"نتسيرت عيليت" كنموذج: الحرب على سكان البلاد الأصليين..

"نتسيرت عيليت" كنموذج: الحرب على سكان البلاد الأصليين..

بمثل هذه العناوين كتبت صحيفة "يديعوت أحرونوت" تقريرا، قبل عدة أسابيع، تناول ما يسمى بـ"تهويد نتسيرت عيليت" ومكافحة زيادة نسبة السكان العرب في المدينة، مع الإشارة هنا إلى أن المدينة/ المستوطنة قد أقيمت بأمر عسكري على أراضي مدينة الناصرة وقرى عين ماهل وكفر كنا والمشهد والرينة، وذلك بعد مصادرتها.

ورغم أن الحديث عن تهويد "نتسيرت عيليت" يعني فشل عملية التهويد على اعتبار أن المدينة أقيمت أساسا في إطار عملية تهويد الجليل، إلا أنه يتضح من التقرير أن الحرب على الوجود العربي في البلاد تتصاعد، وأن التضييق على سكان البلاد الأصليين يوشك أن يصل حدودا لا تطاق. ومع استمرار نهب الأراضي العربية من خلال المصادرة، وفي ظل التزايد السكاني للعرب، فإن الحرب على الوجود العربي تتصاعد أيضا في المدن العربية أساسا والتي باتت مختلطة نتيجة تهجير العرب منها واستجلاب اليهود إليها من أصقاع الدنيا، مثل عكا ويافا وحيفا واللد والرملة، بالاضافة إلى ما يسمى بـ"المدن المختلطة"، وهي المدن/ المستوطنات التي أقيمت على أراض صودرت من قرى عربية لمنع نشوء مسطح سكاني عربي متواصل في إطار خطة لتهويد الجليل، مثل "نتسيرت عيليت" و"كرميئيل" و"معالوت" وغيرها.

وكان موقع عــ48ـرب قد تناول هذه القضية في تقرير سابق، أشار فيه إلى أن التقارير الإسرائيلية عامة تتناول بقلق ظاهرة سكن العائلات العربية في المستوطنات/المدن اليهودية والتي أقيمت بشكل خاص في الجليل. ولا تخلو هذه التقارير من تناول هذه الظاهرة بأدوات ومضامين عنصرية، ولا تتردد في وصفها "خطرا ديمغرافيا" أو "شبحا ديمغرافيا" أو "ظاهرة خطيرة" أو "نهاية العالم" أو "احتلالا عربيا" أو "سيطرة عربية" أو "تطورات ديمغرافية مثيرة للقلق"، في حين يذهب بعض المسؤولين في عدد من السلطات المحلية فيها إلى القول بأن الحديث هو عن حملة منظمة من قبل العرب للسيطرة على المدن اليهودية.

وجاء في تقرير "يديعوت أحرونوت" أن تراجع نسبة الأطفال في "نتسيرت عيليت"، ومغادرة اليهود وتراجع قيمة العقارات، وفقدان الإحساس بالأمن بالإضافة إلى ادعاءات العرب بعدم حصولهم على حقوقهم.. كل ذلك دفع رئيس بلدية "نتسيرت عيليت" إلى حل هذه المشكلة من خلال "تهويد المدينة". ورغم أنه يدعي أنه يؤيد "المدن المختلطة" إلا أنه يرفض أن ينطبق ذلك على "نتسيرت عيليت". وعليه فهو يعمل جادا على توطين عدد كبير من "الحريديين" والمستوطنين وخريجي المدارس الدينية اليهودية في المدينة.

ولا يخلو تقرير "يديعوت أحرونوت" من التعامل مع هذه القضية بتعابير عنصرية، حيث تشير إلى ما اعتبرته "معاناة نتسيريت عيليت" كنتيجة لسكن العرب فيها. مع الإشارة إلى أن النقص في أراضي البناء في مدينة الناصرة والقرى المحيطة بها دفع العرب إلى السكن في "نتسيرت عيليت"، الأمر الذي أدى إلى مغادرة اليهود للمدينة بادعاء فقدان الإحساس بالأمن.

وتتابع الصحيفة تناولها العنصري للتقرير بأن ذلك أدى إلى نشوء مخاوف من فقدان "نتسيرت عيليت" لطابعها اليهودي.

يشار إلى أن رئيس بلدية "نتسيرت عيليت"، شمعون غابسو، قد تحدث قبل عدة أسابيع في مؤتمر هرتسليا، وطالب ممثلي الحكومة بتحمل مسؤولية الوضع في المدينة. ونقلت الصحيفة أنه أثار ضجة كبيرة في المؤتمر عندما ادعى أن الشبان العرب الذين يسكنون في القرى المجاورة لـ"نتسيرت عيليت" يصلون المدينة لـ"ملاحقة الشقراوات"..

وبحسب معطيات بلدية "نتسيرت عيليت" فإن نسبة العرب في المدينة تصل إلى 14.3% من السكان، ينضاف إليهم 5% (عرب) يسكنون في المدينة بدون أن يغيروا أماكن سكناهم الأصلية.

ولا يخفي غابسو عنصريته تجاه العرب في المدينة، حيث يواصل التأكيد على رفضه أن تحول "نتسيرت عيليت" إلى مدينة مختلطة. ويدعي في هذا السياق أنه لو تم إيقاف مثل هذه الظاهرة في مدينة عكا لما تغير طابع المدينة. وعليه فهو يعمل على وضع خطة استيطانية تضمن تهويد المدينة.

وكان غابسو قد أجرى مؤخرا عدة لقاءات مع مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية، وعرض خطته التي تتضمن توطين 10 آلاف مستوطن جديد في منطقة جبل سيخ (هار يونا) خلال 5 سنوات. كما التقى عددا من قادة التجمعات اليهودية في البلاد والعالم، وبحسبه فإن هناك استجابة للمشروع الذي يتضمن استيطان اليهود المتدينين في المنطقة.

ويضيف أنه يعمل على جلب "مستوطنين نوعيّين" ممن يخدمون في الوحدات المختارة في الجيش، وليس من التيارات الدينية التي تشعل الإطارات. ويشير هنا إلى أنه أجرى اتصالات مع قادة المستوطنين في الضفة الغربية، وتحدث معهم عن إقامة نواة استيطانية في المدينة تبدأ بعشرات العائلات لترتفع لاحقا إلى مئات. وهنا يجدر التأكيد على أن المستوطنين المستجلبين من المستوطنات في الضفة الغربية ومن المدارس الدينية يقفون في مقدمة العنصريين المحاربين للوجود العربي عامة، والمدن المختلطة بوجه خاص، ولعل ما حصل في مدينة عكا ويافا، وما يتوقع أن يحصل في مدن أخرى، مثل اللد والرملة، هو خير تأكيد على ذلك.

كما يؤكد نيته في جلب مستوطنين من "اليهود الفلاشا"، بالإضافة إلى المهاجرين من الاتحاد السوفييتي سابقا، كما يجري اتصالات مع يهود فرنسا لحثهم على الهجرة إلى البلاد والاستيطان في المدينة.

ويشير إلى أن البلدية ستقدم للمستوطنين كل المساعدات اللوجستية، كما يشير إلى تعاون وزارة الإسكان في توفير 2000-2500 وحدة سكنية، رغم أن المنطقة معدة لاستيعاب 5000 مستوطن.

وتتماشى وسائل الإعلام الإسرائيلية مع تصريحات غابسو العنصرية، فتشير إلى أنه تمكن من تشخيص النقطة التي يمكن بواسطتها إنقاذ الطابع اليهود للمدينة، بل والإعلان عن المشكلة الديمغرافية كمشكلة قومية وليست محلية.

ويشير غابسو في هذا السياق إلى أن سكرتير الحكومة، عوفاديا يحزقيلي، قد زار المدينة قبل عدة أسابيع، وبحسبه فإن هناك اتفاقيات وقرارات معينة بشأن خطته. ويقول: "لو أنهم أدركوا في عكا حجم المشكلة، لكان بالإمكان تجنب الهجرة المتواصلة للعرب إلى المدينة في الوقت المناسب".

ولدى سؤاله عن رأيه بالمدن المختلطة، يجيب أنه يؤيد ذلك، إلا أنه يتابع "ولكن ليس في نتسيرت عيليت".

وفي سياق ذي صلة، نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" تقريرا آخر، قبل قرابة أسبوعين، أشارت فيه إلى أن عددا غير قليل من العائلات التي كانت تستوطن المركز قد انتقلت إلى الجليل. وأشارت الصحيفة إلى أن العام الماضي شهد انتقال ما يقارب 1000 عائلة، ما يقارب 4 آلاف نسمة، للاستيطان في الجليل، ما يعتبر زيادة بنسبة 25% بالمقارنة مع العام 2007.

وأوضحت الصحيفة أن هذا التقرير يأتي في إطار الاستعدادات لحملة يفترض أن تشجع الاستيطان اليهودي في الجليل. وفي هذا السياق فإن بحثا أجري في كلية "تل حاي" (طلحة سابقا) لمصلحة ما يسمى بـ"سلطة تطوير الجليل"، قد بيّن أن العائلات الميسورة من مركز البلاد تبحث عن بديل لتحسين نوعية معيشتهم، بما في ذلك الأطر التربوية وإمكانيات السكن وحياة اجتماعية جذابة. وبناء عليه فإن "سلطة تطوير/ تهويد الجليل" قد شكلت طاقما لبلورة أفكار نظرية وصياغة حملة يفترض أن تؤثر على قرارات مثل هذه العائلات، لمصلحة الانتقال للاستيطان في الجليل.

كما نقلت الصحيفة عن المديرة العامة لوزارة "تطوير الجليل والنقب" قولها إن "الجليل والنقب يشكلان بديلا معقولا، في السنوات الأخيرة، للعائلات الشابة والأزواج الذين يفضلون نوعية حياة على المدنية المكلفة من غديرا إلى الخضيرة". كما أشارت إلى أن الوزارة صرفت في السنة الأخيرة ما يقارب 500 مليون شيكل على مشاريع في مجال التعليم والأشغال والاستيطان والسياحة.

وبينما تشير الصحيفة إلى عائلة استوطنت الجولان السوري المحتل لمدة خمس سنوات، واضطرت لاحقا إلى مغادرة المنطقة إلى المركز بسبب عدم توفر مكان للعمل، فإن التقرير يلفت إلى أن المشروع الأساسي الذي يفترض أن يؤدي إلى تغيير كبير في الجليل ينطوي على حل مشكلة الأشغال في المنطقة، وذلك عبر فتح كلية للطب ومعهد للأبحاث في صفد، والذي يفترض أن يوفر ما يقارب 5000 مكان عمل.

وتشير الصحيفة إلى أن هناك خطة أخرى لا تزال في انتظار قرار الحكومة، وتتصل بتقديم مساعدات حكومية مالية لتسهيل بيع الأراضي في 18 مستوطنة يتوقع أن تختفي عن الخريطة في حال عدم وصول أزواج شابة إليها. وبحسب وزير ما يسمى "تطوير الجليل والنقب"، يعكوف إدري، فإن المساعدات الحكومية تتيح للأزواج الشابة بناء بيوت خاصة على الأرض في مناطق جميلة جدا وبتكاليف قليلة نسبيا.