ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة5) /د.مصطفى كبها

ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية  (الحلقة5) /د.مصطفى كبها

بعد إعلان السلطات البريطانية عن الصدام مع مجموعة القسّام المسلحة ومعرفة هوية أفرادها، بدأ الناس بالتوافد على منطقة المعركة وعلى يعبد وجنين التي قيل بأن جثامين الشهداء ستنقل إليها.

وعن الأجواء في جنين يوم التاسع عشر من شهر تشرين الثاني 1935 حدّثني عفيف عبد الله علي زكارنة ( من مواليد 1922 ) في مقابلة أجريتها معه في غرة تموز 1999 حيث قال:" في صبيحة ذلك اليوم خرجت قوات تابعة لبوليس جنين، نابلس وطولكرم وقامت بتطويق أحراش يعبد وقد أعلنوا أنهم ذاهبون للقبض على "عصابة". كان مع المجموعة حارس إسمه أحمد قاسم القرم (من الخليل ) وقد استشهد قبل الشيخ عز الدين بيوم واحد، وقد جاؤوا به إلى جنين صباحاً وقد رأيته بأم عيني مسجىً وحدقت فيه مليّاً وعندما لاحظ ذلك الضابط البريطاني الذي كان يحرسه نهرني وقام بطردي.

استشهد القسّام ومعه الشيخ يوسف الزيباوي وعطفة حنفي المصري وقد تم إحضارهم إلى مدينة جنين مساء يوم 1935.11.19 محملين على عربة جرار وتم ايقاف الجرار قبالة شرطة جنين لبعض الوقت، فصعدت أنا وبعض الصبية، على العربة ورأيت وجه الشيخ القسّام ولحيته البيضاء.

وقد انتشرت تفاصيل في المدينة مفادها أن الضابط أ.د. (وهو ضابط بوليس عربي من الناصرة ) قد داس على جثمان القسّام بعد استشهاده. وقد قام الثوار، على أثر ذلك، بتعقبه وخطفه إلى قباطية حيث حوكم في محكمة ترأسها الشيخ محمد أبو جعب الذي قضى بإعدامه وتم تنفيذ الحكم بعد إعطاء المتهم الحق في الاستئناف. والشيخ محمد أبو جعب كان من أوائل المنتمين لجماعة الشيخ القسّام وقد كان مسؤولاً عن جناحها العسكري ( جماعة الكف الأسود) وهو الذي ينسب إليه التدبير لاغتيال لويس أندروز الحاكم العسكري البريطاني لقضاء الناصرة والذي جرى في نهاية أيلول 1937".

في مساء اليوم ذاته، تم نقل جثامين الشهداء إلى حيفا حيث تم تسليمها إلى المسؤولين عن اللجنة الإسلامية في جامع الاستقلال ( التي كان الشيخ القسّام رئيساً لها) حيث تولى الشيخ نمر الخطيب عملية تنظيم مراسيم الجنازة والدفن. وقد جرت لهم جنازة مهيبة إشترك فيها الآلاف رغم الترتيبات الأمنية المشدّدة وأعمال التضييق والضغوطات البريطانية والتي منعت الكثيرين من خارج حيفا الوصول إلى مقبرة بلد الشيخ والإشتراك في التشيييع ومراسيم الجنازة.

بدأت الجنازة في الحادية عشرة قبل الظهر حين تم نقل الجثامين من جامع الاستقلال إلى جامع النصر (الجرينة) للصلاة عليها وقد قام رشيد الحاج إبراهيم، الزعيم الاستقلالي المعروف، بلف النعش الأول بالعلم العراقي والثاني بالعلم السعودي والثالث بالعلم اليماني. كما يبدو رغبة منه للتأكيد على البعد القومي العربي العام للحركة التي انتموا لها. وبعد ذلك سار الموكب من الجرينة وحتى مقبرة بلد الشيخ (مسافة 5 كيلومترات تقريباً) قاطعاً المسافة في ثلاث ساعات جرى خلالها صدام مع وحدة من البوليس البريطاني التي قذفها آلاف المشيّعون بالحجارة وأصابوا بعض أفرادها بإصابات بالغة. وقد تمت مواراة الجثامين التراب وهي في حالتها الطبيعية والملابس المخضبة بالدماء.

أبّن الصحفي والزعيم الاستقلالي أكرم زعيتر الشهداء في كلمة مؤثرة نشرتها صحيفة الجامعة الإسلامية (1935.11.21 )، جاء فيها : " هل رأيت اليم الصخّاب،الجائش الفوّار، المتلاطم الأمواج الموار، المرغي المزبد الهداّر؟ هل رأيت البراكين المضطرمة المضطربة تقذف الحمم والنار؟ هل سمعت الرعود القاصفة تجلجل؟ هل أحسست بالعواصف العاصفة تتدافع؟ هل رأيت الأتون المتسعّر، المتلظي، المتأجج الوهّاج ؟.
إن لم يكن هذا فسل من مشى في موكب الشهداء في حيفا التي دوّت صرختها اليوم الآفاق. كل ذلك من أجل عصابة أشقياء !! أستغفر الله بل عصبة شهداء. يقول البلاغ الرسمي : إنها عصابة من الأشقياء، وتقول الأمة الحية التي مشت اليوم في موكب التشييع : كلا، إنهم أبنائي وذوّادي إنهم مهجي وشهدائي ".

وفي نهاية تأبينه توجه زعيتر إلى الشيخ القسّام مناجياً : " لقد سمعتك قبل اليوم خطيباً مفوّهاً، تتكئ على السيف، وتهدر على المنبر، وسمعتك اليوم خطيباً تتكئ على الأعناق، ولا منبر تقف عليه، ولكنك والله اليوم أخطب منك حياًّ ".

لوحظ في الجنازة عدم حضور القيادات السياسية العليا وقادة الأحزاب ( باستثناء بعض قادة حزب الإستقلال). وقد أثار ذلك سخطاً جماهيرياً كبيراً الشيء الذي جعل أكرم زعيتر وغيره من الصحافيين يقودون حملة صحافية هوجاء ضد القيادات التقليدية ناعتين إيّاها بالتقاعس والقصور.

في مقال نشره زعيتر في صحيفة الجامعة الإسلاميّة نوّه أنه كان على زعماء الحركة الوطنية الفلسطينية الإشتراك في الجنازة مثلما كان يفعل زعماء الحركة الوطنية المصرية، وعلى رأسهم سعد زغلول ومصطفى النحّاس الذين كانوا يشاركون في جنازات الشهداء الذين سقطوا في المظاهرات ضد البريطانيين. وقد قال كذلك بأن موضوع المشاركة في الجنازة هو أمر ديني واضح ومن المفروض عدم خلطه بالاعتبارات السياسية.

وفي مقال آخر في الصحيفة ذاتها تحت عنوان "من وحي سقوط القسّام " وجه الكاتب فيه سؤالاً إلى الزعماء عن حقيقة ولائهم، لفلسطين أم لحكومة الانتداب ؟ وهل سيجرؤون على طرح موضوع استشهاد القسّام أمام المندوب السامي ؟.

كان لهذه الحملة الصحافية نتائج مذهلة، فقد حرص كافة زعماء الصف الأول في الحركة الوطنية الفلسطينية على حضور المراسيم التأبينية التي أقيمت بمناسبة مرور أربعين يوماً على استشهاد الشيخ القسّام وأصحابه، لا بل لجأ بعضهم إلى الإعتراف بالقصور ومحاولة تبريره كما فعل جمال الحسيني، زعيم الحزب العربي الفلسطيني، حيث قال في مقال نشره في صحيفة الجامعة العربية ( 1936.1.7 ): " ثورة القسّام كانت ثورة علينا جميعاً، شباناً وشيوخاً وكهولاً، إذ يقول كل واحد منا في قلبي إيمان وفي نفسي إخلاص وعزيمة ولكني مثقل وورائي عائلة كبيرة أخاف إن خرجت أن يتخطفهم الذل والعار والموت وليس لدي ما يدفع عنهم عوادي الزمن. يسمع القسّام وصحبه هذا فيثورون عليه ويخرجون عن أعشاش فيها قطع من اللحم كأفراخ العصافير ينتظر كل منها معيله ليسقط في منقاره ما يسد به جوعه ويروي عطشه، فيندفع القسّام وصحبه من تلك الأعشاش لتثبيت المبدأ وإحقاق الحق وإعلاء شأن الايمان. ونحن إذ نرى منهم ذلك، لا يسعنا إلا أن نشعر بتبكيت الضمير واحمرار الوجوه فندعو الله أن ينير قلوبنا بهذا الإيمان ".

هكذا كان شأن القيادات التي شعرت بالحرج إزاء المكانة التي وصل إليها القسّام وصحبه في الرأي العام وفي الذاكرة الجماعية الفلسطينية ولمن هذا التعبير عن الحرج لم يكن مقروناً بخطوات عملية لتغيير آليات العمل الحمائلية التي تحكمت في أداء الفعاليات السياسية الفلسطينية، الشيء الذي حدا بأتباع القسّام (الذين عرفوا لاحقاً باسم "إخوان القسّام") محاولة تغيير ذلك عن طريق القوة المسلحة وكان لهم ذلك في منتصف نيسان 1936 وعن ذلك سنتحدث في الحلقة القادمة.......