15 عاما على تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي؛ عبد الفتاح: الفكرة أصبحت تيارًا

15 عاما على تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي؛ عبد الفتاح: الفكرة أصبحت تيارًا

15 عامًا مرّوا على تأسيس التجّمع الوطني الديمقراطي. مراحل راكمتها المسيرة. انطلقت الفكرة، وصارت حزبًا يحمل خطابًا أصبح مركزيًا على الساحة الفلسطينية في الداخل بدأ من الهوية القومية إلى دولة المواطنين دون الإنتهاء بهموم الناس. وبين هذا كلّه، تعرّض التجمع ومؤسسه المفكر المناضل د.عزمي بشارة إلى حملة ملاحقة سياسية غير مسبوقة.

في حوار مطوّل، يعود الأمين العام للحزب عوض عبد الفتاح أحد المؤسسين الرئيسيين إلى الفكرة التي ولدت من رحم المطالبة بالتجديد بعد اتفاقية "أوسلو" وضياع خطاب حزبي يعبّر عن الحال السياسية في مواجهة السلطة.

يسرد عبد الفتاح الإنجازات التي حقّقها التجمع في مسيرته والصعوبات التي واجهها منذ التأسيس. إنّه الأمين العام الذي واكب المسيرة منذ بداياتها وشارك في رسمها ليكشف اليوم تفاصيل كثيرة عن لحظات صغيرة في عمله السياسي، وبعد أن روى تلك السيرة، اختار أن يختتمها بوصف للحظةٍ سعيدةٍ، حين حقَّق التجمع انجازًا كبيرًا في الإنتخابات الأخيرة: "أثبتنا أننا حزب متجذّر رغم المؤامرات بكل أشكالها"… عوض عبد الفتاح في حوار الـ 15 عامًا! الفكرة كانت وليدة المرحلة، ولدت من أقلام عددٍ من من المفكرين العرب وعلى رأسهم د.عزمي بشارة. وعدد من النشطاء السياسيين، من أبناء البلد والحركة التقدمية. كانت معظم الكتابات تدور حول الأزمة التي عانت منها الأحزاب السياسية على الساحة العربية الفلسطينية في الداخل مع نهاية ثمانينيات القرن الماضي حين وصلت الأحزاب قاطبة إلى أزمة جديّة حيث تراجعت بصورة كبيرة، قدرتها على التأثير على الجماهير العربية وعلى الحفاظ حتى على إنجازات يوم الأرض، وقدرتها على تحدّي المؤسسة الإسرائيلية.

إنَّ هذه الوضعية خلقت الحاجة لإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل، فالحزب الشيوعي (باعتباره أحد التيارات السياسية المركزية في الداخل) لم يهتم بتعزيز الهوية العربية الفلسطينية، ولم يتحد يهودية الدولة. وحركة أبناء البلد التي تمسّكت بالهوية الوطنية وكانت فعّالة في الجامعات وبين الطلاب ولكن دون أن يمتدّ نفوذها إلى غالبية القرى والمدن العربية، بدأت تواجه تراجعًا حتى في الجامعات لأسباب دولية وإقليمية وذاتية. إلى جانب هذا فإنَّ الحركة التقدميّة للسلام (التي قادها محمد ميعاري) تراجعت بشكل كبير بل إنحلـّت، والحركة الإسلامية توسّعت على الساحة السياسية وسيطرت على العديد من البلديات والمجالس المحليّة لكنهّا ركزّت أساسًا على الأسلمة والدور الديني. وجاء هذا كلّه في خضّم تراجع العمل السياسي بشدّة بعد ذبول الإنتفاضة الأولى.

إنَّ مثل هذه الوضعيات كانت بموازاة إتفاقية "أوسلو" التي أوهمت العرب الفلسطينيين في الداخل بأنَّ تحقيق المساواة بات قريبًا. لكنَّ التيّار القومي رفض وأدان "أوسلو" واعتبرها ظالمة بحقّ القضيّة الفلسطينية، إضافة إلى أنها أخرجت عرب الداخل من الحلّ وتجاهلتهم. هذا التجاهل كان الأشد خطورة، إذ أخذت قوى سياسيّة وشرائح عديدة في الداخل الفلسطيني تندفع أكثر نحو الإندماج على هامش المجتمع الإسرائيلي.

نعم، كان لا بدَّ من تجسيد الفكرة التي أخذت حقّها على المستوى الفكري، وبدأ العمل على ترجمتها تنظيميًا عبر إقامة حزب قومي عربي غير مسبوق على الساحة السياسية لفلسطينيي الداخل. بدأ التخطيط لتشكيل الحزب عن طريق توحيد قوى وطنية تحمل قواسم مشتركة فيما بينها.

أنا كنت حينها عضوًا قياديًا في حركة أبناء البلد. كنّا في ذلك الوقت نتابع باستمرار ما يكتبه د.بشارة. كنّا نعلم بأنَّ بشارة ومنذ أن كان في الحزب الشيوعي تميّز دائمًا عن غيره وتمتع بإستقلالية. لاحظنا من خلال كتاباته بأنه أخذ يبتعد عن خطّ ورؤية الحزب السياسيّة وبدأ يطوّر فكرًا قوميًا، بالذات بعد عودته من الخارج وعمله في جامعة بير زيت. كانت انجازاته الفكرية تصوغ الفكر القومي بشكل متقدّم مما جعلنا نؤمن بأن َّشخصًا مثله قادر على أن يكون عمادًا للحركة الوطنية.

على الرغم من المنافسة السياسية الشديدة التي شهدتها ساحة الجامعات، في حينه، بين أبناء البلد والجبهة الطلابية والتي كان عزمي بشارة أبرز قياداتها، إلا أنَّ الوعي للحاجة الملحّة للخروج من المأزق السياسي مهّد الطريق للتنسيق، ودعي بشارة إلى اجتماع للجنة المركزية للحركة ليلقي محاضرة عن تصوّراته للخروج من المأزق. وفي لقاء شخصي اقترح المحامي محمد ميعاري إقامة لجنة التنسيق بين أبناء البلد والحركة التقدميّة وحركة ميثاق المساواة (التي أسّسها مع بشارة ومجموعة من الأكاديميين العرب واليهود وقام على أساس المطالبة بالحكم الذاتي وبدولة المواطنين). بعد تلك الدعوة بدأ التقارب، وفي أواخر العام 1994 التقيت أنا ومحمد ميعاري ود. باسل غطاس ورجا إغبارية وشكّلنا لجنة تنسيق. وبعدها توسّع الإطار إلى حوالي 15 شخصًا عقد اجتماعاته في مقرّ لجنة الأربعين في حيفا بمشاركة رئيسها محمد أبو الهيجاء.
الناس كانت محبطة في تلك الفترة، كان الأفق مسدودًا للحركة الوطنية، فبعد "أوسلو" خفّفت إسرائيل قبضتها على المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل ما أوهم البعض بأنَّ المساواة والعدل قريبان.

كان ذلك أحد أسباب استخفاف الكثيرين بانطلاق التجربة وتوقّعوا فشلها. لكنّ الفكرة والتجربة، في واقع الأمر، تمتعتا بلمعان جوهري واسع، فالحركة الجديدة تكوّنت من عدة أحزابٍ وكتل وشخصيات وطنية تشدّد على الهويّة الوطنية مثل أبناء البلد، أبناء الطيرة، الأنصار، الحركة التقدميّة وبعض الشخصيات الشبابية اللامعة والمتمرّدة من الحزب الشيوعي وغيرهم. أي أنه كانت المرّة الأولى التي يتشكّل فيها جسم مقابل التيار التقليدي السائد مكوّن من كلّ الحركات الوطنية المتنافسة في حينه.

كانت شخصيّة عزمي بشارة أحد أسباب اللمعان. لم يكن بشارة معروفًا على الصعيد العام لكنّه كان معروفًا في الأوساط الفكرية، واستطاع بشخصه وخطابه التأثير بصورة عميقة على الحركة. وانجذبت الناس للتجربة الجديدة لما حملته من تجديد وخليط بين أبناء البلد الذين قاطعوا انتخابات الكنيست ورفضوا الترشّح والتصويت وبين عزمي بشارة الذي جاء من المدرسة الشيوعية وانتقدها فكريًا فيما بعد وبين محمد ميعاري كقائد للحركة التقدميّة وغيرهم ممّن عرضوا نهجًا وتيّارًا جديدين للناس.
إن التحالف الإنتخابي مع الحزب الشيوعي كان بعد توجّهات عديدة من قبل العديد من المقرّبين منّا ومن الحزب الشيوعي نفسه. مورست علينا نحن والحزب ضغوطات من أجل التحالف. أعتقد أنَّ الحزب الشيوعي أجبر واضطر للتحالف معنا خوفًا من تنامي قوّتنا والتسبّب في انخفاض إنجازاته الإنتخابية، إذ كانوا يظنون بأنَّ من خلال تحالفنا معهم سيتمكنون من احتوائنا وضمّنا لصفوف حزبهم، وهذا ما جعلهم يوافقون على التحالف مع حركة جديدة ناشئة غير معروف مسارها ومستقبلها بعد، والتي وصفها بعض قادة الحزب الشيوعي بالطوباوية والرومانسية. لكنّ التجمّع استطاع بعد انتخابات عام 1996 بأن يبني نفسه كحزب مستقلّ موضحًا الفروق وما يُميّزه عن الآخرين.في العامين الأوليّن، وبعد انطلاق الحزب والإنفصال عن الجبهة، انشغلنا بتوحيد ورصّ صفوف الحزب ومعالجة ما تبقّى من اختلافات بين مركّبات التجمّع.

أعتقد أنَّ تلك المرحلة كانت الحاسمة في تاريخ الحزب والتي امتدت بين عاميّ 1997 و 2003 و تبلورت فيها شخصيّة تجمعيّة بعد نقاشات طويلة في الحزب. فقبل هذه الفترة لم نجد من يقول: "أنا تجمعيّ". كل المنتسبين للتجمّع استمرّوا بتعريف انتمائهم لحركتهم السابقة مثل "أبناء بلد"، "تقدميّة"، "حزب شيوعي" وغيرها، لكنّنا نجحنا بالتخلّي عن جميع الإنتماءات السابقة وبناء التجمعيّ الصلب عبر تحويل هذه الإنتماءات إلى قوة وعنصر تعزيز وإثراء للمسيرة.

ولد لدينا حينها الجيل التجمعيّ الجديد الذي آمن بركائز الحزب السابقة: الهوية الوطنية الفلسطينية، الحكم الذاتي والمواطنة الكاملة والهوية القومية العربية.

بعد انتخابات عام 1999 والتي خاضها التجمّع كحزب مستقلّ استطعنا القول إنَّ الحزب قد ثبّت جذوره وأثبت نفسه، وتوّج هذا الثبات وهذا المسار التصاعدي عام 2003 بعد الانتخابات.الحقيقة جاء اقتراح الإسم مني، لقد كنت متابعًا للتجمّع الوحدوي المصري في أوائل ثمانينيات القرن الماضي الثمانينات، باعتباره حزبا وطنيا وتقدميا معارضا للنظام ولكامب ديفيد، عبر جريدة الأهالي، وهذا كان تجمعًا يساريًا ويشمل في صفوفه شخصيات وشرائح ذات توجهات يسارية وقومية وإسلامية متنورة. (هذا قبل أن يتحوّل فيما بعد ليصبح شيوعيًا تقليديًا).

شعرت بأنه يشبه إلى حدٍ ما فكرتنا الجديدة. اخترنا اسم "التجمّع الوطني الديمقراطي" كون الحزب تجمّعًا من قوى مختلفة الوطني بسبب تشديدنا على الهوية الوطنية والخطّ الوطني وديمقراطي للتشديد على إيماننا بالديمقراطية وتمييزنا عن التيارات القومية في العالم العربي.

كان التجمّع حينها، ولا يزال، إطارًا يهدف إلى تحديث المجتمع العربي في الداخل وتنظيمه من جديد. صحيحٌ أن التجمّع هو حزب قومي عربي لكنّه لم يكن يومًا حزبًا شوفينيًا إنما يطرح حلّ دولة المواطنين، ويرفض العنصرية ويريد العيش مع جميع الناس بمساواة تامّة.

أسّسنا حزبًا عربيّا ديمقراطيًا يطرح حلاً عادلاً للقضية وهذه كانت سابقة في الساحة السياسية، وقد كتب حينها د.أمنون راز أنه ولأول مرّة ينشأ حزب قومي عربي ديمقراطي يطرح حلاً إنسانيًا للعرب واليهود. إن الأداء البرلماني لعزمي بشارة لعب دورًا هامًّا وأثار ضجّة حول الحزب، إذ تحدّى بشارة الصهيونية بخطابه وقدراته الفكرية، وطرح قضايا استقطبت الناس حول الحزب ولفتت أنظار المؤسسة الإسرائيلية. من هناك بدأت معاداة التجمّع من قبل الدولة ووصلت ذروتها بعد بدء مشروع التواصل مع العالم العربي.

نجح عزمي بشارة بإطلاق مشروع التواصل دون أن يكون وسيطًا بين إسرائيل والعالم العربي.

كان تواصلنا مع العالم بصفتنا العرب الفلسطينيين لتصلّ قضيّتنا للوطن العربي والعالم. كانت البداية في سوريا، في حفل تأبين الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد عندما تحدّث عزمي بشارة من على منصّة التأبين في القرداحة، وكان ذلك التحدّي الحقيقي الأول للتجمّع. عندها بدأت موجة التحريض على الحزب وبدأت محاولات الابتزاز، لكنّنا مع هذا استقبلنا بشارة بمظاهرة وبحشود كبيرة عند عودته عند الجسر الأردني، وبيّنّا لإسرائيل أنَّ عزمي ليس وحيدًا بل إن التجمّع معه.

بعد عودة بشارة بدأت المحاكمات الإسرائيلية بشأن قضيّة التواصل و حوكم بعض المساعدين، أشرف قرطام وموسى ذياب، لكنّ هذا لم يثننا عن خطّنا، فقد آمنّا بقضية التواصل مع وطننا العربي وقد أسمعنا صوتنا من خلال الزيارات، وتمتعنا بتأييد كبير في صفوف القوميين العرب الديمقراطيين في العالم. وخلال المحاكمات، حضر الكثير من المندوبين الغربيين وأحدثت القضية ضجيجًا وأسمعنا صوتنا من خلالها، وهذا لم يكن في السابق.
التجمّع جمع بين الهمّ القومي وبين الحاجات اليومية للمواطن، لكن بحكم الضرورة وبحكم دورنا كحزب وطني احتجنا في البداية لاستقطاب وإثارة الشعور القومي والانتماء، خصوصًا في ظلّ تراجع المشاعر الوطنية لدى الناس وتهافت الكثيرين على الأحزاب الصهيونية، فضلاً عن تفاقم الطائفية والعائلية.

إنَّ الحاجات والقضايا اليومية كان يمكن لأي حزب انتهازي أن يتابعها لكننا نملك رؤية ودورًا هاميّن ونؤمن بأنَّ التمسّك بالهوية هو الباب لتحقيق الطموحات الوطنية والحاجات اليومية، فمن دون أن نحمل الهمّ الوطني لا يمكننا أن نبلغ الحلّ بخصوص الحاجات اليومية.

إن تحقيق الحقوق والمطالب اليومية للمواطن أصعب بكثير من استقطاب وإحياء المشاعر القومية عند الناس، لأنَّ قضيّة المطالب اليومية تحتاج إلى جهد خاص، ويتعلق الحصول عليها بمقارعة المؤسسة الإسرائيلية.

مع هذا استطاع التجمّع أن يحقق الكثير في هذا المجال وأبرز ما حققه كان قانون التمثيل الملائم للعرب الذي أتاح الفرص للعشرات من العرب للإنضمام للعمل في الشركات الحكومية. إنَّ المعركة طويلة في هذا المجال والتحريض أيضًا على الأحزاب العربية متواصل دائمًا وفي صلبه توجيه التهم والأسئلة حول "ماذا تفعل الأحزاب العربية للعرب؟" وهذا جزء من الدعاية الإسرائيلية ضد الأحزاب العربية التي هي في نهاية المطاف أحزاب وليست دولة يمكنها تحقيق كل المطالب.
إنَّ ملاحقة د.عزمي بشارة وضعت الحزب في تحدٍ حقيقيّ، إذ أنَّ الاستهداف طال رأس الحزب بحيث وجهوّا له تهمًا خطيرةً جدًا. لكنّ الحزب، بتقديري، تصرّف بشكل ممتاز وبقدرٍ عالٍ من التماسك والثقة بالذات. فبعد أن بدأت التحقيقات مع بشارة بعد حرب لبنان وعلمنا بها بدأنا بالتفكير: ما العمل؟ ماذا يمكن ان يحصل؟ أجبرنا في حينه على القول إننّا أمام فصل الرأس عن الجسم، إذ أنَّ التهم كانت كبيرة وخطيرة جدًا. اضطررنا للتصرّف بسرعة قبل أن تنجح المؤسسة الإسرائيلية في تحقيق هدفها الرئيسي من ذلك أي تخويف الناس وزعزعة قواعد الحزب وإضعافه وصولاً إلى اختفائه من الساحة السياسية. خصوصًا وأنَّ الناس بدأت تسأل عمّا سيحصل للحزب بعد هذا الحدث.

كان القرار حينها الهجوم لا الدفاع، وبدأنا بجولاتنا للفروع كي يفهم الجميع ما يحصل وشرحنا حجم وأهداف المؤامرة الحقيقية المؤامرة.

بعد فترة قصيرة جدًا بادرنا لاجتماع تضامني كبير في الناصرة حضرهأكثر من 10 آلاف شخص، عدد لم نتوقعه أبدًا، وهذا إن دلّ على شيء إذ يدلّ على أن أناسًا كثيرين يلتفّون حول التجمّع وكانوا مستعدّين للتحدّي.

لقد حضر الاجتماع أيضًا العديد من المتضامنين غير المصوّتين للحزب ممن شعروا بالمؤامرة على الحزب وعرفوا أهمية الحزب وما يشكّله من قلق للمؤسسة الإسرائيلية. لقد نجح الاجتماع بصورة منقطعة النظير، وشكل رسالة قوية جدًّا للجميع.

عزمي بشارة بقي في الخارج لكنّ التجمّع ومؤسساته واصلوا الدرب وأثبتوا أنَّ الحزب ليس حزب الشخص الواحد على الرغم من أن بشارة كان شخصية مركزية في الحزب.

إن خسارتنا كانت كبيرة بخروج بشارة لكن عزاءنا كان باستمرار الحزب ومواصلة بشارة لدوره في العالم العربي. وبعد الانتخابات الأخيرة وبعد أن استطعنا تعزيز قوّتنا رغم غياب د.عزمي بشارة يمكنني القول إن دعاية "فشل التجمّع بدون بشارة" قد سقطت إلى غير رجعة.
أنا أرى أن كل إنسان يتمتع بحدّ أدنى من المسؤولية الوطنية لا يستطيع تخيّل الساحة العربية بالداخل من دون حزب التجمّع. فالحزب وبالرغم من جميع المؤامرات التي حيكت ضدّه وصل لمرحلة بات فيها حزبًا مركزيًا وقلعة من القلاع الوطنيّة يحسب له ألف حساب.

لقد نجحنا بالإنفتاح على العالمين العربي والغربي، حقّقنا انجازاتنا على صعيد بناء الإنسان والفرد إذ أن أي حزب أو حركة وطنية أو أي مجموعة مقهورة عليها في مراحلها الأولى أن تحافظ على تماسكها وتبني هويّتها وتبني الإنسان.

نحن نجحنا ببناء شخصية وطنية وموقف صلب وثوري مسؤول وغير مغامر". والكثيرون في الداخل والخارج يرون بحزبنا بمثابة البوصلة الوطنية الحقيقية. وقد أثبتت الأحداث صحة تحليلاتنا ومواقفنا خاصة على الساحة الفلسطينية.بالرغم من تعدّد الإنجازات إلا أننا ما زلنا نطمح لمعالجة الكثير من القصورات التي تعتري التجمّع.

نعمل على تطوير برنامجنا وبناء المؤسسات وبناء المجتمع العربي في الداخل والتصّدي للمخططات الإسرائيلية الخطيرة.

لا زلنا نسعى إلى إعادة بناء لجنة المتابعة. لم ننجح حتى الآن بالتأثير بشكل فعلي في هذا المجال إلا أننا نجحنا في إثارة القضية على المستوى الفكري، والتقت معظم القوى السياسية حول الفكرة التي لم تكن مطروحة بالشكل الذي طرحناه أو نطرحه.

ما زلنا نطمح لزيادة توسّعنا بين الشباب والطلاب، ولبناء اتحاد نسائي واسع. لقد أنجزنا الكثير بقضيّة المرأة وأهمّ إنجاز بهذا المجال كان إيصال أول إمرأة عربية من حزب وطني إلى الكنيست، إلا أننا نطمح للمزيد من التطوّر على هذا الصعيد.

أمامنا كذلك تحدٍ كبير في تعزيز صفوف الحزب الداخلية، لقد مررنا بمواقف أثبتنا فيها أنَّ الحزب قادرٌ على اتخاذ قرارات جديّة ومؤلمة إذ أنَّ الحزب الذي يمكنه اتخاذ قرار بفصل عضو كنيست (سعيد نفاع) بسبب انحرافه عن خطّ الحزب وتحدّيه لقرارات مؤسساته المركزية هو حزب لديه القدرة والجرأة والثقة بالنفس.

أثبتنا بهذه الخطوة تمسّكنا بالرّبط بين الأخلاق والسياسة وأننا لسنا حزب كراسي. ونحن الآن بحاجة للمزيد من الجهد من أجل الانتقال إلى مرحلة بناء المؤسسات وتطوير رؤيتنا السياسية، حتى بما يتعلّق بدولة المواطنين فإنَّ النقاش مفتوح من أجل طرح حلول أخرى مثل الدولة الواحدة. إن ما يميّزنا هو النقاش الحرّ، وضعنا نصب أعيننا هدف تطوير فكرنا وبرنامجنا باستمرار وفتحنا باب النقد.
إنَّ العمل السياسي يحمل الكثير من المعاناة والآلام وخيبات الأمل خاصة في ساحة معقدة كساحتنا.

إن نشوء التجمّع ونجاحه هو مرحلة مهمّة وسعيدة في حياتي، ليس كشخص، بل كمجموع، كحركة وطنية، لكنّ الحزن الأكبر واجهته عندما قرّرت مجموعة من أبناء البلد الذين انضمّوا لصفوف التجمّع الانسحاب. كان هذا الحزن بدافع القلق على المشروع الوليد، الذي كان ولا يزال مفصليا في تاريخ ومستقبل الحركة الوطنية في الداخل. وقد حاولت يومها مع رفاق آخرين أبرزهم د. عمر سعيد وخالد خليل، تقريب وجهات النظر بين المجموعة وباقي قيادات التجمّع لكنّ المجموعة انسحبت.

في تلك الفترة لم يكن للصراع جانب فكري إنما تنظيمي. لقد كانت مرحلة محزنة جعلتني أفكّر بترك العمل السياسي واللجوء للعمل الثقافي الوطني فقط. مع ذلك تمكن هذا الحزب وبجهود الجميع من أن يتحول إلى حزب مركزي وأكثرها جذرية. ومضى هذا الحزب بمسيرته بخطى واثقة، وهو يفتح أبوابه للتعاون مع القوى الوطنية لصالح المشروع الوطني لعرب الداخل.

حزن آخر هو تحالف انتخابات 1999، الذي حصل بعد ضغوطات خارجية على الحزب. لكنّنا تمكنا من التخلص من آثار تلك المرحلة بسرعة كبيرة.

بالنسبة للحظة السعيدة فالذي يفرحني هو نمر وترعرع أعداد كبيرة من الجيل الشاب في أحضان التجمع، والذين تحول العديد منهم إلى قيادات في الحركات الطلابية وفي قراهم ومدنهم. وهذا هو أحد مصادر قوة هذا الحزب، والضامنة لتطوره واستمرار صعودة.

إضافة إلى ذلك، كانت نتائج الانتخابات الأخيرة، فبعد هذه التحديّات الكبيرة ومحاولات الاستهداف والملاحقة السياسية لعزمي بشارة نجحنا وحققنا نجاحًا كبيرًا. كانت النتائج علامةً واثباتًا أننا حزب نابض، له جذوره ومؤسساته، وكانت صفعة قوية لمن راهنوا على اختفاء الحزب، وكانت ولا زالت فرحة غامرة لكل محبي التيار القومي. والمستقبل لا يزال أمامنا.