بروفيسور جبارين لــ"عرب ٤٨": البلدة العربية تتحول إلى "غيتو"

بروفيسور جبارين لــ"عرب ٤٨": البلدة العربية تتحول إلى "غيتو"
بروفيسور يوسف جبارين

* انعدام التفكير الإستراتيجي في السلطات المحلية

* السلطات المحلية العربية فشلت فشلا ذريعا في مجالي التخطيط والتشغيل

* مفاوضات أم الحيران خطأ خطير وجريمة، لماذا لم يُقدم تخطيط بديل بشأن أم الحيران؟

* الحكومة تنوي حشرنا في 'غيتوات'...  مخطط الطنطور مثلا

* تعاملوا مع 'عمونا' كأنها أمر مقدس، وتعاملوا مع أم الحيران كهدف يجب إسقاطه


يرسم مخطط المدن، بروفيسور يوسف جبارين، صورة قاتمة لمستقبل البلدات العربية في حال واصلت السلطة المحلية العربية التعامل مع قضايا التخطيط والتطوير دون تفكير إستراتيجي، في موازاة مخططات السلطة التي تريد حشر العرب في بلدات يمكن وصفها بـ'خزانات عمال' أو 'فنادق عمال'.

رغم الصورة القاتمة، استقبلنا بروفيسور جبارين بترحاب وبشاشته المعروفة في مكتبه في معهد 'التخنيون' في حيفا، يوم الخميس الأخير، وأسهب في الحديث عن انعدام المخططات الإستراتيجية، لكنه يبقي بارقة أمل بأن هناك ما يمكن فعله وأن الـ'غيتو' ليس قدرًا.

يصر جبارين على أن التعامل مع قضايا الأرض في النقب يجب أن يكون شاملا، بحيث يكون المطلب في أم الحيران هو الاعتراف بالقرية بدل عقد صفقات لترحيل الأهالي، وأن يجري ذلك في إطار تصور شامل لحل لأربعين قرية منزوعة الاعتراف في النقب.

وماذا عن السياسة؟ هل ينوي جبارين خوضها؟ جوابه كان قاطعا كما سيتبيّن في اللقاء.


فقدان المدينة

كُشف مؤخرا عن تخطيط جديد لإقامة 'مدينة عربية'، لأول مرة مرة منذ إقامة إسرائيل، جنوب الجديدة - المكر، بمحاذاة شارع عكا- صفد رقم 85 في المقطع الموصل بين المكر وعكا، بهدف تجميع العرب من عكا القديمة وقرى المنطقة فيها ومنع العرب من الهجرة إلى مدن أقيمت لتهويد الجليل مثل كرميئل، ومنع توسيع مسطحات البلدات العربية.

وقال جبارين لـ'عرب 48'، إن 'البلدات العربية ستتحول إلى 'غيتوات' بعد 15 إلى 20 عاما، بفعل تخطيط حكومات إسرائيل المتعاقبة وانعدام التخطيط المهني الصحيح في السلطات المحلية العربية'.

وأضاف أن 'الحكومة تفرض على رؤساء السلطات المحلية العربية مكاتب مخططين للعمل معها وإعداد خرائط وفق ما تمليه عليها الحكومة. بإمكان رؤساء السلطات المحلية العربية رفض ذلك كما فعل رئيس بلدية الناصرة، علي سلام، ورئيسها السابق رامز جرايسي، وجلب مخططين يهتمون فعلا بتوسيع مناطق نفوذ البلدات العربية، وأن نفكر للمدى البعيد ونضع تصورا وإستراتيجية للعمل'.

من المسؤول عن الفشل التخطيطي؟ هل المؤسسة الإسرائيلية فقط؟

وجه جبارين إصبع الاتهام إلى رؤساء السلطات المحلية العربية، وقال إنهم 'فشلوا فشلا ذريعا في مجالي التخطيط والتشغيل، فالتخطيط في مركزه 3 أمور مركزية وهي السكن، تخصيص أراض لأغراض عامة مثل المدارس والشوارع والمراكز الثقافية، وأراض لأماكن العمل والتشغيل، وهو أمر مهمل بشكل مطلق عند كل الرؤساء العرب. عيب أن يحدث هذا في العام 2017 في سلطاتنا المحلية العربية، ومن المؤسف أن المخططات التي قدمت خلال العشرين عاما الأخيرة مضرة وخطيرة. الدولة تستثمر أكثر بالتخطيط في بلداتنا العربية، لكن التخطيط سيئا لأنه تخطيط يضيّق علينا أكثر فأكثر. ومن المؤلم أن ترى ابن الطيبة أو الناصرة يخرج إلى عمله باكرا ثم يعود إلى بلدته ليبيت فيها؟ لماذا لا يخطط لأماكن تشغيل في البلدات العربية؟ ثم لماذا تفتقر أم الفحم مثلا لحدائق عامة ما يضطر العائلات لأخذ أولادهم للهو في العفولة؟! للأسف التخطيط في البلدات العربية معدوم، والبلدة العربية ستتحول بعد عقدين إلى 'غيتو'، ستكون مجرد أماكن للنوم تعاني من الكثافة السكانية ما يدفع إلى أمور وسلوكيات سلبية خطيرة'.


مخطط 'شبه المدينة' لتجميع العرب بالجليل

وعن التخطيط الحكومي الجديد لإقامة 'مدينة عربية'، لأول مرة مرة منذ إقامة إسرائيل، جنوب الجديدة - المكر، قال بروفيسور جبارين: 'توجهت لرئيس مجلس محلي الجديدة - المكر وبعض الأعضاء وأعربت عن استعدادي للتطوع بتقديم تخطيط إستراتيجي، لكن للأسف لم أجد من يسمعني. مجلس جديدة المكر ليس على دراية بما يحدث وأراضي الناس تُصادر'.

وأكد أنه 'من الواجب إسقاط هذا المخطط الجديد، والمطالبة الفورية بضمّ هذه الأراضي إلى مسطح نفوذ قرية جديدة المكر، وتخطيطها بمشاركة كاملة للسكان وأصحاب الأراضي واحترام رغبات الأهالي كما يجري بمدن يهودية عادة. يجب علينا أن نفهم الخطة الإستراتيجية الحكومية، فهدم المنازل في قلنسوة وأم الحيران والتخطيط الجاري لشبه المدينة هذه وغيره مؤشر واضح على نوايا الحكومة وإستراتيجياتها الجديدة لتركيزنا بمنطقة صغيرة لا تحتمل بها الحياة. لماذا وافق أفيغدور ليبرمان على المخطط؟ ومتى أصبح يحب مصلحة العرب بالبلاد؟'.

وأسهب أن 'هذا المخطط سيصادر نحو 5769 دونما منها 2769 دونما صودرت عام 1975 وما يقارب 3000 دونما ستتم مصادرتها من جديد من مواطنين عرب. واضح أنه بعد أن أفشلت الجماهير العربية إقامة المدينة على أراضي الطنطور من خلال المجلس القطري للتخطيط والبناء، تأتي الحكومة الإسرائيلية وبشكل متسارع لتخطط من أجل إقامة ما يسمى 'شبه مدينة' على أراض غالبيتها بملكية عربية خاصة، حيث تسعى للمصادقة عليها من خلال اللجنة القطرية الجديدة للتخطيط 'الفاتمال' بهدف المصادقة السريعة، لا سيما أن هذه اللجنة لا تسمح للاعتراض على التخطيط'.

ويستدل من التخطيط، بحسب جبارين، أن 'الهدف تفريغ عكا القديمة وتحويلها إلى ما آلت إليه يافا، تركيز العرب وجذبهم من بلدات الجليل جميعها بما فيها الناصرة ومنطقتها أيضًا، وذلك بهدف منع العرب من الهجرة إلى مدن أقيمت لتهويد الجليل مثل نتسيرت عيليت وكرميئيل، استعمال الأراضي العربية الخاصة من أجل البناء واستغلال ما تبقى منها، منع توسيع مسطحات البلدات العربية على أراض تابعة للدولة، تلقين العرب ثقافة السكن المكثف وفق ما تريده الحكومة الإسرائيلية، وأخيرا تفكيك النسيج الاجتماعي الجماعي العربي من أجل تطوير مجتمع مؤسس على الأفراد بدل الجماعة والانتماء الوطني'.

واعتبر أن 'هذه المدينة ستقام على أراض عربية فلسطينية خاصة، وتنتهك حق الناس بالتملك على أرضهم وتصادر حقنا بتقرير مستقبلنا ببلداتنا، وتريد هدم ما تبقى من بلداتنا في الجليل. إن الجنون في هذا المخطط هو كثافة البناء والتي تصل إلى 20 وحدة سكنية للدونم، وذلك يعتبر من أعلى الكثافات في البلاد، بالإضافة إلى فصل المدينة هذه عن جديدة المكر بمنطقة خضراء بحجة أن سمعة أهل الأخيرة سيئة جدا، كما جاء بالمخطط الرسمي، وهذه المنطقة ستلتهم الأراضي العربية الخاصة، كما أنها ستحوي على 15 ألف وحدة سكن ما معناه مدينة لما يقارب 70 ألف نسمة في هذه المنطقة الفقيرة اقتصاديا، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه سيدير هذه المدينة والتطوير والأراضي الخاصة شركات خاصة وإدارة حكومية'.

سقوط أم الحيران سيتبعه سقوط 46 بلدة عربية

وفي ما يتعلق بقضية قرية أم الحيران، حذر جبارين من أن 'سقوط أم الحيران سيُسقط 46 بلدة عربية في النقب غير معترف بها ومليون دونم من الأراضي العربية في تلك المنطقة، أي ضعف ما يملكه العرب الفلسطينيون في الجليل والمثلث'.

وحول خطورة ما تخطط له السلطات الإسرائيلية، قال، إن 'أهالي أم الحيران سكنوا قبل العام 1948 منطقة وادي زُبالة في النقب، وبعد النكبة جرى تهجيرهم من قبل الحاكم العسكري لمنطقة خربة الهزيل، وبعدها إلى منطقة أبو كف، وجرى نقلهم عام 1957 إلى منطقة عتير وبها عاشوا حتى اليوم، زرعوا الأرض وشيدوا المنازل الخاصة بهم. وفي العام 2002 أقرّت الحكومة الإسرائيليّة إقامة بلدة يهودية باسم 'حيران'. وجرت المصادقة على خارطتها الهيكلية عام 2013 بمساحة 3563 دونما، و2413 وحدة سكن. وكل هذا على أراضي أم الحيران وعتير'.

وأكد أنّ مركز 'عدالة' للدفاع عن حقوق الأقلية العربية في البلاد واكب القضية في المسار القضائي، وقدم التماسا، وقام هو بإعداد بحث قدم للمحكمة، لكن للأسف المحكمة قررت تهجير السكان.

وعما كان ولا زال بالإمكان فعله، قال جبارين، إنه 'كان بالإمكان أن نتخطى الكثير من الأمور في النقب لو فكرنا بشكل إستراتيجي. لماذا لم يقدم تخطيط بديل لأم الحيران لغاية اليوم؟ أعربت عن استعدادي للتطوع في عدة أماكن وبلدات، وأنا مستعد أن أقدم تطوعا تخطيطا بديلا لأم الحيران. للأسف الشديد نحن نفتقد الشراكة والعمل الجماعي وبناء إستراتيجيات. لا يوجد من يسأل، لا لجنة المتابعة ولا القائمة المشتركة رغم تقديري لهم. أؤكد أن غياب التفكير الإستراتيجي يضر بمجتمعنا على المديين القريب والبعيد، حان الوقت أن نتطوع ونفكر كمجتمع بشكل جماعي وإستراتيجي'.

وتطرق إلى المفاوضات التي أجريت بين قياديين عرب ومندوبي الحكومة بشأن أم الحيران، محذرا من خطورتها وانعكاساتها، وقال إن 'المفاوضات بشأن أم الحيران خطأ خطير وجريمة، لا أعرف من فاوض بالضبط؟ ومن خوله بذلك؟ كيف يمكن إجراء مفاوضات خطيرة كهذه في الوقت الذي تناضل فيه من أجل البقاء والصمود وتخوض مسارا قضائيا؟! إن أعدل القضايا هي قضية أم الحيران، وهي تحتاج منا كل الدعم لمواصلة الصمود. كان على مجلس حورة المحلي أن يرفض مخطط نقل أهالي أم الحيران إلى القرية، فقد كُتب بالتخطيط أن الهدف من توسيع مسطح حورة استيعاب أهالي أم القيعان. علينا أن نسأل هل الحكومة فعلا ترغب بتوسيع المسطح؟ والأهم أن نعرف الهدف من وراء ذلك. لماذا لم يكن مجلس حورة صريحا وواضحا خلال السنتين الأخيرتين؟'.

وعبر عن حزنه لما حدث في أم الحيران، مقارنة مع إخلاء البؤرة الاستيطانية 'عمونا' بالضفة، وقال إن 'تعامل الحكومة مع عمونا كان كأنها أمر مقدس، تعاملوا معها بهدوء رغم أنها على أرض فلسطينية محتلة ويوجد قرار من المحكمة العليا، ووفروا تعويضا قدره مليون شيكل لكل مستوطن منها، ووعد نتنياهو ببناء مستوطنة جديدة لهم، أما في أم الحيران فالأمر اختلف لأنها عربية والحكومة تخطط لتهويد النقب، حيث قررت عام 2002 إقامة 14 بلدة يهودية بهدف تهويد النقب ومنع توسع البلدات العربية'.

خوض السياسة

في نهاية اللقاء سألناه، هل ينوي بروفيسور جبارين خوض المعترك السياسي والترشح لانتخابات الكنيست أو الانتخابات البلدية؟، أجاب بكل وضوح، 'لا أرغب ولا أفكر بخوض انتخابات الكنيست أو الانتخابات المحلية، سأواصل خدمة مجتمعنا من خلال عملي المهني، مبسوط بهذا وسأستمر به'.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018