التجنيد في النقب: زيف المشاريع الإسرائيلية وغياب البديل

التجنيد في النقب: زيف المشاريع الإسرائيلية وغياب البديل
(أ ف ب)

ليس خفيًا على أحد أرق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من الانخفاض الحاد في نسبة التجنيد للشباب العرب في النقب في السنوات الأخيرة الماضية، وذلك بحسب إحصائياتها.

وبيّنت الإحصائيات الأخيرة، والتي تحدثت عن الفرق في نسبة المتجندين العرب البدو في النقب بين السنوات 2013 - 2014، وجود 122 مجندًا بدويا من النقب عام 2013، وانخفاض العدد بشكل ملحوظ إلى 84 مجندًا بدويًا فقط في العام 2014.

زيف المشاريع وأكاذيب السلطات

ويعتبر العام 2013 هو البادرة الأولى لوجود تغيير جدي في نسب وأعداد المجندين العرب في النقب، وقد ينسب ذلك إلى كشف العديد من أكاذيب المؤسسة التي ربطت التجنيد، منذ أيام الحكم العسكري، بتحسين ظروف المعيشة، والسماح لعرب النقب بالبناء والسكن في أرضهم وربطهم بالخدمات الأساسية، الحق المكفول لهم إنسانيًا وطبيعيًا.

وكانت هذه العوامل، إلى جانب العمل وتوفير لقمة العيش وحتى التهريب، محركًا أساسيًا في رواية الشباب البدو المجندين وتبريرًا  لتجندهم.

ولم يتحقق أي من هذه الوعود على مر السنوات الماضية، حيث ازدادت عمليات هدم البيوت في القرى العربية في النقب، ولم تتم أي محاولة جدية لربط أي منها بالخدمات الأساسية، كما ازداد حجم الملاحقة السياسية والمدنية للمواطنين بشكل طاغ، وهنا سجلت جرائم قتل وتنكيل بالمواطنين العرب في النقب من قبل رجال الشرطة ووحدة يؤاف في السنوات الأخيرة.

يشكل هذا التوجه لدى المجتمع العربي في النقب، خوفًا لدى المؤسسة الإسرائيلية، ويثير قلقها الواضح، والذي ظهر في تصريحات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الأخيرة، حيث صرح أن 'تزايد العرب البدو في النقب يشكل خطرًا ديموغرافيًا'، حيث سجلت نسبة التكاثر المجتمع العربي في النقب زيادة بمقدار 5% سنويًا.

برنامج التأهيل العسكري

ولم تستسلم المؤسسة الإسرائيلية إلى انخفاض نسب التجنيد لدى الشباب العربي في النقب، حيث حاولت الحكومية رفع النسبة عبر مخطط 'برنامج التأهيل العسكري'، حيث اعتزمت السلطات الإسرائيلية إقامة مؤسسة تأهيل عسكري لعرب النقب، على شكل سنة تحضيرية للخدمة العسكرية، تكون خاصة بتجنيد المواطنين العرب البدو في النقب، على غرار المؤسسات التي يقيمها الجيش لتجنيد الحريديم والمستوطنين واليهود المتدينين، في عام 2015 .

كل هذه المحاولات، بالإضافة لظهور وسطاء جدد ووجوه جديدة تعمل على تسويق التجنيد العسكري في النقب، إلى جانب تفعيل العناوين القديمة التي قد تكون عملت بالسر أو بالعلن، لم تعد بفائدة واضحة أو ملموسة في النقب، وهنا يأتي دور المرحلة الجديدة والتي تتمثل اليوم في دخول العديد من المشاريع المشبوهة والممولة بشكل مباشر من صناديق تعمل على التجنيد في مضمونها، منها القديم وهي مشاريع حضرت في النقب سابقًا ولكنها اليوم وسعت نشاطها، ولاقت اهتماما قطريا  لتثبيتها وتسهيل عملها في المنطقة وإن كانت بعضها لا تعمل على التجنيد المباشر إنما على تشكيل الهوية وتمهيد الطريق للشباب البدو للانضمام للمؤسسات العسكرية والأمنية وعرض الشباب العربي أكثر على التجربة العسكرية في النقب، وكسر الحواجز بينهم وبينها.

مشاريع الأسرلة والاندماج

ويذكر من هذه المشاريع المتفشية في النقب تحت غطاء القيادة الشابة وتطوير الشخصية مشروع 'أحراي'، الممول حكوميا بمزانيات ضخمة تستثمر في تنظيم مسارات، رحلات ونشاطات مختلفة على الطريقة العسكرية الإسرائيلية، وبمرافقة مرشدين ومجندين وخريجين من الجيش الإسرائيلي، في محاولة واضحة لتقليص الفجوة بين المجتمع العربي والمؤسسة العسكرية.

ومشروع 'الشبيبة العاملة والمتعلمة' الشبابي الحكومي، والمتفشي في معظم البلدات العربية تقريبا، بدعم من السلطات  المحلية، ويحمل المشروع شعار 'التعايش المشترك' و'تقريب الثقافات بين البلدات العربية واليهودية'، وذلك دون أي مقاربة للتمييز العنصري بينها في الميزانيات والتعامل الحكومي، بالإضافة إلى تشويه الرواية التاريخية.

ويتوجه مشروع 'الشبيبة العاملة والمتعلمة'، إلى الشباب العربي في الأجيال المبكرة (من 16 حتى 20 عامًا)، ليكلل المشروع، في نهايته، إلى توجيه الشباب العربي إلى الخدمة المدنية بشكل مباشر، والانخراط في مؤسسات الدولة، بحسب شهادات المشاركين فيه.

ذلك بالإضافة إلى المشروع الجديد نسبيًا، 'نجوم الصحراء'، والذي تطور بشكل سريع وأخذ بالتفشي.

وجاء المشروع، في هيكلته، خليطا من كلا المشروعين السابقين (أحراي والشبيبة العاملة والمتعلمة)، حيث تضمن في صلبه تنظيم مسارات رافقها مرشدون خريجون من الجيش الإسرائيلي، وبعضهم بلباسه العسكري فعلا.

المشروع ممول بشكل مباشر من 'الصندوق القومي اليهودي' (ككال)، والتي عملت تجنيد تبرعات لها بحجة التعايش وتطوير الشخصية ودمج الشباب في السلك الأكاديمي وفي مؤسسات الدولة.

يذكر أن المشروع تم تسويقه والترويج له منذ البداية على أيدي شخصيات معروفة ورئساء بلديات في النقب، واحتضنته بشكل مباشر بلدية حورة، كما ارتبط أيضا بمشروع وادي عتير، المُعرف على أنه شبكة من المزارع تمثل نموذجًا زراعيًا وحياتيًا جديدًا في النقب، وتباع منتجاته في المحلات العربية واليهودية في النقب، والممول من 'الصندوق القومي اليهودي' كذلك.

علما بأن موقع مشروع 'وادي عتير'، يبعد كيلومترات معدودة عن قريتي أم الحيران وعتير، المهددتين بالهدم والترحيل لبناء مستوطنة حيران اليهودية. فيما يتولى ويدير أعمال الهدم والبناء فيها 'الصندوق القومي اليهودي'.

وتم استضافة مشروع 'نجوم الصحراء'، بالفعل، في عدة مناسبات، منها افتتاح مدرسة تحمل اسم المشروع أقامها وزير الزراعة والتنمية الريفية، أوري أريئيل، المرافق لهم بشكل شخصي في الكثير من نشاطاتهم، بالإضافة إلى العديد من الشخصيات الأمنية والمخابراتية التي تلعب دورا محوريًا في المجلس الإداري، منهم، على سبيل المثال لا الحصر، مدير المشروع والعسكري السابق، ماتان يافي، وشخصيات عربية أبرزها دورا رئيس بلدية حورة، محمد النباري.

غياب البديل

خالد النصاصرة

وفي هذا السياق، حاور 'عرب 48' الناشط الشبابي ورئيس مجلس الشبيبة البلدي في مدينة رهط سابقا، خالد النصاصرة، الذي قال إن 'مشاريع الأسرلة التي تتعرض لها الأجيال الشابة في النقب باتت تشكل خطرًا واسعًا، وذلك لقلة المؤسسات التي تسعى إلى خلق جيل وطني وعاي'.

وأضاف النصاصرة 'ازدياد مشاريع الأسرلة التي تهدف إلى تحريف الهوية الفلسطينية ودمج الشباب في مؤسسات تدعمها وزارة الدفاع ووزارة الزراعة والصناديق المشبوهة، ومحاولة دمجهم في إطار الخدمة المدنية التي هي شكل من أشكال التجنيد ، وهدفها هو تهويد الهوية الفلسطينية لدى شباب النقب وخلق جيلا يخدم مصالح دولة الاحتلال.

وعن تجربته الشخصية ببعض هذه المشاريع، أفاد النصاصرة أنها 'تختبئ وراء مصطلحات لإغراء الشبيبة كبناء الشخصية وبناء مستقبل أكاديمي لامع، ينخدع الطلاب ويجرون نحو مصيدة هذه الخطط التهويدية، حيث يرافق المجموعات الشبابية المنخرطة في هذة المشاريع جنود ومتطوعون في الخدمة المدنية ومن يتهيؤون لدخول الخدمة العسكرية'.

النائب جمعة الزبارقة

بدوره، قال النائب جمعة الزبارقة إن 'التجنيد هو تشويه قومي وتذويب لهويتنا الوطنية كسكان أصلانيين لهذه البلاد، وتصب في محاربه أبناء شعبنا وهذا مرفوض مبدئيا'.

وأضاف أنها 'لن تعطينا اَي إنجاز ملموس على الأرض، كما يتم الترويج لها، فمصادره الأراضي وهدم البيوت مستمرة وتطال جميع أبناء شعبنا'.

وأكد الزبارقة أن 'التحريض مستمر من قبل رئيس الحكومه الذي يريد التدخل حتى في أرحام نسائنا، بالأمس قام بتصريح عنصري جاء فيه أن التكاثر الديمغرافي لعرب النقب يشكل خطرا على إسرائيل'.

وتابع الزبارقة أن هذه الأقوال 'تعبير عن العقلية الكولونيالية والتوجه العدائي للحكومة الإسرائيلية واستمرار لسياسة الفصل العنصري ومحاصرة الوجود العربي بدء من نهب الأرض وهدم البيت ومرورا بسياسة الإفقار والملاحقة وتشويه الهوية، وانتهاء بتحديد النسل والتكاثر الطبيعي للمواطنين العرب، مستغلة مظاهر اجتماعية كانت شريكة في نموها'.

وأشار النائب الزبارقة إلى أن 'تصريحات نتنياهو تضاف لممارسات فاشية وسن قوانين عنصرية تكرّس يهودية الدولة وهيمنة اليمين المتطرف وتخلد الاحتلال وتشرعن الاستيطان'. 

ودعا النائب الزبارقة المجتمع الدولي والقوى الديمقراطية في إسرائيل لمناصرة المواطنين العرب ومناهضة سياسة نتنياهو العدائية التي تغذي الكراهية والحقد.

راتب أبو قرينات

من جانبه، أكد الناشط الشبابي وعضو مؤسس في الحراك الشبابي في النقب، راتب أبو قرينات، لـ'عرب 48' أن 'المتابع للأوضاع الحالية في النقب من هدوء ميداني حذر، يدرك أن هناك عاصفة قادمة، قد تكون الأصعب على النقب. يسبق هذه العاصفة تجهيز الأرضية من خلال مشاريع وأموال تضخ بكثرة، الهدف منها هو السيطرة على ما يمكن السيطرة عليه من عقول شابة لتحييدها أو دفعها تجاه المخططات المزمع تنفيذها بحق الأرض والبشر في النقب'.

وتابع أبو قرينات أن 'هذه المشاريع وهذه الأموال التي تضخ في مشاريع كدعم الخدمة المدنية والخدمة العسكرية وحتى دعم التعايش مع السلطة الحاكمة ما هي إلا جزء من مخطط يتم إعداده للنقب'.

وختم أبو قرينات بالقول: 'كما فشلت الحكومة في تجنيد الشباب بأعداد كبيرة فإن هذه المشاريع مصيرها الفشل لا محالة'.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018