د. سعيد زيداني: الحكم الذاتي يحمي حقوقنا الجماعية وهويتنا القومية

د. سعيد زيداني: الحكم الذاتي يحمي حقوقنا الجماعية وهويتنا القومية
مظاهرة ضد هدم البيوت العربية (أ.ف.ب.)

السؤال الذي تبادر الى الأذهان عندما أعاد د. سعيد زيداني مؤخرا طرح فكرة الحكم الذاتي، هو لماذا مجددا؟ ولماذا الآن يعاد إحياء فكرة عفا عليها الزمن؟ فكرة طرحها قبل ما يقارب ربع قرن هو ود. عزمي بشارة وجرى تبني إحدى جزئياتها في برنامج التجمع الذي تأسس لاحقا، وهي جزئية الحكم الذاتي الثقافي.

شعار "دولة كل مواطنيها" الذي يستجيب لمسألة الحقوق الفردية في المواطنة واحتل صدارة خطاب التجمع، ربما كان أكثر ملاءمة لظروف تلك المرحلة (مرحلة أوسلو) التي تميزت بمحاولات الدمج والأسرلة، بعكس محاولات الإقصاء ونزع الشرعية التي تتميز بها المرحلة الحالية، وفق معيار زيداني الذي يضع الحقوق الفردية والجماعية في كفتي ميزان تشكل "دولة كل مواطنيها" جوابا للأولى ويشكل الحكم الذاتي جوابا للثانية، فيما ترجح كفة أحدهما على الأخرى تبعا لسياستي الدمج والاقصاء التي تتبعهما المؤسسة الإسرائيلية تجاهنا، حيث تقترن الأولى (الدمج) بحزب العمل ومعسكره وتقترن الثانية (الإقصاء) بحزب الليكود ومعسكره.

اليوم وفي ظل إمعان المؤسسة الإسرائيلية المحكومة من اليمين القومي الديني المتطرف، بتعزيز الطابع اليهودي الصهيوني للدولة، بالتوازي مع سياسة الاقصاء ونزع الشرعية عن العرب، يصبح طرح شعار الحكم الذاتي أكثر إلحاحا، لحماية الهوية والحقوق الجماعية لجماهيرنا دون التفريط بالحقوق المدنية الفردية.

من هنا تنبع صلاحية الفكرة، التي ما زالت رغم مرور ربع قرن على طرحها، "عذراء غضة" بتعبير سعيد زيداني، بل أنها تكتسب أهمية خاصة في هذه الأيام بالذات، التي يتم فيهما التأكيد المفرط من قبل ممثلي الأغلبية الحاكمة على الطابع اليهودي للدولة، وعلى ما يقترن بذلك أو ينساب عن ذلك من قوانين وسياسات وممارسات جائرة وإقصائية، كما يقول.

حول تجديد فكرة الحكم الذاتي وإعادة طرحه، أجرى "عرب 48" مقابلة مع د. سعيد زيداني، حول تصوراته لفكرة الحكم الذاتي وآفاق وإمكانيات ترجمتها في ظل واقع سياسي صعب ومعقد كالذي نعيشه.

"عرب 48": ما هي دواعي طرح فكرة الحكم الذاتي مجددا؟

د. سعيد زيداني

زيداني: "نظريا، الأسباب التي أدت الى طرح الفكرة في حينه ما زالت قائمة. بل هي تزداد إلحاحا في ظل ما تشهده إسرائيل خلال العشرين سنة الأخيرة من تعزيز لقوة اليمين وانجراف شعبي باتجاه الأحزاب الدينية القومية، علما أن اليمين العلماني واليمين القومي في إسرائيل يؤكدان على يهودية الدولة وصهيونيتها، ويعتبرانها دولة اليهود وتعبير عن حق تقرير المصير لتلك المجموعة فقط. ولكن في عهد حكم اليمين الديني- القومي باتت الأمور أكثر وضوحا وهناك سعي لقوننة التمييز، الذي كان دائما قائما في حقل الممارسة السياسية، فنتنياهو وتحالفه من القوميين المتدينين، الذين يشكل رئيس حزب ’البيت اليهودي’، نفتالي بينيت، مثالهم المتطرف، يقولون بكل فظاظة إن هذه الدولة لليهود وانتم (العرب) تستحقون حقوق مدنية فقط. وهذا يحدث في ظل عملية 'تسميك' الطابع اليهودي للدولة، وتصعيد في الهجمة على الفلسطينيين داخل إسرائيل، والتي تطال الأرض والمسكن والحركات والأحزاب السياسية والمؤسسات الثقافية، ولم يفلت منها حتى أذان الجوامع".

"عرب 48": لكن بالمقابل هناك تحولات طرأت على مجتمعنا الفلسطيني داخل الخط الأخضر، فقد ازداد وزننا الكمي والنوعي وكبرت طموحاتنا ومطالبنا؟

زيداني: "نعم. خلال العشرين سنة الأخيرة تعززت هوية الإسرائيليين وتعززت هويتنا الفلسطينية أيضا. فقد أصبحنا ’فلسطينيين أكثر مما كنا عليه" على مستوى الطروحات وعلى مستوى الهوية وعلى مستوى البرامج. هي عملية زيادة في سمك هوية اليهود في إسرائيل وزيادة في سمك هويتنا أيضا، الأمر الذي يجعل الاندماج أكثر صعوبة، ويعزز المسار الثاني من المواطنة والمتعلق بالحقوق الجماعية، وهو مسار الانفصال او الاستقلالية التي لا تخرج عن سقف الدولة ألا وهو الحكم الذاتي".

**الحكم الذاتي والمواطنة

"عرب 48": في حينه، جوبهت فكرة الحكم الذاتي بادعاءات من نوع أنها تستثير الدولة ضدنا، لأنها تنطوي على استقلال ذاتي وهو ما لن تسمح به إسرائيل، أو أنها في أحسن الأحوال فكرة انعزالية، بمعنى أن مناطق الحكم الذاتي قد تتحول إلى معازل على غرار بانتستونات جنوب أفريقيا؟

زيداني: "فكرة الحكم الذاتي تنبع من صميم المواطنة التي تضمن مبدأ المساواة. والمقصود المساواة التامة في حقوق المواطنة الديمقراطية، المساواة التامة بين المواطنين الأفراد والمساواة التامة بين الجماعتين القوميتين في إطار الدولة الديمقراطية الواحدة، وهي ليست تعبيرًا عن نزعة انفصالية أو انعزالية. فالمساواة التامة في دولة توجد فيها مجموعتان قوميتان تشترط إحقاق الحقوق الجماعية للـ’أقلية القومية’ في هذه الحالة، جنبا إلى جنب مع تحقيق الحقوق الفردية الديمقراطية لأن الحقوق الجماعية تكمل الحقوق الفردية من جهة، وتعوض عن أي نقص أو عطب فيها من جهة أخرى. ولا يمكن تحقيق المساواة التامة في الحقوق بالسير بأحد المسارين دون الآخر. وفي هذا السياق، نعم، فإن اتِباع مسار المطالبة بالحقوق الجماعية التي تتوج بالحكم الذاتي دون المطالبة بالحقوق الديمقراطية الفردية يوقعنا في النزعة الانفصالية الانعزالية. بالمقابل يجب أن ينتبه من يدعون ذلك إلى أن المطالبة بتحقيق الحقوق الفردية الديمقراطية دون الحقوق الجماعية يوقعنا في براثن النزعة الاندماجية التي تسمى سياسيا بالأسرلة".

"عرب 48": قد يقول لك البعض إن هذا "كلام نظري جميل" ولكن على أرض الواقع الأمور تختلف تماما؟

زيداني: "على فكرة، هذا الكلام صحيح بالنسبة لدولة ديمقراطية عادية. أي بالنسبة لمجموعة قومية تتمتع بديمقراطية كفرنسا أو الدنمرك، ولا تعاني من أي تمييز عنصري في مجال الحقوق الفردية. فكم بالحري في إسرائيل، حيث ينتقص الطابع اليهودي للدولة من ديمقراطيتها وليبراليتها وفي هذه الحالة يصبح مطلب الحكم الذاتي أكثر حاجة وإنصافا على حد سواء، لأنه يشكل سياج حماية لهويتنا وحقوقنا الجماعية من طغيان الأغلبية اليهودية، وهو سياج حماية تحت سقف المواطنة والحكم المركزي وليس خارجه، وفي نفس الوقت لا ينطوي على أي مساومة أو تنازل أو انتقاص من حقوق المواطنة الديمقراطية".

"عرب 48": التجمع الوطني الديمقراطي طرح الحكم الذاتي الثقافي الى جانب دولة كل مواطنيها، واعتقد أن هذا الطرح جاء نتيجة نقاش وجدل واجتهادات سابقة على تأسيسه، كنت شريكا فيها، وقادها الدكتور عزمي بشارة باتجاه التحول إلى خطاب سياسي اعتمده التجمع وشكلت أركانه المتمثلة بـ "دولة المواطنين" والحكم الذاتي الثقافي "البرنامج المعتمد" للفلسطينيين في إسرائيل لردح من الزمن؟

زيداني: "تغليب ’دولة المواطنين’ كان ملائما في حينه لظروف مرحلة "أوسلو"، إن صح التعبير، والتي سعت فيها الأطراف الحاكمة في المؤسسة الإسرائيلية إلى دمجنا على هامش الدولة. في حينه تجرأ 'التجمع الوطني الديمقراطي' وطرح في برنامجه السياسي مطلب الحكم الذاتي الثقافي مقترنًا بمطلب تحويل إسرائيل إلى دولة لجميع مواطنيها الذي يعني إلغاء أو تحييد الطابع اليهودي للدولة. أما اليوم، وقد استبدلت سياسة الدمج بسياسة إقصاء، وفي وقت يصر فيه قادة الأغلبية اليهودية في إسرائيل على تسميك طابعها اليهودي على حساب ديمقراطيتها، فإن مطلب الحكم الذاتي يجب أن يتعدى البعد الثقافي ليطال ويحتضن مجالات أخرى، وعلى رأسها الأرض وما عليها".

"عرب 48": ما هو المقصود "بالأرض وما عليها"، هل تقصد حكما ذاتيا إقليميا؟

زيداني: "مطلب الحكم الذاتي الثقافي، على أهميته، أصبح ردًا قاصرًا، وليس بحجم التحدي المتزايد في حدته. والمطلوب هو حكم ذاتي يحمي الهوية ويحمي الأرض والمسكن ويعالج قضايا عالقة ومزمنة كالأوقاف الإسلامية، المهجرين منذ العام 1948، الخرائط الهيكلية وتخطيط المدن والقرى. حكم ذاتي له أنياب، لا يستثني البعد الجغرافي، بعد الأرض وما عليها، كما أن تركيز الكثافة السكانية الفلسطينية أساسًا في الجليل والمثلث والنقب يدفع باتجاه هذا النوع من الحكم الذاتي الأكثر طموحًا والأكثر دسمًا من الحكم الذاتي الثقافي أو المؤسسي الذي طرحه التجمع".

**توزيع عادل للموارد

"عرب 48": بمعنى حكم ذاتي إقليمي؟

زيداني: "هناك درجات من الحكم الذاتي. وما أطرحه يعطي صلاحيات على الأرض والموارد، بمعنى التوزيع العادل للأرض والموارد وحصول المجموعة القومية على نصيبها منها وامتلاكها لصلاحيات ادارتها، وكذلك صلاحيات إدارة شؤونها الثقافية والدينية والسيطرة على جهاز التعليم والإعلام والأوقاف وغيرها من المجالات الخاصة بها، والحصول على هذه الصلاحيات لا يقتضي أي مس بالحكم المركزي أو بالسقف المشترك".

"عرب 48": هناك إسرائيليون يدعون أن العرب في إسرائيل لديهم حكما ذاتيا في مجالات معينة مثل التعليم والثقافة والأديان، حيث يوجد جهاز تعليم عربي ومؤسسات ثقافية عربية ومحاكم شرعية وكنسية وغيرها؟

زيداني: "يوجد فرق بين وجود جهاز تعليم منفصل ومسيطر عليه وبين التمتع باستقلالية في التعليم. هناك مجالات تطلبت فيها الخصوصية أجهزة ومؤسسات منفصلة، لكن جرى السطو والسيطرة عليها من قبل أجهزة الدولة من مخابرات وغيرها، ويفترض تحريرها من هذه القبضة في سياق مطلب الحكم الذاتي".

"عرب 48": قبل أن نصل الى السؤال الصعب، يجدر التذكير أن عملية "تفريخ" الجمعيات التي جرت في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وقلت عنها أنت في حينه إنها تتكاثر كـ"خلايا النحل" وتشكل أرضية للحكم الذاتي، قد جرى تطويعها أو غالبيتها إسرائيليا وعبر صناديق الدعم وصارت جزء من منظومة المواطنة؟

زيداني: "الحكم الذاتي هو فكرة موجهة إذا ما تبنيناها كجماعة. فهي ترشد مسار مؤسساتنا وجمعياتنا وأحزابنا، التي يفترض أن ينصب نشاطها وثمار عملها في خدمة هذه الفكرة. ولكن من الواضح أن ذلك يجري ضمن حالة صراع يومي مع المؤسسة التي تريد أن تأخذنا إلى مكان آخر. من هنا تنبع أهمية الموارد، لأنك بدون موارد ذاتية ووطنية تبقى في مهب رياح صناديق الدعم. وفي هذا السياق وردت في رأسي مسألة أملاك الوقف الإسلامي التي تشمل ملايين الدونمات وعشرات وربما مئات العقارات، والتي، إن تسنى لنا تحريرها، تشكل موردا مهما للتأسيس للحكم الذاتي".

"عرب 48": السؤال الصعب يتعلق بآليات الوصول إلى الحكم الذاتي أو تحقيقه في هذا الوضع المركب، الذي تتراجع فيه إسرائيل المهووسة بشعور القوة والغطرسة عن اليسير الذي انتزعناه وانتزعه شعبنا خلال صراعه المرير معها؟

زيداني: "من الواضح أن الحكم الذاتي يمكن أن ينجز بطريقتين. الأولى تتم بالاتفاق مع الحكم المركزي، الذي ينقل بدوره جزء من صلاحياته إلى سلطة الحكم الذاتي، التي يجري انتخابها وتتألف من برلمان وهيئة تنفيذية (حكومة) محلية. والثانية من خلال صراع مع الحكم المركزي وبناء وقائع على الأرض تقود السلطة المركزية إلى الاعتراف بها، ويندرج في هذا السياق بناء المؤسسات الوطنية والثقافية، على غرار المدارس والكليات والجامعات في مجال التعليم والعيادات والمستشفيات في مجال الصحة وهكذا دواليك، الى جانب خلق وتعزيز القيادة والهيئات الوطنية وفحص إمكانية انتخابها".

"عرب 48": سبق وطرحت فكرة برلمان عربي وإجراء انتخابات مباشرة للجنة المتابعة، إلا أن هذه الأفكار تجد من يعيق ترجمتها دائما؟

زيداني: إذا اقتنعنا بالفكرة الموجهة، وهي الحكم الذاتي، تغدو كل خطواتنا الجماعية أسهل وأكثر رشاقة ولها مصب واحد هو الوصول إلى هذا الهدف، وبضمنها الاتفاق على ضرورة بناء الهيئات الوطنية وانتخابها، ولاحقا يمكن ويجب التفكير بخطوات أكثر حزما، قد تصل إلى العصيان المدني لتحقيق هذا الهدف".

"عرب 48": نحن نتحدث وكأننا "أقلية قومية" منقطعة الجذور ولكننا في الواقع جزء من شعب ما زالت قضيته مفتوحة ولم تجد حلها بعد. كيف نوائم بين مطلب الحكم الذاتي والحلول المحتملة للقضية الفلسطينية؟

زيداني: "الحكم الذاتي لا يتناقض مع أي تصور لحلّ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل أن أي حل نهائي منصف يفترض أن يشمل ترتيبات حكم ذاتي، سواء تمثل بدولتين مستقلتين متجاورتين، أو دولة ديمقراطية واحدة ثنائية القومية".