النقب: جرائم اختفاء وقتل نساء لم يكشف عنها من قبل

النقب: جرائم اختفاء وقتل نساء لم يكشف عنها من قبل

'صمتكم يقتلنا' صرخة دوت عاليا وسط ضوضاء المركبات المارة على مفرق السقاطي قرب مدينة رهط بالنقب، في مظاهرة نظمتها جمعيات ومؤسسات نسوية، أمس الثلاثاء، تنديدا بجرائم قتل وحالات 'اختفاء قسري' ما يزال يكتنف بعضها الغموض في النقب.

عشرات المتظاهرات جلهن يرتدين الأسود يرددن شعارات من على ظهر ورقة، يتوقفن مدة، تعالج إحداهن مكبر الصوت الذي على ما يبدو يعاني من مشاكل تقنية ثم لا تلبث أن تعود بصوت جهوري 'لا تكتم ولا تستر على جرائم القتل'.

تتوقف المركبات على الشارع أمام الإشارة الضوئية، بعض السائقين يخرج رأسه من النافذة خلسة ليرى على ما هذه الجلبة وآخرين يرمقون المتظاهرات بنظرات توحي بعدم الاكتراث. بعض النساء ينقرن 'زامور' سيارتهن دعما للوقفة، إحدى المتظاهرات التي اجتهدت للتعرف على ملامحها خلف الحجاب والنظارات الشمسية التي ترتديها تقول 'لقد تعرضت لعنف في بيتي قبل سنوات عديدة وأنا اليوم هنا .'

جرائم القتل تتصدر مواقع الأخبار لساعات ثم ما يلبث أن يتحول اهتمام الرأي العام بعدها لتقارير مصورة عن مجزرة مروعة أخرى في سورية أو حادث اعتداء إرهابي في مصر، إلا أن المعطيات تسرد قصة تأخذ منحا حالكا يوما بعد آخر.

وهن المجتمع وتقاعس الشرطة

في العام 2016 ارتكبت أكثر من ستة وخمسين جريمة قتل، بينها 11 جريمة قتل نساء ومنذ مطلع العام 2017 وصل بلغ ضحايا جرائم القتل 26 عربيا. قد يقول قائل إن الرجال هم أكثر عرضة لجرائم القتل وإن العنف أصبح آفة لا تذر أحدا ولا تستثني جنسا، ولا شك أن هذا صحيح إلا أن الرجال يقتلون لأسباب متنوعة ومتعددة، أما النساء فغالبا ما يقتلن بسبب الشيء الوحيد الذي يمتلكنه في هذا العالم وهو كونهن نساء.

في ظل هذا الواقع القاتم وتراجع البنى الاجتماعية التقليدية التي حالت دون استفحال العنف وسعت لضبطه في أوقات سابقة ومع التفتت الحاصل وتفشي القيم الفردانية والانغماس في الثقافة الاستهلاكية، تظهر جليا علامات الوهن والضعف في المجتمع، وذلك في ظل تقاعس الشرطة.

وقد أظهرت دراسة إسرائيلية أن العديد من ضباط الشرطة في إسرائيل يعتقدون أن 'ظاهرة العنف فـي المجتمع العربي هي ظاهرة متغلغلة، وهي سمة من سمات المجتمع العربي'. وبالإضافة إلى ذلك، أظهرت نتائج الدراسة أن النساء العربيات في إسرائيل، اللواتي تعرضن لسوء المعاملة، وبعد ذلك اتصلن بالشرطة، مررن بمشقة وصعوبة، في حين كان عليهم التعامل مع المخالف، الزوج، لكنهن واجهن موقفا هجوميا تجاههن من الشرطيين. وعليه فإن الشرطة هي في كثير من الأحيان جزء من المشكلة وليس الحل.

مسؤولية مجتمعية

وقالت المحاضرة في جامعة 'بن غوريون' سراب أبو ربيعة- قويدر، لـ'عرب 48' إن 'جمعيات نسائية من الشمال إلى الجنوب جاءت لتحتج على ظاهرة قتل النساء وخاصة ضد تعامل الشرطة مع جرائم قتل نساء عربيات بالمقارنة مع قتل نساء يهوديات'.

وأضافت أنه 'يستدل من معطيات نشرت على هامش جلسة طارئة عقدتها لجنة النهوض بمكانة المرأة والمساواة الجندريّة في الكنيست مطلع نيسان/ أبريل الماضي، حول استمرار جرائم قتل النساء وإهمال الشرطة والسلطات، أن نسبة حل ملفات جرائم قتل النساء عند اليهوديات تصل إلى 100% فيما عند العربيات تصل إلى 50% فقط'. وأكدت أبو ربيعة- قويدر أنه 'للأسف أرى من خلال هذا التعامل أنه لا يوجد من يحمي المرأة العربية، من مؤسسات الحكومة بما فيها الشرطة، ولا يوجد أي رادع للقاتل. لذلك يجب أن نأخذ المسؤولية كمجتمع'.

وتابعت أن 'هذه القضية ليست نسائية أو نسوية، جرائم قتل النساء هي قضية وطنية من الدرجة الأولى ولا نستطيع تجاهلها'.

وعن مشاركة بعض القياديين المحليين في الوقفة، قالت أبو ربيعة-قويدر: 'سررت بقدوم نواب محليين مثل النائب جمعة زبارقة والنائب السابق ورئيس لجنة مكافحة العنف طلب الصانع، مشاركتهم تدل على تغيير الخطاب ورؤية القضية، لكن لا يكفي'.

وختمت بالقول: 'أتوقع من الموجودين في مؤسساتنا الأهلية والمدنية بوضع العنف ضد المرأة على أجندتهم، ومطالبة الشرطة بأخذ دورها'

اختفاء وغموض

وقالت مديرة مركز حقوق النساء البدويات في جمعية 'لايتاخ معكي' إنصاف أبو شارب، لـ'عرب 48' إن 'وقفة الاحتجاج ضد قتل النساء والفتيات هي صرخة ضد الظلم والقهر'.

استطردت أنه 'مؤخرا تطفو فوق السطح كثير من حوادث الاختفاء أو الانتحار المزعوم والتي يكتنفها الغموض ويتضح بعدها أن النساء قتلن'.

وعزت استفحال الظاهرة إلى 'تساهل الشرطة وتهاون المجتمع مع قضايا قتل النساء العربيات'.

وختمت أبو شارب بالقول إنه 'توجد ضرورة لتضافر الجهود في سبيل مكافحة هذه الآفة، علينا كنساء ورجال العمل على محاربة هذه الظاهرة كي نرتقي بمجتمعنا إلى الأفضل بعيدا عن حالة فقدان الأمن والأمان التي نعيشها'.

سحب الغطاء

وقال النائب عن التجمع الوطني الديمقراطي في القائمة المشتركة، جمعة الزبارقة، لـ'عرب 48' إن 'جرائم القتل هي العار بعينه، ودورنا حيوي وضروري في رفع الوعي وسحب أي غطاء مجتمعي أو مسوغات لعينة تستخدم للتستر على المجرمين'.

وأردف: 'نحن ندرك تقاعس الشرطة وإهمالها الذي يبدو مقصودا، وأنا أعتمد في كلامي على تقرير مستفيض قدمته زميلتي النائبة حنين زعبي عن تقاعس الشرطة في محاربة العنف والجريمة في المجتمع العربي'. وأضاف الزبارقة إنه 'يظهر من التقرير أن احتمال القبض على المجرم في حال كونه يهودي هو سبعة أضعاف والأمر يتطابق تماما مع حقيقة أن نسبة العنف في المجتمع العربي هي سبعة أضعاف في المجتمع اليهودي'.

وختم بالقول إنه 'علينا مصارحة أنفسنا أننا لا يمكن أن نعول على الشرطة وهي التي تلاحقنا وتعتقل شبابنا في محاربة الجريمة، بل هناك حتمية للتكاتف المجتمعي من خلال مناهج التعليم وخطط عمل مدروسة للحد من هذه الظاهرة'.