وما هي أهدافها وأغراضها.



تجنيد العرب الدروز والشركس إجباريا:


أوقفت المؤسسة الإسرائيلية كما رأينا تجنيد بقيّة العرب وبدأت حملة شعواء على القيادات العربيّة الدرزيّة المعارضة وعلى رأسها الشيخ أمين لفرض التجنيد إجباريا على الدروز والشركس مكتفية بالمتطوعين من بقيّة شرائح أبناء الشعب الفلسطيني. وقد نجحت في ذلك في أبريل 1956 بفرض التجنيد إجباريا على الشباب العرب الدروز والشباب الشركس رغم المعارضة الواسعة كما سيتبين لاحقا.






4




يقول صاحب الدراسة:


" الحكم العسكري في الشمال لخصّ في نهاية كانون ثاني 1956 الوضع في الطائفة في الموضوع مقررا: أن غالبية أبناء الطائفة يعارضون التجنيد وألائك الذين وقعوا من أجل التجنيد خائفون من قول ذلك... مقابل رسائل الاحتجاج الكثيرة التي وصلت السلطات، رسائل تأييد قليلة وصلت".


ورغم ذلك يضيف المؤلف:


"رغم المعارضة الشديدة لأكثرية الدروز للتجنيد الإجباري قرر قسم التجنيد في وزارة الدفاع تنفيذ القرار وأعطيت التعليمات لمكاتب التجنيد أن تبدأ بالعملية لكن النتائج كانت مفاجئة فمثالا، من أصل 39 مطلوب من يركا قبل استلام أمر التجنيد فقط 11 "


ويضيف:


"اللجنة اللوائية اجتمعت في 7\3\1956 ووجدت حسب تقرير التجنيد الذي وضع أمامها لدراسته، أنه فقط 28% من المطلوبين الدروز للتجنيد امتثلوا للأوامر، فمن أصل 197 شابا استدعوا من القرى في مناطق الحكم العسكري امتثل 51 ، ومن أصل 117 شاب استدعوا في المناطق غير الخاضعة للحكم العسكري (دالية الكرمل وعسفيا ) امتثل 32 شابا.



الكاتب يروي عن الكثير من الإجراءات التعسفيّة التي اتخذت ضد "المتهربين"، وكل قرية تعرف اليوم أي عذاب لقيه الشباب الرافضون عند القبض عليهم. للكاتب نفسه روى أحد هؤلاء أن أحد الضباط واسمه "محمد الشركسي" ظلّ يضرب رأسه بالحائط حتى وصلت دماؤه الأرض باعتباره حسب رأيه " راسه كبير" وهو المحرض لل-35 شابا من بيت جن الذين اعتقلوا وأصروا على الرفض، وروى آخر أنهم أدخلوهم غرفة ورشوهم بمادة نومتهم أكثر من يوم، ولم تكسر معنوياتهم إلا بعد أن ساقوهم إلى المحكمة ليجدوا أن الشرطة ألقت القبض على آبائهم وهددتهم أمامهم إن لم يتجندوا سيجن كل واحد لمدة التجنيد الإجباري والتي كانت سنتين ونصف، ومثل هذا أو شبيهه كان مصير الآخرين من القرى الأخرى.



الخلاصة:


نحن الذين رفضنا ولكن من الأجيال التي لحقت وأقمنا تنظيمات الرفض لأن الرفض لم يتوقف يوما رغم عسف السلطات، قلنا دائما أن حقيقة تجنيد الدروز تختلف عن الرواية الساريّة، ولشديد الأسف أن الكثير من ذوي قربانا صدقوا الرواية الصهيونيّة. وها قد جاءت الوثائق لتظهر الحقائق لعل في ذلك بعض عزاء.


والخلاصة التي لا تقل أهميّة هي معرفة جذور المؤامرة ودواعيها علينا فلسطينيي البقاء جميعا ليس فقط من أجل المعرفة إنما لتكون ناقوس خطر أمام ما نتعرض له اليوم من محاولات لفرض الخدمة المدنيّة على شبابنا وضررها الأبعد من المباشر الذي سيكون ضرب الرافضين العرب الدروز للتجنيد الإجباري في طريق الحفاظ على الانتماء الوطني والقوميّ.