"كي لا نتحول لشهود زور على تشويه التاريخ"

"كي لا نتحول لشهود زور على تشويه التاريخ"
د. فطوم

ما زالت المشاركة في المؤتمرات والأيام الدراسية التي تعقدها مراكز الأبحاث الصهيونية داخل إسرائيل وخارجها، مثل مشاركة سياسيين وأكاديميين فلسطينيين في مؤتمر عقده "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، أو مشاركة مجموعة من الأكاديميين في "احتفالية 100 عام على وعد بلفور"، التي عقدت مؤخرا في إحدى الجامعات الأميركية، موضع جدل ونقاش لما تحمله من مدلولات سياسية ولما لها من انعكاسات على القضية الفلسطينية بمختلف أبعادها التاريخية والسياسية والثقافية.

ولأن دعوة أولئك الأكاديميين والسياسيين لا تنبع من تفوقهم وتميزهم الشخصي في مجالات البحث والسياسة، بل ترتبط أساسا بهويتهم الفلسطينية العربية، فإنه بهذا المعنى هم سفراء لمجتمعهم وشعبهم، يقع عليهم واجب حمل هذه الرسالة وإيصالها بأمانة سياسية وأكاديمية عالية، ولنا عليهم حق مراقبة ومتابعة كيفية تأديتهم لهذه الرسالة وانتقادهم سلبا وإيجابا على المشاركة أو عدم المشاركة إذا اقتضت الحاجة، لأن الرفض لا يقل أهمية عن المشاركة إذا ما أريد منها تهميش طرف الصراع الفلسطيني أو استعمالنا كأوراق توت وشهاد زور على تزييف التاريخ.

ورغم موافقتنا على الرأي القائل إن معايير التطبيع لا تنطبق علينا نحن الفلسطينيين الذين نعيش داخل إسرائيل، لأن تعاملنا مع إسرائيل هو حالة "طبيعية" خلقتها ظروف الواقع الكولونيالي في فلسطين وليست حالة تطبيعية، تقوم بها أطراف ودول تتمتع باستقلال سياسي واقتصادي وتسعى إلى منح الشرعية لهذا الواقع الغريب وتحويله الى مشهد عادي في المنطقة.

لماذا نكون أوراق تين تستر عورات إسرائيل

لكن واقعنا المذكور يجعلنا نتحرك في ظروف أصعب وأكثر تعقيدا ويضعنا أمام إشكاليات يومية يواجهها العامل والطالب والموظف والأكاديمي ورجل السياسة، وهي إشكاليات تستدعي تلمس حدود مجالنا الحيوي وإعادة رسم خطوطه الحمراء والخضراء وضبط ميزان الفائدة والضرر والمسموح والمحظور تبعا لمتغيرات المكان والزمان.

د. علي فطوم، وهو عالم فلسطيني من قرية نحف الجليلية يعيش في أميركا، استفزته مشاركة أكاديميين فلسطينيين، جلهم من الداخل، في مؤتمر عقدته قبل مدة وجيزة جمعية الدراسات الإسرائيلية "احتفاءً بمئوية وعد بلفور" المشؤوم، بمشاركة أكثر من 300 باحث وصحفي ومفكر وكاتب إسرائيلي.

وتساءل فطوم، في حينه، عبر صفحته على "فيسبوك"، لماذا تشارك 15 شخصية أكاديمية عربية، بينهم 10 من الداخل، يحبهم ويحترمهم كما كتب، في هذه "الاحتفالية"، التي تجري تحت هذا العنوان وتناقش مواضيع في لب الفكر الصهيوني، مثل مستقبل إسرائيل وتطور المجتمع الإسرائيلي وتكامل الأمة اليهودية، الحل الصهيوني والرواية الصهيونية؟ ولماذا يرضى هؤلاء بمشاركات بغالبيتها وصفية على الأكثر او بمواقف شخصية او سردية؟ وما هي الحصيلة العلمية لمثل هكذا مشاركة في مثل تلك المؤتمرات، التي هي عبارة عن مظاهرة سياسية واحتفالية بمجرم ارتكب أفظع جريمة بحق فلسطين وأهل فلسطين؟ ولماذا لا نضع لانفسنا مقادير ومحاذير؟ ولماذا نقبل أن نضع أنفسنا في هكذا مواقف ونقبل ان نكون ختماً مزيفاً وشاهدي زور على تزييف التاريخ؟

نستذكر هذه التساؤلات ونحن أمام مشاركة مماثلة للنائب عايدة توما - سليمان والبروفيسور أمل جمال، في مؤتمر "معهد أبحاث الأمن القومي"، ومقارنتها مع بيان لجنة مقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها وسحب الاستثماؤات منها (BDS)، التي اعتبرت في بيان لها بهذا الخصوص أن "مشاركة أي فلسطيني/ة، من أراضي العام 1967 أو 1948 في مؤتمر لمعهد دراسات الأمن القومي، الذي يختص في تعزيز نظام الاحتلال والاستعمار- الاستيطاني والفصل العنصري (الأبارتهايد) الإسرائيلي ضد شعبنا، كما قالت، توفّر أوراق توت فلسطينية لأجندة هذا المركز الاستعمارية وتعتبر تطبيعاً، حسب تعريف التطبيع الذي تم تبنيه من قبل الغالبية الساحقة للمجتمع المدني الفلسطيني في مؤتمر حركة المقاطعة الأول في العام 2007 ووفق معايير التطبيع الخاصة بأراضي 1948".

ويقول د. فطوم إنه "إذا كانت ظروفا معينة أتاحت المشاركة في الكنيست على سبيل المثال، فهذا لا يعني جواز المشاركة في الحكومة الإسرائيلية أو في لجنة الخارجية والأمن. وإذا كانت الظروف قد اضطرتنا إلى الدراسة في جامعة تل أبيب، رغم أنها تقوم على أنقاض قرية الشيخ مونس الفلسطينية، فهذا لا يعني جواز الدراسة في جامعة مستوطنة أريئيل. وإذا كنا نجيز لأنفسنا المشاركة في مؤتمر علمي أو حتى سياسي تنظمه الجامعة العبرية بعد التدقيق في ظروف وشروط المشاركة، فهذا لا يعني إباحة المشاركة في ’احتفالية’ مرور 100 عام على وعد بلفور في جامعة بوسطن بدون تدقيق".

وأضاف د. فطوم حول تبرير المشاركة في مؤتمرات كهذه، أنه "ارحمونا من هذه المعزوفة التي يراد بها تبرير كل شيء، وليقل لي كل مشارك ما هي الحصيلة الوطنية من مشاركته في مؤتمرات أبحاث ذات طابع أمني أو سياسي - صهيوني في الداخل والخارج. فنحن نتفهم إشكاليات هؤلاء، خاصة الأكاديميين الذين يعملون في الجامعات والمؤسسات الإسرائيلية، ولا نريد أن نحملهم فوق طاقتهم، خاصة وأننا الأكاديميون المشتغلون في مجال العلوم الطبيعية لا نواجه مثل هذه الإشكاليات، ولكن عليهم أن يكونوا على قدر المسؤولية التي يحملونها ويكونوا بمثابة سفراء ورسل لشعبهم وقضيته وليس العكس".

كي لا نسقط في مهاوي الأسرلة

ويوافق د. فطوم على الرأي القائل إن معايير التطبيع لا تنطبق علينا ولكن تنطبق علينا معايير"الخيانة الوطنية" ومعايير الانزلاق في مهاوي"الأسرلة" والعدمية القومية.

ويرى أن "مشاركة ما سمي بـ’منتخب الأحلام الإسرائيلي’ أو مجموعة الشباب العرب الذين جرى انتقاءهم على أساس طائفي ومناطقي وتجيير سذاجتهم لزجهم في حرب إسرائيل ضد حركة BDS، لخدمة إسرائيل ومصالحها، تختلف عن مشاركة أكاديميين وسياسيين عرب في مؤتمرات المؤسسات والمعاهد الصهيونية والاحتفال بوعد بلفور المشؤوم".

وقال إنه "أميز بشكل قاطع بين المشاركتين وأعتبرهما على طرفي نقيض، حيث تقع الأولى في دائرة الخروج عن الإجماع والصف الوطني، بينما تحتمل الثانية حتى لو كانت تصب في طاحونة الأسرلة واستخدامنا كورقة تين لستر عورة سياسات الاحتلال، وتحتمل ان تكون اجتهاد او وجهة نظر نختلف معها ونناقش أصحابها وننتقدهم حتى لو جرى هذا النقاش بصوت عال مثلما ناقشتهم الـBDS".

د. علي فطوم عالم معروف ومن طلائع الحركة الوطنية في السبعينيات، وهو أستاذ مشارك في معهد النانوتكنولوجي في جامعة ميشيغان، وباحث ذا سمعة عالمية وله العديد من الأبحاث والاكتشافات في مجال تطوير الأمصال الطبية، ولم يمض فترة دراسته الجامعية في الأبحاث والمختبرات فقط بل كان من رواد الحركة الطلابية في السبعينيات حيث شغل عضوية لجنة الطلاب العرب في الجامعة العبرية في القدس خلال دراسته للقب الاول، وعضو لجنة الطلاب العرب في جامعة تل أبيب، خلال دراسته للقب الثاني، ثم لجنة الطلاب العرب في الجامعة العبرية، خلال دراسته للقب الدكتوراة. وعمل محاضرا لبضع سنوات في جامعة بير زيت قبل المغادرة الى الولايات المتحدة عام 1986.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018