الجهاز الصحي كموديل للتعايش العربي - اليهودي المتكافئ

الجهاز الصحي كموديل للتعايش العربي - اليهودي المتكافئ
(صورة توضيحية)

ضاقت وسائط التواصل الاجتماعي، في الأيام الأخيرة، بالكم الهائل من التهاني والتبريكات، المزينة بصور الشابات والشبان من خريجي الطب العرب، الذين اجتازوا امتحان النقابة بنجاح، وانتقلوا إلى ممارسة المهنة الأرفع إنسانيا، والأكثر حظوة في سوق العمل وفي الحيز الاجتماعي.

أكثر من 200 شاب وفتاة من الأيدي العاملة الأكثر تدريبا هم الدفعة الأخيرة، التي دفع بها مجتمعنا (طبعا تقابلهم الآلاف من الأيدي العاملة 'السوداء') إلى سوق العمل الإسرائيلي، ليحتلوا مكانهم في درجاته العليا هذه المرة، وهي مساهمة معنوية في تغيير النظرة السائدة بأن العربي يفترض أن يكون في قاع درجات السلم، إلى حين تغيير هذا الواقع بالفعل.

وإن كانت التحولات والمردودات الجارية في الداخل الفلسطيني، لا تقتصر على مجال الطب والمهن المتفرعة عنه، بل تشمل الكثير من المجالات، فإنّ التقاء العرض الذي وفره العرب مع الطلب على هذه المهن في القطاع الطبي الإسرائيلي، هو ما جعل هذا المجال الأكثر بروزا، بعد اجتماع الكم والكيف في القوى العاملة العربية في صفوفه.

والحال كذلك، لم يكن من الغريب أن يصف تقرير صادر عن 'المركز الإصلاحي للدين والدولة'، الجهاز الصحي العام في إسرائيل، بانه جزيرة فريدة، أرسى حياة تعاون حقيقية بين العرب واليهود، من شأنها أن تشكل موديلاً لسائر مجالات الحياة في المجتمع الإسرائيلي، على حد تعبير التقرير.

التقرير الذي ارتكز إلى عشرات المقابلات المعمقة، مع عاملين عاديين ومصممي سياسات في الجهاز الصحي العام، لفحص العوامل التي تقف وراء فرادة هذا الجهاز في المشهد الإسرائيلي، خاصة بما يتعلق بالتعايش والتعاون بين العرب واليهود، كما يقول معدوه، يحاول أيضا الاستفادة من تجربة الجهاز الصحي لصالح تعميمها على سائر أجهزة الدولة.

وفي هذا السياق يبرز التقرير، الذي نشرت صحيفة 'ذي ماركير' الاقتصادية، في عددها الأخير، بعض المعطيات عن نسبة العرب في المهن الطبية المختلفة، حيث يورد أنه من بين 8190 'صيدلي' مسجلين في النقابة، هناك 2912 'صيدلي' عربي يشكلون 38% من الصيادلة في البلاد، مشيرا إلى أن 62% من الصيادلة العاملين في شبكة 'سوبرفارم' هم من العرب. 

وفي مجال التعليم، يورد أن 42% من الذين يدرسون موضوع التمريض في الجامعات، هم من الطلاب العرب، وهي نسبة تفوق بشكل كبير نسبتهم من السكان، وحتى في الموضوع الأكثر حظوة، الطب، تقارب نسبة الطلبة العرب نسبتهم من السكان (الحديث عن الجامعات الإسرائيلية فقط) حيث وصلت نسبة الطلاب العرب إلى 16% في السنة الدراسية 2015، بينما وصلت نسبتهم في التخنيون 38% وفي جامعة بئر السبع 31%.

يخلص التقرير إلى أن تحييد السياسة والمساواة التامة، هما سر نجاح التجربة الفريدة للجهاز الصحي في إرساء موديل للتعايش العربي اليهودي، أو بلسان مديرة مستشفى هداسا اوسنات لبتسيون، ليس فقط أن اليهودي ليس هو المدير، والعربي هو عامل النظافة، بل المساواة التامة والتعاطي مع مجال العمل فقط.

وبرأينا، أن حاجة الجهاز الصحي الإسرائيلي للأطباء وأصحاب المهن الطبية العرب، بعد هروب ذوي الكفاءات إلى الهايتك والصناعات العسكرية، وتعزيز العرب لنسبة الدارسين والخريجين في تلك المجالات، عبر تكثيف الدراسة خارج البلاد، وفي الجامعات الأردنية والفلسطينية، هو ما خلق نوعا من التكافؤ العددي والنوعي بين القطاعين العربي واليهودي في الجهاز الصحي.

وبعكس فرع البناء الذي ستجد فيه 90% من العمال عربا، والمهندس والمقاول يهوديان، انوجدت حالة فيها طبيب عربي مسؤول عن فريق كامل من العاملين اليهود، الأمر الذي غير النظرة السائدة والواقع الفعلي أيضا، ولأجل سحب ذلك على سائر المجالات، لا يكفي توفر الكفاءات العربية وحدها، بل هناك حاجة لسياسة تسمح لهذه الكفاءات بأن تأخذ مكانها في سوق العمل، وحتى ذلك الحين، على العرب أن يعملوا على مراكمة تلك الكفاءات التي لا بد أن تجد طريقها إلى مجالات أخرى، كما وجد الأطباء وغيرهم من العاملين طريقهم إلى سدة الجهاز الصحي العام.   

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018