ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة 18) د.مصطفى كبها

ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة 18)
د.مصطفى كبها

جاء في التوجيه العام للقائد عبد الرحيم الحاج محمد عندما أعلن عن إقامة المحكمة العليا للثورة : " نظراً لكثرة الشكاوى المقدمة للثوار العرب، فقد قررت القيادة العامة للثورة العربية في فلسطين تشكيل محكمة عليا إلى جانب القيادة، برئاسة المجاهد السيد عبد القادر اليوسف العبد الهادي للنظر في القضايا المقدمة لدى محكمة الثورة العربية، بما فيه المصلحة العامة بما جاء به القرآن والسنة النبوية سيراً على نهج السلف الصالح " ومن لا يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون".

وقد أعطيت له السلطة والصلاحية في القيام بمهمته وتنفيذ أوامره لدى صدورها، وقد يجوز استئناف القضايا الجزائية لدى القيادة.

هذا ولا يجوز النظر في القضاياالجزائية التي مرّ عليها أكثر من عشرة (كذا في المصدر ، م.ك ) سنوات. "ألفت نظر الجمهور العربي الأبي الباسل بعدم تقديمهم الشكاوى للحكومة الغاشمة مع تقديمهم، مع رفع رسوم الدعوى التي تتراوح ما بين خمسين إلى خمسماية مل فلسطيني، والاستئنافية التي تتراوح مابين مايتين وخمسين ملاً إلى ألف مل فلسطيني". " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل "-- خادم أمته ووطنه - المجاهد الصغير عبد الرحيم الحاج محمد ".

إن المتأمل لهذه الوثيقة يستطيع أن يلحظ رغبة القيادة العامة للثورة بعرض المحكمة التابعة لها على أنها هيئة قضائية بديلة للهيئة القضائية البريطانية مع كل مايعني ذلك من معاملات مكتبية وتوليف الإضبارات وتوثيقها بشكل يوحي بالجدية والإصرار على تأدية ما تقوم به المحاكم العادية، وعليه فقد حددت الرسوم حسب نوعية القضية إن كانت محكمة أولية أو جنائية أو استئنافاً. علماً بأنه سمح للمتهمين بالإستئناف في المحاكم الجنائية ولم يسمح للمحكوم عليهم في قضايا الخيانة أو الخروج عن اجماع الأمة ( كما كانوا يسمون العمالة آنذاك ).

كما ونلاحظ أن المحكمة أرادت أن تعمل قانون الأقدمية لعشر سنين خلت ( أي قيل تأسيسها ) وذلك ليس رغبة بالتقييد، كما يبدو للوهلة الأولى، وإنما رغبة في أن تطال يدها أيضاً السماسرة وبائعي الأراضي والعملاء الذين جاهروا بذلك قبل اندلاع الثورة واشتداد شوكتها.

لم تعمل كافة محاكم الثورة في جميع مناطق البلاد بنفس النجاعة والدقة والنزاهة. بل اختلفت من منطقة لأخرى تبعاً لشخصية قائد المنطقة ومدى سطوة القيادة العامة وتأثيرها في كل قطاع وقطاع. ففي شهادة لقاضي صلح بريطاني ، عمل في حكومة الانتداب وتابع عن كثب محاكم الثورة، قال:" في البداية تم إقامة المكمة الأولى في المنطقة الخاضعة لقيادة عبد الرحيم الحاج محمد. وبعد ذلك قلده القادة الآخرون عارف عبد الرازق، يوسف أبو درة، حسن سلامة وكذلك منطقة المشايخ في الشمال. لدى كل هؤلاء، أقيمت محاكم على شاكلة المحكمة التي أقامها عبد الرحيم، لكن محاكمهم لم تصل بحجمها وفعاليتها إلى مستوى المحكمة لدى القائد عبد الرحيم. ففي المحاكم التي كانت خارج منطقة عبد الرحيم، انجر بعض القضاة وراء ميولهم الحزبية وفي أحيان كثيرة، لم يحكموا بالعدل خاصة إذا كان المحكوم عليه من معسكر المعارضة ( من النشاشيبيين وحلفائهم )".

كي لا يتدخل القضاة بأمور الثورة الأخرى، تم فصل صلاحيات المحكمة العليا للثورة، بشكل تام، عن صلاحيات القادة الميدانيين ولكن الأمر لم يمنع بعض الإحتكاكات بين مبعوثي الجهاز القضائي وبين رجال بعض قادة المناطق الذي قدموا للمحكمة بسبب تجاوزات قاموا بها، بل ان بعض قادة المناطق أنفسهم قدموا لمحاكم تأديبية على خلفية هذه التجاوزات.

جرت المحاكمات في أماكن سرية لم يكن باستطاعة البريطانيين الوصول إليها. وقد كان على الراغبين بالمثول أمام هذه المحاكم وتقديم شكاوى أمامها، أن يصلوا إلى أحد القادة المحليين أو أحد الأشخاص المحسوبين عليه وهؤلاء كانوا يهتمون بإيصال الشكوى إلى المحكمة الفرعية أو القيادة العامة أو المحكمة العليا. وقد كان الجواب يصل في ظرف أيام عندما يأتي رجال مسلحون إلى الشخص المشتكي ويأخذونه معصوب العينين إلى قاعة المحكمة المنعقدة في أحد الجبال أو إحدى القرى النائية والبعيدة عن الشارع العام ( كوكب أبو الهيجاء في الجليل، عين السهلة في منطقة وادي عارة، كفر اللبد أو شوفة في منطقة طولكرم وغيرها ).

وبنفس الطريقة، بطبيعة الحال، كانوا يسوقون المتهمين أو المشتكى عليهم. والمتهم الذي كان يرفض الانصياع لأمر الإستقدام كان يساق بالقوة إذا لزم الأمر. عندما كان يتم إحضار المتهم للقيادة، كان القائد المحلي هو أول من ينظر بالأمر وهو الذي كان يقرر كيفية الإستمرار: بعث المتهمين لهيئة قضائية أعلى أو الاكتفاء بالتحذير والتوعد والتهديد.

لم يكن لدى الجهاز القضائي للثورة مجموعة من القوانين المكتوبة أو المقاييس والمعايير التي كان باإمكان اللجوء إليها. وإنما اعتمد القضاة بالأساس على القضاء الشرعي أو" قانون المجلة " العثماني الذي كان بعضهم يحفظه عن ظهر قلب، وكذلك اعتمدوا على الأعراف الاجتماعية وعندما قدمت لهم قضايا لخلافات اجتماعية بين عشائر وعائلات كانوا يحتكمون للأعراف الاجتماعية المتبعة في كل منطقة ومنطقة .
في سبيل فرض النظام العام، كان على الجهاز القضائي للثورة أن يستعمل بعض أشكال العقاب والتي ارتبط تطبيقها من الطابع السري لعمل هذا الجهاز.

1. عقاب السجن: في غياب أماكن مناسبة لسجن المحكوم عليهم وبسبب ضرورة الحفاظ على سريّة العمل، لم يتم العمل بهذا العقاب الا في حالات نادرة وقد كان العمل بهذا النمط من العقاب لأغراض الاستمرار بالتحقيق واستنفاده أو أثناء الانتظار للمثول أمام المحكمة. وقد كانت الأماكن التي يتم السجن فيها على هيئة بيوت مهجورة وكهوف في الجبال أو آبار فارغة من المياه، علماً بأنه كانت هناك أربعة آبار رئيسية استخدمها الثوار بشكل كبير كانت في قرى زيتا ( قضاء طولكرم )، عين السهلة ( قضاء جنين )، كوكب أبو الهيجاء وترشيحا ( في الجليل الأعلى). وقد قام رجال الجهاز القضائي للثورة بتقديم الماء والطعام للسجناء مرة واحدة في اليوم على الأقل وقد كانت الوجبات مكونة من خبز وجبن وزيتون وبعض فواكه أو خضروات الموسم وبعض المحليّات.

2. عقاب الجلد: فرض هذا العقاب على من ثبتت عليه جنح أخلاقية، السرقة أو استعمال العنف مع أبناء العائلة. كان العقاب ينفذ على الملأ وفي الساحات العامة وكان عدد الجلدات يتراوح من 10 -80 جلدة.

3. عقاب الغرامة المالية: كان هذا العقاب يفرض على من أدين بالسرقة أو بالتخريب أو التهرب من مساعدة الثوار.

4. عقاب الإبعاد: كان هذا العقاب يفرض في حالات النزاع بين العائلات والعشائر على خلفية الأخذ بالثأر أو على خلفية إصابة شرف العائلة وجنح أخلاقية أخرى.

5 . عقاب الإعدام: فرض هذا الحكم في حالات نادرة ضد من أدينوا بالخيانة العظمى. في بداية الثورة وفي قمة تأثيرها وسطوتها، لم يفرض تقريباً على أحد. ولكن بعد تضعضع مكانتها وقوتها وكثرة الوشايات والتجاوزات بدأت هذه الأحكام بالظهور بشكل أكبر وعن ذلك سنفصل في الحلقة القادمة .....

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص