في ذكرى يوم الأرض: سخنين كحصار

في ذكرى يوم الأرض: سخنين كحصار

انتفضت سخنين وأخواتها قبل خمس وثلاثين سنة ضد مصادرة الأرض وصنعت يومه، وهي اليوم على عتبة انفجار جديد، كما يشير احتقان شبابها المحاصر بالشوارع الالتفافية الخانقة لمستقبله وكيانه ومن "مسغاف" التي ابتلعت الأرض وهوّدت المكان وأقصت أصحابه.

توفيق عبد الفتاح
لم يتزوّج ثائر حيادري حتى الآن، يعمل بكدّ في عمله الشاق، بعد أنّ صعّبت ظروف الحياة التحاقه في الجامعة، لم يتزوّج لأنه لا يجد المسكن الذي تسكن فيه أحلامه ويكاد اليأس يسكن حاله، "لا أرى أفقًا للخروج من هذه الأزمة"، يدرك ثائر تمامًا أنّ المسكن والحياة الكريمة هي من أبسط حقوق البشر كما يدرك أنها "للعربي في هذه الدولة أصبحت كالأسطورة"، ففي سخنين بلده الذي يحبها، مدينة يوم الأرض، لا أرض.
أما المهندس أحمد زبيدات، فتزوّج منذ سنين عديدة ووجد حلاً، أو اعتقد كذلك، فقد سكن منذ العام 2005 في مدينة كرميئل القريبة من سخنين، لكنه سرعان ما دفعه الاغتراب والرفض المعهود لكل ما هو عربي من قبل من يعيش على الأرض التي صودرت من العرب، إلى البحث عن مسكنٍ آخر، فتقدّم للسكن في المستوطنة الجماهيرية "ركيفت" الأقرب إلى سخنين، وهناك رفضت لجنة الاختيار والتصنيف قبول عائلته للسكن فيها، لأنها لا تناسب معاييرها، وقرّر أن يخوض معركة في الدهاليز القضائية للدولة العبريّة.
سخنين بسكانها ال27الف، الذي يشكل أبناء 0 إلى 30 عامًا 70% منهم، هي النموذج الأقسى للبلدات العربية المحاصرة بالمصادرة والمستوطنات والشوارع الالتفافية. إنها محاصرة ومطوّقة بالكامل، من الشمال هناك مستوطنة إشحار وإشبال ويوفليم، ومن الغرب والجنوب يجثم مصنع "رفائيل" العسكري، ومن الشرق إمكانيات التوسع محدودة بسبب مجمعات المياه العادمة والأراضي الزراعية.
تمتدّ أراضي مدينة سخنين، التي لا يجد ثائر وأحمد موطأ سكنٍ فيها، على مساحة سبعين ألف دونمٍ، يقع 9688 دونم فقط ضمن نفوذ بلدية سخنين، وما يقارب خمسة آلاف أخرى ضمن خارطتها الهيكلية، أما الباقي، أي ما يقارب 60,000 دونم! فقد ابتلعها اخطبوط المجلس الإقليمي "مسغاف".
رفضت مؤسسات الدولة ودوائرها المخطط الذي تقدّمت فيه بلدية سخنين لضمّ ال60 ألف دونم لمنطقة نفوذها واستعادة معظم أراضي سخنين، تشكّلت لجنة فحص ولأوصت بضم 2600 دونم فقط لمنطقة النفوذ سخنين، إلا أن حتى هذه التوصيات المجحفة لم تنّفذ بسبب اعتراض المجلس الإقليمي "مسغاف"، اقترحت وزارة الداخلية حسم الخلاف بمفاوضات ثنائية بين الطرفين إلا أنّ اللجنة الشعبية في سخنين ترفض أنّ تفاوض "مسغاف" على أراضي أهل البلد، وتطالب حيث الداخلية بتحمل المسؤولية عن هذا الغبن قبل أن يحدث الانفجار بسبب أزمة الأرض والسكن الخانقة.
"مسغاف": المدينة الوهميّة مساحتها 220 ألف دونم
خلال زياراته لأهله في سخنين، قادمًا من القدس، كان الباحث نبيه بشير يتابع لافتات الشوارع ويلاحظ أنها كلّها تدلّ إلى "مسغاف"، "كان شعوري سيئًا لأنني ابن سخنين، ولا أعرف أين تقع "جارتنا" مدينة "مسغاف"، تابعت الإشارات، وسألت عن مدينة "مسغاف"، وكان الناس يرمقونني بنظرة استهزاء، حتى فهمت أن "مسغاف" هذه التي تسيطر على مساحة 220 ألف دونم من الشاغور إلى كفر مندا ومن المغار إلى عكا ما هي إلا مدينة وهمية ،وهي في الواقع بناية مقامة على أراضي قرية ميعار المهجرة"، بعد هذه المعلومة الصادمة قرّر بشير، في العام 2002، أن يؤلّف كتاب "المكان". يشير كتاب بشير، بين مجمل استنتاجاته المعمّقة، أنّ "مسغاف" أنشئ بعد سنوات قليلة من أحداث يوم الأرض في أواخر السبعينيات، في إطار الصراع على المكان وهويته وملكيته وديمغرافيته، وكأداة للسيطرة على الأرض ومنع التواصل الجغرافي بين البلدات العربية ضمن مخطط تهويد الجليل.
الشوارع الأمنية تطوّق المدينة
قرّرت دوائر التخطيط، قبل سبع سنوات، شقّ شارع التفافي شماليّ سخنين ليوصل بين المستوطنات ويوفاليم وإشحار وإشبال، عرض هذا الشارع 40 مترًا وارتداد 80 مترًا من كل جهة، البلدية في حينه بذريعة أنّه يخفّف الضغط على شارع 805 الذي يمر بمدينة سخنين.
"أقرّ هذا الشارع بعد هبّة القدس والأقصى عام 2000" يقول المحامي إياد خلايلة عضو اللجنة الشعبية "الهدف الحقيقي من هذا المخطط هو استكمال وإحكام طوق الحصار حول سخنين والمضي بالمصادرة، وإيجاد شوارع واسعة ومريحة للمستوطنين لكي يتحاشوا الدخول للبلدات العربية،وما يؤكد الأهداف المشبوهة للمخطط هو رفض تخطيط بديل تقدمت فيه البلدية لتوسيع الشارع القائم وتخفيف عبء مصادرة مئات الدونمات التي يبتلعها الشارع الالتفافي، ليس هذا فحسب بل هناك مخطط لشارع آخر ويظهر في الخريطة بشكل دائري يطوق المدينة بكاملها ومسمى"الشارع الحاضن" –ويسميه البعض"بالشارع الأمني"!
الغضب آتٍ؟
توّجه المهندس أحمد زبيدات، بعد أنّ رفضته لجنة القبول في "ركيفت" إلى محكمة العدل العليا، "اعتبرت المحكمة في جلستها الأولى أنه لا مبرّر لادعاء"المنهال"ومجلس "مسغاف"، أما في الجلسة الثانية، قبل قرابة الشهرين، أحالت المحكمة هذه القضية إلى لجنة لوائية وإن لم تحلها فستعاد للعليا للبتّ بها نهائيا". ويقول زبيدات "من الغباء استمرار هذه السياسات، هناك احتقان وغضب يعتمل لدى المئات من الشباب في سخنين ومثلهم آلاف الشباب العرب ممن ضاقت بهم الدنيا جراء هذه السياسات، وأتوقع بأنّ الانفجار قادم لا محالة، إذ لا يعقل الاستمرار بالحياة والتعايش مع هذا الإجحاف وهذا الغبن دون أن يتوّقف، وعلى القيادات العربية القطرية والمحلية أنّ تجد الأدوات والآليات لمواجهة هذا الإقصاء والتهميش والاستخفاف بنا قبل الانفجار".
مثل أحمد، يعتقد ثائر حيادري أنّه لا انفراج متوّقع، وأنّ "الأفق مسدود ولن يفتحه إلا بانقلاب على السياسة العنصرية للدولة، أنا أتوقع بأن الانفجار قد يحدث في أية لحظة فهناك الآلاف من الشباب يعيشون حالة الإحباط ويفتقدون المعنى والأمل،وأنا أطالب القيادات العربية القطرية والمحلية بأن تعمل لإعلان أيام غضب من أجل الأرض والمسكن لضمان مستقبل الشباب".