كثير من الحب والوجعِ؛ قليل من الفرح!

كثير من الحب والوجعِ؛ قليل من الفرح!

لا صور ألتقطها لأم الشهيد رامي غرّة، ولا شرح مُستفيضا مِنها، ولا حتى تفاصيل الحكاية التي أودتْ بحياتي رامي، مَع ذلك استطعتُ أخذ القليل ِمن المشاعر والحُزن والأوجاع التي لا تندمِل.

ستةَ عشر عامًا، مروا كـ16 ثانية، فالحُب والحنينُ والاشتياقُ يأخذك إلى عالمٍ آخر، إلى رحلةٍ في عالمٍ آخر. واحدٌ وعشرون عامًا، هذا هو عمره الحقيقي، قبل أن يستشهِد رامي غرّة، لكنّ عمره الحقيقي مِن عُمرِ الوطن، فهو وطنيٌ تربّى في بيتٍ ملتزم ومعطاء، ومناضِل، والدته وأخواله وسائر أقربائه، يؤمنون بالحريّة والكرامة كعنوانٍ للحياةِ.

زُرتُها في بيتها، فاستقبلتني غير متفاجئة، لكنها رفضت أيُ حديثٍ تقوله، إلا ما سمحت بِه، ليسَ لأنها لا تُحب الصحافة، ولكن لأنّها تعبِت، تراها مِن الخارج قويّة لكنها في داخلها، مجروحة بجرحٍ ينزفِ على مدار ستة عشر عامًا.

صحيحٌ أنها لم ترضَ أن ألتقط لها صورًا، أو مقطع فيديو، مع ذلك، فإنها تعاطت معي بصدقٍ وثقة.

قالت: 'صعبٌ لهذا الجرح أن يندمل، لكننا مضطرون لإيصال رسالة أمهات الشهداء، وأنا منهم، ستة عشر عامًا، وُلدت بعدها أجيال لا تعرف شيئًا عن واقع أهالي الشهداء، وتساءلت: 'لماذا لا تدخلون إلى المدارس كصحافة، للتعريف بأسماء الشهداء، خاصةً للذين استشهدوا وكانوا طلابا، أن نترك لهم أثرًا مهمًا، كي تعرفه الأجيال القادمة، وتؤِمِن أنّ الشهيد قد اختاره الله، ليكون رمزًا للأرضِ والوطن'.

وتساءلت أم رامي: لماذا لا يتم تقديم الشرح للجيل الجديد؟ أين الوالد والمعلم؟ ولماذا كل هذا الخوف؟ وماذا بقي لنبكي عليه؟ الأرض سُرقت، والبشر تشتتت، فهل بقي بعضٌ من كرامة؟!

تضيف: 'لم يبقَ بيتٌ في جت أو غيره من البلدات العربية، إلا وفيه هذه الحديدة – السلاح – وفي كل مظاهرة يُرفع فيها العلم الفلسطيني يجمعون نصف جت ويحققون معهم ويعتقلونهم، تحول العلم إلى قطعة قماش حين غابت الكرامة، عدا عن الظواهر السلبية الأخرى مثل الاتجار بالمخدرات والقتل وغيره من المصائب التي يعيشها العرب في البلاد'.

تساءلت أم رامي: 'ماذا بقي بعدما أغلقوا الملفات؟ وتابعت: أكره بدلة المجرم، أنا مجروحة بجرحٍ لا أبرأ منه، أكرههم، وأكره الذين يؤدون الخدمة المدنية. أتعرف أنّ حامل المكنسة أشرف وأنقى مِن خادمٍ خائن؟ هذا الأمر يحصل عندما تضيع الكرامة. وفي كل عامٍ أدخل ثلاث عشرة مقبرة، فيزداد الجرحُ إيلامًا، لكن عزائي أنّ ابني دفعني إلى ذلك، ذهب ليعبّر عن نفسه، بطريقته، فلماذا قتلوه؟ وهل عليّ أن أذهب لأشرح عن وجعي في كلُ مكانٍ حتى يستفيد الآخرون من تجربتنا؟! وأتساءل لماذا لم يُقروا اليوم، يومَ إضراب؟ لماذا لا يضعون اسم شهيد على اسم أحد الصفوف الذي تعلّم فيها؟ حتى المظاهرات التي نُشارك فيها، نشعر أنّ كثيرين لا يعرفون سبب التظاهرات، فيزداد وجعي وألمي'.

تضيف الحاجة رشدية – أم رامي: 'نشأ أبنائي على الوطنية، وأشقائي كلهم يحيون يوم الأرض، وغير خائفين إلا من الله، فلماذا هذا الجبن والخوف الساكن في الكثيرين منّا؟!

حينَ أعود من المقبرة التي أزورها باستمرار أتحدث إلى رامي، كما كل يومٍ، وأقول له: 'أُخرج لترى ماذا تركتَ مِن بعدك؟ مِن أجلِ مَن استشهدتْ؟ وأنتَ تعلم أنني فخورة بك، لكن الأمة الباقية عليها السلام'.

وحين تلتقيني صديقاتي وجاراتي، يتحدثن عن وفاة فلان وهو في عمرِ الورد، فأقول لهن حين يتساءلن: هل ستنساه أمه؟! وتجيب: مُستحيل، فرحيل الأبناء يوجع الأهل حدّ النزيف، لكن وضعنا يختلف عن وقوع حادث، نحنُ طوال السنة نعيش الحزن، وحين تأتي الذكرى تعيد الماضي والوجع القاسي، ويعود شعوري ومشكلتي مع دولة قتلت أبنائنا'.

قالت: 'تحمّليني'، فأنا متضايقة، قُتل وليد أبو صالح على يد مجرم، بينما يتعامل نصف أهالي سخنين مع القاتل وتستضيفه، رغم أنّ سخنين كانت على مدار سنين طويلة - أم الوطنية والشهداء، أإلى هذا الحد نحنُ نائمون؟!

نحنُ الأهالي موجوعون، إذ لم يبقَ لهذا الشعب أرضٌ، ولا تقيم الدولة أي اعتبارٍ للقيادة، وتحاول إخافتنا، لكن لم يبقَ ما نخاف عليه.

عن مواسم الأفراح تقول: لا أشارك في الأعراس، حتى لو كانوا أبناء أشقائي، أفضل الصمت على الانتقادات، ولا نُجري مقابلات مع الصحافيين، والسؤال: لماذا لا يوجد إضراب؟! هل سيجوعون في هذا اليوم؟ هذه الأيام التي مررنا بها سيعيشها أبناء شعبنا؟ ولولا القيادة ما كانت المسيرة القطرية، هناك تقصير من أبناء شعبنا، وما جرى لنا لا نتمناه لأحد، لأنه وجعٌ غريبٌ عجيب. فابني خرج ليستشهد، كما خرج جميع أفراد عائلتي خرجت ومعهم بناتي، وحين خرج شعرتُ أنّه عصفورٌ وطار، لم أكن في الدنيا بعد استشهاده، خرج من البيت إلى بيت جدته، ومعه مجموعة من الأطفال، لكن عزائي أنه شهيد.

إذ كان يُلقي الحجارة باتجاه الجنود خارج البلدة، جاء صاحب محطة الوقود، ونهره ليبتعد، فقال له رامي: سأحضر لك جوافة عندما نعود مِن الأقصى، صُدم الرجل وجاءَ ليعتذر، وذهب ليطلُب مِن رامي السماح. بينما أنا أمضيتُ عامين لم أستوعب فيهما أينَ أنا؟ كنتُ في عالمٍ آخر، أرى فيه ابني يوميًا.

وعن العلاقة مع عائلات الشهداء تقول: 'نحنُ عائلات الشهداء، عائلة واحدة نحب بعضنا البعض، أصدقاء ونشارك في أفراحهم وأحزانهم، والتقينا في رمضان على وجبة فطور، لكننا نعتز بالجميع، وليس كما يُقال أنّ بيننا خلافات. لكننا تعبنا، ما دام الجرح مفتوحًا طوال الوقت'. وتربطنا علاقة الدم بسبب أبنائنا الشهداء، تعرفنا عليهم في عزّ الوجع.

'ولأننا كنّا بأمس الحاجة لتغيير الحياة في البيت، قرّرنا تزويج شقيق رامي (36عامًا)، حضر جميع أصدقاء رامي، فكان العرس حزينًا ومأساويًا، إذ لا يزال يشتاق لأخيه، تمنينا أن نزوجه، لنغيّر الأجواء قليلاً، لم نُقِم خطوبة'.

إقرأ/ي أيضًا | هبة القدس والأقصى: زيارة أضرحة الشهداء والنصب التذكارية

تضيف: 'شقيقتي زوّجت أبناءها مؤخرًا. فتساءل الناس، لماذا لا أشاركهم بالأفراح، لكنني لا أستطيع، وعزائي بالباقين مِن الأبناء. طوال الوقت أتحدث معه، احتفظ بكل ما تبقى مِنه من ملابس، كما لو أنه موجودًا'.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018


كثير من الحب والوجعِ؛ قليل من الفرح!

كثير من الحب والوجعِ؛ قليل من الفرح!

كثير من الحب والوجعِ؛ قليل من الفرح!

كثير من الحب والوجعِ؛ قليل من الفرح!

كثير من الحب والوجعِ؛ قليل من الفرح!

كثير من الحب والوجعِ؛ قليل من الفرح!

كثير من الحب والوجعِ؛ قليل من الفرح!

كثير من الحب والوجعِ؛ قليل من الفرح!

كثير من الحب والوجعِ؛ قليل من الفرح!

كثير من الحب والوجعِ؛ قليل من الفرح!

كثير من الحب والوجعِ؛ قليل من الفرح!

كثير من الحب والوجعِ؛ قليل من الفرح!

كثير من الحب والوجعِ؛ قليل من الفرح!

كثير من الحب والوجعِ؛ قليل من الفرح!

كثير من الحب والوجعِ؛ قليل من الفرح!

كثير من الحب والوجعِ؛ قليل من الفرح!

كثير من الحب والوجعِ؛ قليل من الفرح!