بحث جمعية الثقافة العربية: طلابنا يدرسون آلاف الأخطاء

بحث جمعية الثقافة العربية: طلابنا يدرسون آلاف الأخطاء

بادرت "جمعية الثقافة العربية" إلى مشروع دراسة تفصيلية دقيقة لكتب تعليم العربية لجيل الطفولة المبكرة حتى الصّفّ الثاني حيث بناء الأساس، ودراسة كتب الأطفال - موضوعًا ولغةً، والتحديات التي تواجه المعلّم/ة والقارئ الصغير. لقد تعاطت الجمعية مع الواقع الراهن للغة العربية بجدّية غير مسبوقة، وجندّت خمسة من خيرة الباحثين في اللغة العربية وهم: الدكتور الياس عطا الله، الأستاذ الأديب حنا أبو حنا، الأستاذة روزلاند دعيم، الأستاذة نادرة يونس، والأستاذ زاهي سلامة، لإجراء بحث معمّق، ولرصد ما جلبته كتب التدريس على الطلاب، ولقد وصف الأديب والكاتب حنا أبو حنّا النتائج في كلمةٍ ألقاها أثناء افتتاح المؤتمر بأنَّها "أشبه بزلزلةٍ يجب أن تستثير كل مؤسسةٍ وكل فرد للتعاون وتضافر الجهود لتغيير الوضع."، مضيفًا أنَّ "أساس بناء التعليم في المدرسة العربية "عائب"، وكتب التعليم حافلة بالأخطاء غير المطبعية والمطبعية"من يقرأ التقرير الشامل سيكتشف نهجًا لم تلده الصدفة، وحتى لو أراد المرء الابتعاد عن "نظريات المؤامرة" فإنَّ ما يراه سيقوده حتمًا إلى اتجاه تفكير واحد: ما يجري اليوم هو نتاج لسياسة تجهيل متعمدّة من القائمين والمسئولين عن هذه الكتب، وعلى هذا يتربى أولادنا.

وبلغ "مجملُ الأخطاء الإملائيّة، والنّحويّة، والصّرفيّة، والأصواتيّة، واللّغويّة المعجميّة، والتّقعيديّة 892 خطأً، ولا يشمل هذا العددُ أخطاءَ قطع همزة الوصل الأولى إملاءً، ولا وضعَ تنوين الفتح على الألف، فلو شُملت هاتان الظّاهرتان الخطيرتان لزادتِ الأخطاء عن 4000! هذا فقط في بعض كتب تدريس الصّفّ الثاني، حسبما أكد الدكتور إلياس عطالله، أحد أبرز الباحثين في اللغة العربية لدى فلسطينيي الـ 48 والعالم العربي.

لم يكترث الباحثون لأسماء المؤلفين، لم تكن هذه هي القضية الهامّة بالنسبة لهم بمقدار ما تحمل الكتب من أخطاء. وأشار الدكتور عطاالله إلى أنَّ "الادّعاء بأنّ الأخطاء مراتبُ ودرجاتٌ مردودٌ على قائله، فالخطأ خطأ." مضيفًا "إنّ تعريض الطّفل لهذا الكمّ الرّهيب من الأخطاء في كتابة الهمزة والتّاء المربوطة والهاء، وفي الصرف، والنحو، يؤتي أُكُلَه سُمّا"
وأوضح د. عطا الله: " لست ممّن ينادون بتدريس أيّ قاعدة للطّفل في هذه السّنّ المبكرة... ولذا أرفض كلّ ما يأتي بشكل قواعد وقوانين ينفر منها الكبار قبل الصّغار، فكيف إن كانت هذه القواعد خطأ برمّتها؟" متسائلاً: "أطفالُنا يستحقّونَ الأفضل والأرقى والأجدى، فمن المسئول عن هذا التشويه والتّردّي؟"
وأنهى بقوله: "لماذا نحن بحاجة إلى ترجمة كتب التّدريس عن العبريّة؟ هل نفتقر إلى العقول المبدعة في شتّى ميادين العلم؟" أمّا بصدد الكتب التي راجعها فقال: "أستعير من مطويّة أنظمة الصيادلة التي نجدها في ما نشتريه من أدوية: يجب الحفاظ على" هذه الكتب" في مكانٍ مغلق، بعيدًا عن متناول أيدي الأطفال".
وبما يتعلق بالأدب، فقد تمّ مسح 384 كتابًا من كتب الأطفال الصّادرة في البلاد، وذلك بهدف الاطّّلاع على المستوى العامّ لأدب الأطفال من جهة المضامين والفكرة، اللّغة (سلامة وسلاسة وسهولة/ صعوبة اللّغة)، الشّكل والرّسوم، والهويّة.
وبما يتعلق بالأدب، فقد تمّ مسح 384 كتابًا من كتب الأطفال الصّادرة في البلاد، وذلك بهدف الاطّّلاع على المستوى العامّ لأدب الأطفال من جهة المضامين والفكرة، اللّغة (سلامة وسلاسة وسهولة/ صعوبة اللّغة)، الشّكل والرّسوم، والهويّة.
وقال الباحث الأستاذ زاهي سلامة:" وجدنا أثناء القراءة تجاوزات عامّة في المسح منها: عدم الالتزام بضبط القصّة بالشّكل التّامّ. تكرار ظاهرة الخلط بين همزة الوصل والقطع. الإكثار من أسلوب الإطالة والحشو. عدم استعمال علامات التّرقيم بالشّكل الصّحيح. استعمال قاموس لغوي صعب لجيل الطّفولة. إقحام الوزن على النص عنوة. تكرار ظاهرة الأخطاء اللّغويّة بشكل كبير(على الرّغم من وجود التّدقيق اللغويّ)، أو الأخطاء المطبعيّة، وتجاوزات لغوية أخرى كثيرة، وهنا لا بدّ من السؤال: متى وكيف نحقق الهدف؟ ولماذا لا نسعى إلى تصحيح التلف ما دمنا قد تنبهنا إلى وجوده؟".

وقد شمل المشروع دراسة حول الصعوبات التي تواجه الطالب في الصفوف الدنيا في تعلّم اللغة العربيّة، بواسطة استمارة وزّعت على معلّمات الصفوف الدنيا (287) من 24 مجمّعا سكانيّا في المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر. وقد حللت النتائج الباحثة نادرة يونس، وعرضتها في المؤتمر.

كما وجدت الباحثة روزلاند دعيم التي بحثت كتب منهاج وتدريس الصّف الأوّل الابتدائي، أنَّ مؤلّفي الكتب يتبعون أساليب وطرائق وإستراتيجيات تعليمية متناقضة. ورأت، بناءً عليه، أنَّ هناك حاجة ماسّة إلى "إعادة طباعة الكتب بشكل صحيح، مع الأخذ بعين الاعتبار تعليم حروف المدّ الصوائت الطويلة وضبط أواخر الكلمات (ولو بإحدى الحركات القصيرة).
وأوصى المؤتمر بالتعامل مع الأخطاء اللغوية، ومع مضامين تعليم اللغة العربية في كتب التدريس في المدارس العربية في إسرائيل، كنهج متعمّد ومرفوض، ويوصي بالعمل على دراسة إمكانيّة تفعيل المسار القضائيّ لتصويب الأخطاء وتغيير الوضع القائم، وذلك لتحقيق حقوق أطفالنا في التعلّم، والعمل على عدة مستويات- التشريع، المرافعة الدوليّة، الجمعيّات الأهليّة، الإعلام، لجان أولياء الأمور والأهالي.

و حمّل المؤتمر مسؤولية الأخطاء والخلل في الكتب الدراسيّة جهات مختلفة، منها: وزارة المعارف، وقسم المصادقة على الكتب الدراسيّة، مؤلّفو الكتب، أفرادًا وطواقم، ومراجعوها، قسم المناهج، والمفتشون ذوو الصلة، مؤكّدًا على أهميّة التصحيح الفوريّ للأخطاء اللغوية في المنهاج القائم، وبطباعة جديدة للكتب التدريسيّة تخلو من كلّ الأخطاء، في اللغة والمضمون.

وأوصى المؤتمر بمراجعة المناهج الجديدة لتعليم اللغة العربيّة، والتشديد على السلامة اللغويّة، والعناية بالنواحي الجماليّة في كتب التدريس، ومراعاة الصحّة الجسديّة، وأن يبنى على مضامين تربويّة تتلاءم مع هويّة الطالب القوميّة وخصوصيّته الثقافيّة. كما يوصي المؤتمر بالاهتمام الشديد بسلامة اللغة العربيّة في كلّ الكتب التدريسيّة لمختلف المواضيع.

وحثًّ المؤتمر مؤسّسات المجتمع الوطنيّة وأحزابه وممثلي الجمهور والمهتمين بالشؤون التربويّة والتعليميّة على زيادة الاهتمام بنوعيّة ومضامين المناهج ضمن نضالهم من أجل تحسين ظروف وجودة التعليم العربيّ.

وأوصى المؤتمر أيضًا بوضع معايير واضحة لكتب الأطفال المصادق عليها في المدارس العربية، تشارك فيه المؤسسات العربية، تضمن مضمونًا تربويّا لائقًا ولغة عربيّة سليمة، وتراعي الذوق الجماليّ الفنيّ وتناسق الألوان ووضوح الخطّ وجودة الطباعة.

وأوصى المؤتمر أيضًا بتشجيع المعلمين والمعلمات العرب على المشاركة في الدورات المهنية في اللغة العربية السليمة- وبضمنها، تلك التي تعقدها الجمعيّة سنويّا- والاطلاع على إصداراتها المطبوعة والمسجّلة، ودعا الهيئات ذات الصلة بإقامة لجنة مهنية لمراقبة وتقييم مناهج تعليم اللغة العربية، وسائر المناهج لكلّ ما كتب بالعربيّة ولكل المراحل التعليمية، وتشخيص الأخطاء في اللغة والمضمون في الكتب التدريسيّة وكراسات التطبيق، والعمل على تصحيح الأخطاء واستبدال المناهج.

تعتبر معالجة إشكالية تدريس اللغة العربية والتعامل معها قضية وطنية من الدرجة الأولى، بسبب إشكاليات وأزمات تتعلق بطبيعة اللغة العربية وطبيعة كتابتها إضافة إلى قضية الازدواجية اللغوية؛ لذلك قامت جمعيّة الثقافة العربيّة بالمبادرة إلى مشروع " تعلّموا العربيّة وعلّموها الناس".
وقالت المديرة العامّة لجمعية الثقافة العربية د. روضة عطا الله إنَّ "المشروع المطروح يهدف إلى الحفاظ على" الوعي الفلسطيني"، الذي تعمل إسرائيل منذ قيامها، وستستمر، على سلبه، عن طريق تشكيل وعي "عربي إسرائيلي" يعزّز من تبعية المجتمع الفلسطيني للمشروع الصهيوني، ولأجهزة الدولة العبرية." وتابعت: "بالتالي تعرف قضية السيطرة على جهاز التربية والتعليم كقضية إستراتيجية أولى من قبل السلطات الإسرائيلية، وكوسيلة للسيطرة على آفاق تطور المجتمع الفلسطيني. اعتمدت إسرائيل منذ نشأتها على مناهج التربية والتعليم كأحد أهم الأدوات لتحقيق هذا الهدف، ولا تكون السيادة على جهاز التربية والتعليم عبر تحريره من أجهزة الدولة العبرية فقط، بل أيضا عبر إعادة صياغته بطريقة عصرية ووطنية. فقد "نحرر" بعض عناصر هذا الجهاز من أيدي الدولة العبرية، ليعود ويدخل ضمن رؤيا جامدة غير وطنية– طائفية أو قبلية- بالضرورة، أو خارجة عمّا نؤمن به من قيم المساواة والعدالة الاجتماعية والحريات الفردية. بالتالي لا تكتمل قيمة ومعنى تحرير ما أمكن من عناصر هذا الجهاز، إلا إذا استبدلنا تلك العناصر بعناصر تربوية تنسجم مع ملامح المشروع الوطني والديمقراطي الذي نؤمن به كمجتمع."



........