في النقب.. الشعب يُريد تصعيد النضال

في النقب.. الشعب يُريد تصعيد النضال
محاولة منع الطفلتين من رفع العلم فلسطيني من قبل بعض القيادات

وسط هذا البحر الهادر من الناس في مسيرة أهالي النقب بمدينة بئر السبع يوم أمس الخميس، تقرر (لين وليان) اجتياز حاجز الشرطة الإسرائيلية الفاصل بين الآلاف الغاضبة وبين مبنى المحكمة المركزية في مدينة بئر السبع، لتدخلا بالعلم الفلسطيني وترفعاه على مدخل المحكمة التي ستحكم بترحيل عشرات الآلاف من أهالي النقب في حال إقرار مخطط "برافر" والموافقة عليه في الكنيست.

مشهد طفلتين تجتازان حاجز للشرطة الإسرائيلية وترفضان الإنصياع لرجال مدججين بالسلاح ورجال مدججين بالزعامات التقليدية بالرجوع الى جموع المتظاهرين يحكي الكثير عن الروح الجديدة الصاعدة بين أهالي النقب. ومشهد تجمهر مئات الشباب أمام مبنى المحكمة وليس أمام منصة الخطابات في نهاية المظاهرة أيضا كما كان من المفترض أو من المتوقع أيضا يحكي عن تغيير في قواعد اللعبة على المستوى الشعبي، وإمكانية تفجره، وهذا احتمال كبير كان قائمًا يوم أمس لو قام أحد المتظاهرين الغاضبين بالقفز نحو مبنى المحكمة للحقه المئات وتحولت المظاهرة الى مواجهة مباشرة مع الشرطة في رسالة واضحة "لن نسمح لكم بتمرير المخطط".

إصرار الشباب والنساء والرجال والأطفال الوقوف لمدة ساعتين كاملتين ليهتفوا بغضب بوجه رجال الأمن ومحدقين في عيونهم مباشرة، ينذر بمرحلة جديدة في إدارة النضال لإفشال المخطط، يجب استغلاله لتصعيد سقف المواجهة مع المؤسسة الاسرائيلية، فكما صرخ أحد المشاركين في وجه المنظمين "احنا زهقنا خطابات.. كل مرة نفس الخطابات..جايين نتظاهر مش نسمع حكي جايين نفشل المخطط مش نحكي عنه".

كانت إذن الرسالة الموجهة للمؤسسة الإسرائيلية في وجوه وهتاف المتظاهرين وليس على منصة الخطابة، غضب شعبي مندفع علينا ألا نستغربه حتى لو افتقدناه وسألنا في السابق عن غيابه. ألا يستحق هكذا مشروع منا هذا الغضب وأكثر؟ اسئلة بدأت تُطرح مؤخرًا بين أهالي النقب. إلا أن هذا الغضب لم يتحول لمواجهة بعد أن لعبت بعض القيادات دورها التقليدي في تهدئة الناس ومنعها من تفجير ما بداخلها من خوف من نكبة قادمة. في البداية حاولوا إنزال الطفلتين أكثر من مرة، إلا أنهم فشلوا ليتحولوا فيما بعد للعب دور آخر وهو الهتاف مع الجمهور لكن مع ضوابط "ممنوع اجتياز حاجز الشرطة".

خلل  في لجنة التوجيه
هذه الفجوة الكبيرة الموجودة بين الناس والشارع النقباوي وبين العديد من القيادات والتي تتواجد داخل لجنة التوجيه لعرب النقب، تطرح أسئلة عديدة حول إدارتنا للنضال في مواجهة المخطط الحالي. الأمر الذي دفع البعض الى مقاطعة لجنة التوجيه ومقاطعة فعالياتها، وايضا انسحاب العديد من هذا الجسم وهنالك من يفكر أيضا بالانسحاب.

والمثير للجدل أيضا هو ما حصل مؤخرًا عندما أقرت لجنة المتابعة للجماهير العربية توكيل لجنة التوجيه لعرب النقب بتنظيم الإحتجاجات ووضع البرامج النضالية، وكأن مصادرة أراضي من النقب تخص أهالي النقب وحدهم. ولا بد من الذكر والتذكير في هذا السياق برودة تعامل أهالي الشمال والمركز فيما يتعلق بمخطط "برافر" كما يشعر الناس هنا في النقب. فحتى على صعيد الأحزاب السياسية، نشهد صعوبة تجنيدها لنشاطات تتعلق بمخطط "برافر" وأهالي النقب، وكأن اسرائيل نجحت في سلخنا نفسيا وعاطفيا، تخيلوا لو كان "برافر" في الجليل مثلا، يسألون؟!.

وبهذا الخصوص تحدثنا مع رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية محمد زيدان حول غياب اضراب عام لكل الفلسطينيين في الداخل مع برنامج نضالي وخطة عمل، قال زيدان إن لجنة المتابعة وفي اجتماعها الموسع الأخير في النقب قررت الإضراب العام وهو موجود على الطاولة، لكن سيتم تنفيذه في الوقت الذي سيطرح مشروع "برافر" على جدول أعمال الكنيست على حد قوله. وكلنا يعلم أن المشروع أصبح على جدول أعمال الكنيست إلا أنه تم تأجيل التصويت عليه أكثر من مرة، فكما يبدو الدولة تجس النبض. يرى زيدان أنه في حال إقرار المشروع ستعلن الجماهير العربية ردة فعلها وتخرج بإضراب عام، فتوقيت الإضراب حاليا غير مناسب، كما أن قضية توكيل لجنة التوجيه بوضع برنامج العمل نبع بهدف تسهيل العمل كي لا نرهق الناس بالاجتماع في النقب.

وتتشكل لجنة التوجيه من عدة مركبات: الأحزاب والقوى السياسية، رؤساء السلطات المحلية، المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها (وهو بالمناسبة منقسم لمجلسين: مجلس برئاسة عطية الأعسم الذي تم انتخابه مؤخرا وآخر برئاسة ابراهيم الوقيلي). يجري داخل لجنة التوجيه صراعات عديدة بين عدة تيارات، ومحاولة البعض الهيمنة عليه او إبقائه مع سقف منخفض.

منسق اللجنة العام سعيد الخرومي يرى أن هذه اللجنة جسم نضالي مكون من عدة مركبات تعتمد بالأساس على العمل الجماعي، حيث تعمل اللجنة في ظروف استثنائية وغير عادية، مما يؤدي في بعض الأحيان الى تجاوزات على حد قوله وهذا أمر يحصل في طريق النضال، بالرغم من النقد الشديد الذي يُوجه لأداء لجنة التوجيه على اكثر من صعيد خصوصا فيما يتعلق باستثناء الشباب والنساء وتقليدية المظاهرات والعمل، الا انه يرى أنه في نهاية المطاف ما ينتج عن لجنة التوجيه هو نتاج للعمل الجماعي وهو مفتوح للجميع.

كيف نجلس مع شخصيات تدعي النضال وهي ساومت على أرضها مع الدولة؟
هنالك من ينادي بمقاطعة لجنة التوجيه بسبب وجود شخصيات سلطوية داخل لجنة التوجيه كما يقول الشيخ صياح الطوري من قرية العراقيب، ويسمي هذه اللجنة باللجنة الموجّهَة وليس التوجيه. على حد قول الطوري "كيف نجلس مع شخصيات تدعي النضال وهي ساومت على أرضها مع الدولة ومؤخرا استقبلت شخصيات سلطوية معروفة واستقبل برافر في بيتها وفي السابق ايضا مع غولدلبرغ؟.. هذه لجنة موجهة ضد الشعب قسمت أهالي النقب، ولا تمثل أهالي النقب". ويضيف "على أي لجنة  تمثل أهل النقب وقضيتهم العادلة أن تكون منتخبة مباشرة من الناس، وليس تشكيلها بهذا الشكل حيث يجلس في بعض الشخصيات السلطوية والتي استقبلت بيني بيغن في نفس الوقت الذي كانت تهدم بيوت في النقب، من أعطى شرعية للمجلس الإقليمي مثلا ليتحدث بإسم اهالي النقب؟".

شخصيات إشكالية
يتسائل العديد من الناشطين في النقب عن معنى جلوس بعض رؤساء السلطات المحلية في لجنة التوجيه، وهم أنفسهم شاركوا في مؤتمرات في الخارج نظمتها دائرة أراضي اسرائيل (الكيرن كييمت) بهدف تجنيد الأموال وعرض لنشاطها في تحريش وتشجير صحراء النقب، ولا يوجد مشهد أفضل للصهيونية في دعايتها بالخارج عن مشهد يتحدث فيه العربي الفلسطيني المُستعمَر عن محاسن المُستعمِر والاستعمار.

ويستغرب العديد من الناس وجود أشخاص ساوموا على أراضيهم في السابق مع الدولة(منهم عضو كنيست سابق) داخل هذه اللجنة. إضافة لرؤساء سلطات محلية لا يناهضون المخطط بشكل واضح خصوصا رؤساء لبلدات سيتم ترحيل أهالي القرى المزمع تهجيرها اليها، مما سيزيد من حالة الاكتظاظ في ظل عدم توسيع مسطحات البناء، البعض يخشى المواجهة أو يطمع ببعض المغريات التي قد تُقدم لسلطته المحلية مقابل عدم التحرك ضد المخطط.

والصراع الجاري داخل لجنة التوجيه هو صراع أكثر على القيادة داخل النقب، يرتبط في الكثير من الأحيان بقضايا أخرى ليس لها علاقة بمواجهة وإفشال مخطط "برافر"، وبالطبع هنالك القوى الوطنية ايضا داخل لجنة التوجيه التي تحاول دوما تصويب بوصلة العمل والنضال وتحشيد وتجنيد اكبر عدد ممكن من القوى السياسية والأهلية في النقب بهدف إفشال المخطط بهذه المرحلة.


جمعة الزبارقة:  تركيبة اللجنة معقدة والنقد صحي
وهذا ما يدفع مثلا جمعة الزبارقة ممثل التجمع البقاء حاليا في لجنة التوجيه والذي انسحب أكثر من مرة من اللجنة إلا أنه عاد في نهاية المطاف، بهدف عدم ترك الساحة لبعض الشخصيات الإنتهازية، وخصوصية المرحلة الحرجة التي يمر بها النقب، وايضا كساحة لمحاربة بعض التوجهات السيئة داخل مجتمعنا. يتحدث الزبارقة عن إحدى الخطوات التي تم العمل عليها وهي كتابة أسماء أئمة المساجد على الفيسبوك الذين لا يتحدثون عن الإضراب وبرافر في خطب الجمعة مما يحرجهم بهدف تفعيل حالة شعبية ضد المخطط أو ضد من يسكت عنه أو يتواطأ معه، فالانتقاد العلني لما يحصل داخل لجنة التوجيه هو أمر صحي ومطلوب خصوصا في تركيبة معقدة لهذه اللجنة ووجود أشخاص على أساس انهم يمثلون أحزاب لكن على الأرض لا تمثيل حقيقي لهم.

الحراك الشبابي
مؤخرا تم تأسيس الحراك الشبابي في النقب، من قبل مجموعة من الناشطين الشباب من مختلف الأحزاب والمؤسسات الأهلية، بعد حالة إحباط وعدم ثقة أصابت العديد منهم من الأداء التقليدي للجنة التوجيه. بدأ هذا الحراك عمله منذ شهرين تقريبا، ويعتمد بالأساس على التواصل المباشر مع الناس من خلال التوجه لهم مباشرة والتكلم معهم عن مخاطر "برافر"، توزيع المناشير، تنظيم والمشاركة في الوقفات الإحتجاجية.

تتحدث الناشطة هند سلمان في الحراك الشبابي بالنقب عن نشاطات الحراك الكثيرة في فترة قصيرة جدا منذ تأسيسه، خصوصًا تلك في ذكرى النكبة حيث تم تنظيم 9 فعاليات في 9 قرى في نفس الوقت تتحدث عن نكبة فلسطين عام 1948 وعن نكبة فلسطين في أيامنا في مخطط "برافر". كما تحدثت سلمان عن ضرورة تصعيد النضال، فالخطر يتهدد العديد من القرى حاليا حتى قبل تنفيذ المخطط. وتعطي أمثلة لقرى أخرى مثل طويل أبو جروال

واللقية وبير هداج والتي حدثت فيها مواجهات عارمة مع الشرطة والأمن، فعندما تحصل مواجهة كبيرة تقرر السلطات ترك البلدة، والرجوع لها بعد فترة. وتتحدث ايضا حول الإقصاء الذي يجري للنساء داخل لجنة التوجيه خصوصا في ظل الدور المتصاعد الذي تلعبه المرأة في النقب ان كان في مواجهة رجال الأمن او المشاركة في الفعاليات والتظاهرات.

يمر النقب في هذه الأيام بتحولات جديدة على الساحة السياسية بعد تصاعد الهجمة الشرسة على الأرض المتبقية للعرب في جنوب فلسطين، تبدلات نحو خطاب وعمل أكثر صدقا وتعبيرًا عن الشارع وحجم التحدي. ونجاح هذه المحاولات منوط بقدرة اللاعبين الجدد من قوى وطنية وشبابية على الساحة السياسية في النقب على أخذ زمام المبادرة وقيادة المعركة القادمة التي تتطلب وحدة وطنية عالية ومصداقية في العمل المباشر مع الناس وبوصلة غير مهزوزة أو مشبوهة أو انتهازية مستعدة لخوض المواجهات، إضافة لتحويل قضية أهل النقب الى قضية جميع الفلسطينيين في الداخل ليس على مستوى الخطاب كما هو حاصل اليوم بل على مستوى النضال العام وكسر حالة البُعد النفسي.